في أعماق إحدى الغابات الإنجليزية، تقبع تحت كومة من أوراق الشجر الميتة يرقة عث فضية تكافح لتخرج من غلافها الخارجي. وعندما يراقب المرء هذا المخلوق الضعيف عن كثب وهو يخطو خطواته المتعثرة الأولى إلى هذه الحياة، لن يخطر بباله أبداً أنه على وشك الانطلاق في رحلة إلى أماكن بعيدة ليصل حتى إلى شمال أفريقيا. فهذه مسافة طويلة جداً بالنسبة لحشرة كهذه لا تعيش سوى أسبوع أو أسبوعين.
وبالنظر إلى حياتها القصيرة جداً، تحتاج حشرات الفراش والعث إلى اتباع استراتيجيات ذكية لتقطع مسافات تضاهي المسافات التي تقطعها العديد من الطيور المهاجرة. لكن كيف تستطيع أن تقطع مثل تلك المسافات الطويلة؟
وكيف تعرف الاتجاه الذي يجب أن تطير فيه علماً أنها تقوم بالرحلة مرة واحدة في حياتها؟ الاهتمام بالإجابة عن هذه الأسئلة لا يقتصر الآن على الأوساط الأكاديمية، لأن يرقات العديد من هذه المخلوقات تعتبر حشرات ضارة بالمحاصيل الزراعية، وبالنظر إلى تغير المناخ العالمي فإننا نحتاج إلى معرفة الأماكن التي ستتوجه إليها تلك الحشرات في الموسم التالي.
تحلّق الفراشات ذات الأجنحة الحرشفية على ارتفاعات تصل أحياناً إلى كيلومتر، ولذلك فإن من الصعب دراستها أثناء الطيران، خاصة انها تفضل الطيران ليلاً. لكن لحسن الحظ ان فريقاً بريطانياً من علماء الحشرات بقيادة جيسون شابمان في معهد أبحاث روثماستيد وجد طريقة تتغلب على هذه المشاكل وتتيح مراقبة الفراش المهاجرة من الأرض. ومنذ عام 2000 يستخدم علماء الحشرات رادارين حديثين، أحدهما في روثماستيد والثاني في شيلبولتون في هامشاير، لرصد حركة الحشرات المهاجرة في عرض السماء ليلاً ونهاراً.
وتعكس الحشرات التي تمر عبر الحزم الأمواج الرادارية إشارات تظهر من المعلومات أكثر بكثير مما يمكن معرفته عن طريق احتجاز الحشرات ومراقبتها بشكل مباشر. وتسجل كل صورة ظاهرة على شاشة الرادار بيانات عن ارتفاع الحشرة، سرعتها، شكلها، حجمها، اتجاه تحليقها، درجة ميلان جسمها وتردد خفقان أجنحتها.
ويمكن للرادار التقاط حتى أصغر الحشرات حجماً ابتداءً من وزن 15 ملم ـ وعلى ارتفاعات تصل إلى 1200 متر. ويمكن استنتاج نوع الحشرة وشكلها وعدد ضربات أجنحتها بالثانية من قراءة بيانات الصورة الرادارية.
وهذه السنة نشر تشابمان نتائج بيانات سبع سنوات من الرصد الراداري، تقدم معلومات حول 100 ألف حشرة. وتظهر النتائج أن حشرات العث المهاجرة بارعة جداً في اختيار الرياح المواتية الأكثر ملاءمة لرحلتها، حيث تنطلق فقط في الليالي التي تهب فيها الرياح في اتجاه قريب من اتجاه رحلتها. وفي مثل تلك الليالي، تحلق حشرات العث الفضية مثلاً بسرعات تصل إلى 90 كيلومترا بالساعة مستفيدة من امتطاء تيارات الهواء السريعة في الارتفاعات العالية، وموجهةًّ زاوية ميلان جسمها لتصحيح أي انحراف ناتج عن الرياح العرضية.
وبالنسبة للفراشات، ليس هناك داع لكل هذه السرعة. فإناث الفراش المطلية تقطع نفس المسافات التي يقطعها العث الفضي، لكنها تعيش لأسابيع وليس لأيام.
وتطير الفراشات المطلية، والفصائل ذات الصلة، مثل الأدميرال الأحمر، على ارتفاع أقرب إلى سطح الأرض وتعتمد بشكل رئيسي على قوة أجنحتها لا على الرياح. ويعود الرقم القياسي لأطول مسافة تقطعها الفراشات حرشفيات الأجنحة إلى الفراشة الملكية الأميركية التي تهاجر خلال شهرين من أقصى الشمال عند الحدود الكندية إلى وسط المكسيك.
وتثير مثل الرحلات الطويلة أسئلة مهمة حول كيفية تعرف الحشرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة على اتجاهاتها. من الواضح أن لديها بوصلة مدمجة داخلياً، لكن ليس من غير المعروف بعد كيف يتم ضبط تلك البوصلة. هل تضبط على اتجاه الشمس أو حسب المجالات المغنطيسية، كما هي الحال عند الطيور؟
وبعد تضارب النتائج على هذا الصعيد، لجأ روبرت سيرجلي من معهد سيمثونيان للأبحاث الاستوائية في بنما إلى التعاون مع علماء فيزياء برازيليين لاختبار ما إذا كانت الحشرات الأقل تأثراً بالضوء، مثل النمل قطّاع الورق، تستجيب للمجالات المغناطيسية عن طريق استخدام المغنتايت (أكسيد الحديد الأسود) الموجود في جسمه.
وأظهرت نتائج دراستهما المشتركة ان النمل يستخدم، كما يبدو، بوصلة مغنطيسية لتحديد اتجاه مسيره إلى أعشاشه، وهي نتيجة مثيرة للاهتمام تضاف إلى حصيلة النتائج المتراكمة التي تشير بأن حشرات كثيرة بما في ذلك الفراش تمتلك بوصلات مغنطيسية.
ويعتقد ستيف روبرت من كلية مساشوستش الطبية بأن الفراشة تستشعر المجالات المغنطيسية باستخدام المستقبلات الضوئية، الموجودة أيضاً لدى الطيور، وبعض الحشرات الأخرى وحتى في النباتات أيضاً.
إعداد: علي محمد
