ربما يتساءل أي مراقب لصناعة الطيران والنقل الجوي عن جدوى الصفقات الضخمة التي توقعها طيران الإمارات بين حين وآخر، وقد يعتبرها بعضهم سباحة عكس التيار، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الدقة في العالم الذي عصفت به رياح أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

لكن قراءة متأنية لاستراتيجية العمل التي تحكم دبي عموماً، وطيران الإمارات خصوصاً، تعطي أجوبة واضحة عن ماهية هذه الصفقات وجدواها الاقتصادية والتجارية، وما تعنيه بالنسبة لإمارة حددت منذ وقت طويل أهدافها واستراتيجيتها. فدبي ومنذ وقت طويل تستثمر بكثافة في تعزيز وتطوير بنيتها التحتية، خصوصاً في ما يتعلق بالطيران المدني، انطلاقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن تكون دبي مركزاً تجارياً ولوجستياً عالمياً.

حيث انطلقت دبي لتحقيق هذه الرؤية، وأصبح قطاع الطيران المدني عصباً حيوياً للاقتصاد، ويسهم بنحو 25 بالمئة من ناتج دبي الإجمالي الذي يقوم على إعادة التصدير والخدمات، ويكفي أن مطار دبي يستحوذ اليوم على 30 بالمئة من حركة النقل الجوي في منطقة الشرق الأوسط.

قامت صفقات الناقلة دوماً على التخطيط الدقيق والدراسة العميقة لاحتياجات الشركة، وليس ادل على ذلك من الصفقة الأولى لطائرات الإيرباص العملاقة التي جاءت بعد شهور من تفجيرات 11 سبتمبر 2001، عندما كانت صناعة الطيران المدني تمر بأصعب أوقاتها، فجاءت صفقة الإمارات لتثير الغرابة في ذلك الوقت، واتضح للجميع بعد ذلك مدى بعد النظر وصواب القرار الذي اتخذته الشركة، حين تسابق الجميع بعد ذلك للحصول على هذه الطائرة التي أثبتت جدواها الاقتصادية العالية.

صفقة طيران الإمارات أمس، ومن قبلها صفقات ضخمة مماثلة، استثمار في المستقبل، وخطوات تعكس حجم النمو الذي تحققه الناقلة منذ سنوات، وحاجتها إلى مزيد من الطائرات لتواكب عمليات النمو في خدماتها ومحطاتها.

وليس أدل على ذلك من توقعات الاتحاد العالمي للطيران المدني (إياتا) بأن تحافظ منطقة الشرق الأوسط على مكانتها كواحدة من اسرع مناطق العالم نمواً في حركة النقل الجوي، فضلاً عن توقعات عملاقي الصناعة بوينغ وإيرباص باستمرار الطلب على الطائرات الجديدة خلال العقدين المقبلين، وبنسب نمو عالية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط وآسيا.

الصفقات الموقعة سبقتها خطوات عدة، في مقدمتها استثمار دبي أكثر من 200 مليار درهم في قطاع الطيران لتحويل الإمارة إلى مركز عالمي للطيران والخدمات اللوجستية، حيث ستمتلك في المستقبل أكبر مطار في العالم، عدا عن امتلاكها اليوم لأكبر ميناء في المنطقة، بحيث تتكامل هذه المرافق والخدمات نحو تحقيق رؤية الإمارة التي اختطتها منذ سنوات، واحتلت فيها موقع الصدارة والريادة، ومازالت.