كانت الخادمة الآسيوية، تجول بخرطوم المياه عند بوابة المنزل، كعادتها صباحاً، عندما رأتها وسألتها عن «المدام»، وهي تهم بالدخول لتدشين الجلسة الصباحية مع جارتها، كانت المفاجأة.. «ماما ما في موجود.. سافر أمس بالليل، كلو سافر».. تذكرت مكالمتهما الأخيرة عصر البارحة، لم يكن هناك أي حديث يوحي بنية السفر، «عنبو أنا يارتها من سنين، ما تخبرني؟».

ثم استدعت مسلسل التحركات السرية الأخيرة لجارتها، فأدركت تلك العادة التي استجدت على سلوكها، طبعاً أصبح «الفريج» على خبر سفر الجارة غير المتوقع فبالأمس كانت تمضي أوقاتها معهن، واليوم تغيب دون تحية. هي لا تتحدث عن تحركاتها أبداً، وفي نظر الجميع هي لا تعرف الأصول.. ولا تستحي من التقصير في حقهن.. «يمكن تخافكن تحسدنها.. هي تسافر وانتن ميلّسات».. «انزين نحنا ما نبا عليها شي .. بس الواحد يستحقر.. يارك ولا تدري عنه.. الله يهديها»..

غياب الجارة كفيل بأن يمحو آثار العتب، فعند العودة تبدو المياه عائدة إلى مجاريها، تقوم الجارات بأداء واجب السلام، أو إرسال «الفواله» من باب الواجب، بينما الجارة تستمر في إقصاء الجيران عن الأحداث المستجدة في حياتها.. من ولادة ابنتها وزواج ابنها.

«يمّج ما درينا ان بنتها ربت إلا يوم وصلنا اللحم، انزين خبرونا بنفزعكم » .. «فكينا الله يخليج..ما تبا تخبركن.. بناتكن بعدهن ما حملن».. «يا حافظ على أمها .. ما قصرت من زمان .. اللي يفور في بيتها يبرد في بيتي».

* * *

في الثقافة المحلية، الحال يختلف تماماً، فالجار حتماً مسؤول عن منزل جاره وقت مغادرته، وتلك أمانته حتى وقت عودة صاحب المنزل، يستوجب صونها ومراقبة حالها وتلبية احتياجاتها، بينما على المسافر أداء التحية وإلقاء السلام باعتبارهما من آداب السفر، التي حرصت عليها الثقافة الإسلامية، ولا بأس من هدية تُفرح قلوب الأهل والجيران عند العودة.

أما ما لا يُمكن إخفاؤه فخبر بيّن كالحمل، يبدو أن ابنتهم تختفي عن الأنظار حتى تحين ولادتها، أما عند الجدات، فالحامل كانت تمارس حياتها بشكل طبيعي.. ولا يمنعها من ذلك سوى الولادة.

الخصوصية والأسرار، التي تبقى داخل أسوار العائلة، مفهوم حديث في الثقافة المحلية، فالنسيج الاجتماعي المترابط حتم على أفراده الانفتاح على الآخر.. وبيت العائلة احتضن حكاياتها، وعمل على تقوية صلة القرابة والنسب والجيرة، و هناك نوع خاص من التعامل بين الأهل والجيران، تحكمه المحبة والإيثار والخوف على الآخر واحترامه، ليشعر بمكانته ويتحسس قدره عند الآخر. دون أن يتدخل الآخر في شؤونه أو يبالغ في إزعاجه.. وتلك العلاقات بحلوها ومُرها تبقى.. يتوارثها الأبناء والأحفاد، بالحب والحرص ذاتهما.

يُصر البعض على رسم حدود واضحة بينه وبين الآخر، من باب الحرص على درء العين، وتجنب الحسد، وذلك حق، كما أن للآخر في أحبائه حقا.. وبين الخصوصية المبالغ بها، وإفشاء الأسرار بون شاسع، وما يستدعي الفرح حق أن يُعمم.. فالبهجة دائماً ما تأتي بمقاس الجميع، وتلك دعوة للتواصل.. دون زعل أو بغضاء.. فقط ابقوا الأبواب مواربة. وكما يُقال دائماً العتب من المحبة.

aalfalasi@albayan.ae