لم تجد مفراً من الاستعانة بسائق الجيران، بعد أن سافر سائق العائلة في إجازته السنوية، «خلي دريولكم يوصلنا وبعدين يروح..»، «ومنو بيردكن البيت؟».. «مب مشكلة.. بنرد في توتو».. وأطلقت ضحكتها المعتادة، في مدينة نابضة لا يكف سكانها عن الحركة، ليس أسهل من الحصول على تاكسي.. والتجول بسهولة بين المولات والأسواق، القابعة في قلب المدينة.

في كل مرة تركب التاكسي، لا بد أن تخرج بحكاية طريفة، هذه المرة.. يبدو مظهرها الخارجي سياحياً أكثر من اللازم، حيث اعتقد السائق أنها سائحة، تزور المدينة للمرة الأولى، فسُكانها عادةً لا يلجؤون لاستخدام وسائل النقل العام، وإن فعلوا فمن باب الفضول، أو بدافع الكتابة.

بعد أن استفسر السائق عن الجهة التي تقصدها، بدأ بسرد شيء من الواقع المرير الذي يكابده، مقابل العيش في مدينة متنامية، وعن عائلته التي تتحرى المصروف آخر الشهر، جرت تلك الشكاوى على مسامعها مرات عدة، أما المفاجأة التي استوقفتها.. فالحديث عن جهوده وبني جنسه في بناء نهضة المدينة.. وعن تكاسل سكانها وتقاعسهم عن العمل، مقابل الرواتب التي يتقاضونها..

حينها كان الوقت أسرع من أن تستجمع أفكارها للرد على حديث ساذج كهذا، أو ربما خشيت الضياع في ازدحام المدينة، بسبب جدال أحمق.. فضلت الصمت الذي كان الطريق الأسلم، للوصول إلى الجهة التي تقصد، حملت حقيبتها على عجل، وبشعور تغلب عليه الدهشة والغضب، قررت أن تقاطع التاكسي.

في الوثائقيات التلفزيونية، سائق التاكسي دليل السائح إلى رحلة في المكان والزمان، هو مصدر ناطق باللغة الرسمية، عن كل ما يتعلق بتاريخ المدينة المادي والمعنوي، وعدد كبير ممن يمتهنون قيادة سيارات الأجرة هم من حملة الشهادات والأكاديميين، أما المكتبة الأدبية فلا تخلو من طرائف وحكايات سائقي سيارات الأجرة التي دونها الرحالة في كتبهم، وشكلت جزءاً كبيراً من انطباعاتهم الإيجابية أو السلبية عن المدن التي زاروها، فهم مؤشر يعكس بوضوح وجه المدينة بتفاصيله.. بنضارته وتجاعيده.

في هذه المدينة الأصيلة، المُطعمة بالحداثة، يبدو الأمر غير معتاد، فسائق التاكسي والسائح سواسية، عندما يتعلق الأمر بتاريخ المدينة ونهضتها، وحكاية سكانها الأصليين، فيسعى الزائر إلى الاستفادة من معرفة الغريب، وتضيع ملامح المدينة بين التخمين والتأويل، وتُصدّر صورة مغلوطة. ولا يبدو الصمت هنا خير دليل.

ما تأخذه من سائق التاكسي في هذه المدينة غير الحديث الساذج والملفّق، تصرّفات غير مسؤولة، وقيادة أقل ما توصف، بالتهور، هم أفقدوا المهنة وجهها الحضاري واستبدلوه بآخر تجاري، فالمهم أن يصطاد سائق التاكسي الركاب، دون الاكتراث بما يحيط به من مركبات، أو الخوف من عواقب المخالفات، عندما يلجأ أغلبهم بتصرف غير مسؤول إلى الزج بسيارته أمام المركبات الأخرى، وتعطيل السير.. أو تجاوز الإشارة الحمراء، وتهديد حياة الآخرين بالخطر. حتى أصبحت تلك التصرفات ملتصقة بسائقي التكاسي!..

تتسع الحياة بشكل مخيف.. تفقد الأشياء وجهها النضر، وتبدو أكثر تعقيداً!

التاكسي.. إحدى تلك الصور التي تحتاج لإعادة النظر.. حتى تتضح ملامح المدينة الأصيلة.

أمل الفلاسي