شهدت محاكم الدولة مؤخراً محاكمات في عدد من جرائم قتل، وحظيت هذه المحاكمات بتغطية إعلامية واسعة، ما وضع الرأي العام أمام عدد من المصطلحات والعبارات القانونية غير المألوفة لديه، التي ترددت في سياق تغطية هذه المحاكماتز

بالإضافة إلى أن تباين إجراءات ونتائج هذه المحاكمات طرحت تساؤلات عديدة لدى أفراد المجتمع ممن لا يمتلكون المعرفة القانونية والشرعية، ومن أكثر المصطلحات التي تكررت، كان مصطلح «أولياء الدم» والذي كان عاملا مشتركا في كل الأحكام، وفي جلسات التداول، فهو المحور الذي يرتكز عليه كل حكم وأكثر القرارات في الجلساتز

فمن التأجيلات والمماطلة في البت في القضايا، إلى قرارات العفو أو حكم الاعدام، وحتى المناقشات التي أثيرت عن أهمية وجود أو عدم وجود ولي الدم في المحاكمة وغيرها، فكان لابد من توضيح هذه النقاط للرأي العام حتى لا يلتبس الأمر، لأن ثقة المجتمع بسير القضاء والعدالة ركن أساسي في انتشار الأمن فيه، ولابد لنمو الثقة من أن ترتكز على المعلومة الصحيحة المستقاة من منبعها، وأحمد عبد الحميد، القاضي في الدائرة الجنائية الشرعية في المحكمة الاتحادية العليا والذي يعتبر صاحب أكبر عدد من الأحكام في قضايا القصاص في الدولة، أوضح هذه النقاط ل«البيان».

حقوق أولياء الدم

أكد القاضي أحمد عبد الحميد، قاضي المحكمة الاتحادية العليا، أنه ليس من حق أي شخص أو جهة تخفيض حكم الإعدام بحق القاتل إذا ثبتت أركان تحقيق القصاص، ويستثنى من ذلك على سبيل الحصر أولياء الدم، حيث جعل الله سبحانه وتعالى لولي الدم السلطان في القصاص، لا يشاركه به أحد، وهو الوحيد القادر على العفو مقابل الدية، أو بدونها، أو طلب تنزيل العقوبة، استناداً إلى الحديث الشريف «من اعتبط مؤمناً بقتل فهو مودة إلا أن يرضى ولي المقتولز

فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضب لا يقبل منه صرف ولا عدل»، مما يلزم بضرورة حضور أولياء الدم إجراءات المحاكمة والإدلاء برأيهم في كل درجة من درجاتها، كشرط لصحة المحاكمة وشرعية حكمها، ولا يمكن لقاض أن يحكم بغياب رأي ولي الدم لأن في ذلك هدرا لحق المجني عليه وعائلته، بالاضافة لكونه يتسبب بضياع حق الجاني بطلب العفو وامكانية حصوله عليه، مشيراً إلى أن عقوبة الإعدام التي يحق للقاضي النزول بها من الاعدام إلى المؤبد، لا تكون في جرائم القتل العمد، بل في الجرائم الأخرى الموجبة لعقوبة الإعدام التعزيرية كجريمة الاتجار بالمخدرات.

حكم الشريعة الاسلامية

وأضاف قاضي المحكمة العليا، أنه متى ثبت القتل العمد فلا يجوز الحكم إلا من خلال الشريعة الاسلامية وبالقصاص، وفق نص المادة الثانية من القانون رقم 3 لسنة 1969 بشأن اختصاص المحاكم الشرعية والمادتين 1 ، 331 من قانون العقوبات الاتحادي، بأن جرائم القصاص والدية تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية إذا ما توافرت فيها شروط تطبيق عقوبة القصاصز

ومن ثم فإن جريمة القتل العمد يكون عقوبتها القصاص عملاً بقوله تعالى: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون»، ولا يجوز أن يكون في ذلك آراء أو اختلاف، موضحاً أن اجراءات المحاكمة في هذه الحالة توجب حضور أولياء الدم أو من ينوب عنهم، ولا يجوز المحاكمة أو الحكم في غياب أولياء الدم، لأنهم أصحاب السلطة الحصريين في طلب العقوبة، أو منح العفو مقابل الدية أو بدون دية، وعلى القاضي العودة إليهم في الحكم.

البحث عن أولياء الدم

وأوضح القاضي أحمد عبد الحميد، أنه في حال كان المجني عليه مجهول الهوية، فعلى السلطات المعنية أن تبذل الجهد الكافي للتعرف على هوية المجني عليه، وأن تستعين في ذلك بكل الوسائل الممكنة من خلال التحقيقات والفحوصات الحديثة المتوفرة، بالإضافة إلى امكانية اللجوء إلى الاتفاقيات الأمنية التي تربطها مع مختلف الدول، في حال كان المجني عليه من دولة أخرى، مشيرا الى أنه في قضية سابقة كان المجني عليه مجهول الهوية، وحكم على الجاني بالسجن المؤبد في محكمة الاستئناف.

ولكن المحكمة العليا رفضت حكم الاستئناف، واعتبرته هروباً من المحكمة من أحد أهم أركان محاكمات القصاص، وهو حضور أولياء الدم، وهو ما لم تقبل به المحكمة العليا، وأعادت القضية إلى محكمة الاستئناف لتنظرها من جديد على أساس الشريعة الاسلامية، وهي بذلك قامت ضمناً بإجبار السلطات المختصة بالبحث عن أولياء دم القتيل.

وبذل الجهد الكافي في هذا الإطار، فالشرطة عندما ضبطت الجاني ولم تتعرف على حقيقة هوية المجني عليه، وحولت القضية إلى النيابة دون أن تقوم بجهد البحث الكافي عن هوية القتيل، وهو أيضاً ما قامت به النيابة باستعجال تحويل القضية إلى المحاكمة دون الطلب من الشرطة والسلطات المختصة تحري هوية القتيل، ولم تستطع المحكمة في هذه الحالة تطبيق قانون الشريعة الاسلامية نظراً لغياب أولياء دم القتيل.

حفظ الحقوق

وأضاف أن هذه الحالة أوجبت على المحكمة الاتحادية العليا كسلطة رقابية على تنفيذ القانون، أن تنقض الحكم وتطلب إعادة المحاكمة بما ينسجم مع أحكام الشريعة الاسلامية التي اعتمدها المشرع في دولة الامارات للحكم في قضايا القصاص والدية، وأشار القاضي أحمد عبد الحميد الى أن هذه القضية توضح إحدى سلبيات التسلل ودخول البلاد بصورة غير شرعية.

كما هو حال القتيل في هذه القضية، والذي تبين أنه دخل الدولة بجواز سفر واسم مزيفين، فكان من تبعات ذلك أن حرم أسرته من العلم بوفاته، وحتى من ممارسة حقهم في طلب القصاص أو الاستفادة من الدية إن أرادوا ذلك، اضافة إلى حرمان القاتل من امكانية الحصول على عفو أولياء الدم، كما أكد أنه إذا حدث أن السلطات المعنية قامت بكل مايمكن لايجاد هوية المجني عليه ولم توفق، واقتنع القاضي بذلك.

وهو مالم يحدث حتى الآن «وفق القاضي أحمد عبد الحميد»، ففي هذه الحالة يحكم القاضي بالإعدام، ويكتب في قرار إحالة أوراق القضية إلى صاحب السمو رئيس الدولة، أن المجني عليه لا أولياء دم له، وبذلك فإن رئيس الدولة هو ولي دم من لا ولي دم له، ويطلب من سموه تقرير ما يراه بناء على أنه ولي الدم.

تأجيل القضية لحضور أولياء الدم

وفي رد على استفسار «البيان» حول بعض قضايا القتل المتداولة في المحاكم حالياً، وقد أجل النظر فيها مرات عدة لعدم حضور أولياء الدم، بما تسبب في طول فترة المحاكمة أكثر مما يجب، أوضح القاضي أحمد عبد الحميد أن هذا التأجيل يتوافق مع صحيح القانون والشرع، فلا بديل لحضور أولياء الدم وسماع رأيهم، حتى في حال وجودهم في دولة أخرى، فعلى السلطات المختصة، في دولة الامارات، وبالتنسيق بينها أن تتدبر إحضارهم إلى الدولة إن أمكن.

فإن تعذر ذلك، فيمكنها اعتماداً على الاتفاقيات الدولية أو الاتفاقيات الثنائية بين الدولة وبلد المجني عليه، أن تعهد للسلطات في تلك الدولة بالتحقيق مع أولياء الدم ومعرفة رأيهم بالحكم، والحصول عليه بالطرق الرسمية المتبعة، أو يمكن لأولياء الدم توكيل محامٍ أو شخص لينوب عنهم في حضور المحاكمة، ولكن في كل الأحوال لا يمكن لأي قاض أن يتغاضى عن ضرورة حضور أولياء الدم للمحاكمة، بما في ذلك حالة امتناع أولياء الدم عن حضور المحاكمة.

فإن على القاضي في هذه الحالة أن يطلب حضورهم أكثر من مرة، وليكن بطريقة الابلاغ مراعاة للظروف التي يمرون بها، وفي حال أصروا على الامتناع عن الحضور، فعلى القاضي أن يطلب ضبطهم وإحضارهم، فلا يملك أي شخص مهما كانت صفته أن يمتنع عن حضور محاكمة إذا طلبه القاضي، والمحاكمة يجب أن تتم بوجودهم بالضرورة، ولا يحق لهم أن يمتنعوا.

سابقة قانونية

ومن جهة أخرى، أكد قاضي المحكمة العليا، أن عدم ادعاء أولياء الدم بالحق المدني ضد الجاني لايشكل فرقاً بما يتعلق بحقهم الحصري بطلب القصاص أو منح العفو، بل ان المحكمة العليا أثناء المحاكمة الشهيرة للاعبين في الفريق الوطني لكرة القدم مع آخرين اتهموا بجريمة قتل أحد المواطنين، أقرت مؤخراً في سابقة قضائية حق أولياء الدم في نقض حكم البراءة لمتهم بالجريمة، رغم أنهم لم يكونوا مدعين في الحق المدني خلال المحاكمة في المرحلتين الابتدائية والاستئناف، وكان ذلك لقناعة المحكمة بحق أولياء الدم بالادلاء برأيهم في ما يخص دم ولدهم أو من هم أولياء دمه، وهو حق لا يسقط إلا بالقصاص من الجاني، أو بعفو منهم حصرياً.

اعتبارات المصلحة

وحول القضية التي تم تداولها خلال فترة ماضية، حيث فسرت وسائل الإعلام الحكم فيها بتجاوز القاضي رأي والد المجني عليه الذي أصر على القصاص، والحكم بدية تجاوزت المليون درهم لمصلحة أبناء المجني عليه، أوضح القاضي أحمد عبد الحميد أن الحكم كان في محكمة الاستئناف وقد أيدته المحكمة العليا، لما وجدت فيه مصلحة للأيتام أبناء المجني عليه، ولكن الأهم أن الحكم لم يتعارض مع صحيح الشرع والقانون، وليس فيه تجاوز لحق أولياء الدم.

وهم في هذه القضية أبناء المجني عليه القصر وليس والده، ووالد الضحية هو من أولياء الدم ولكن ليس بنفس مستوى أولوية أبناء القتيل، وكانت محكمة الاستئناف قامت بجهد مشكور وبادرة طيبة بالطلب من المحكاكم الأردنية بالتقصي حول أوضاع أبناء المجني عليه بعد وفاة والدهم، فتبين أنه كان المعيل الوحيد لهم، وأنهم سيعانون بفقده من فقر شديد ولن يجدوا من يعيلهم، خاصة وأن جدهم فقير ورجل كبير لا يستطيع العمل لتوفير احتياجاتهم.

وهنا وضعت المحكمة نفسها كوصية على أبناء المجني عليه، وهم في هذه الحالة أولياء الدم، وقبلت بالدية لصالحهم، خاصة أن مبلغ الدية تجاوز المليون درهم، وهو مبلغ سيساعد هؤلاء الأطفال في حياتهم، بينما لن يفيدهم قتل الجاني في شيء، وهو ما أقرته ووافقت عليه المحكمة العليا، ولم تعتبره مناقضاً لصحيح القانون أو منقصاً لحق أولياء الدم.

أبوظبي ـ إيمان كلش