قال شهاب عبد الرحمن الحمادي، القاضي في المحكمة الاتحادية العليا، ورئيس دائرة محكمة أمن الدولة، «أن القانون نصوص تربط سببا بنتيجة، ضمن معادلة صماء مباشرة لا تتضمن رؤية في خصوصية كل حالة.

وهذا يختلف تماماً عن مفهوم العدالة، فالقانون كنصوص مطلقة لا يمكنه تحقيق العدالة، إلا من خلال ضمير القاضي الذي يمعن في كل حالة تعرض عليه في اطار خصوصيتها، وبما يمكنه من اختيار النص القانوني الذي يبني على أساسه حكمه في كل قضية وفق خصوصية أحداثها وشخوصها، وبذلك يمكننا أن نجزم أن الإلمام بالعلوم القانونية والتشريعية على أهميته، ليس المؤهل الحصري لتحمل مسؤولية القضاء.

فهناك مجموعة من القيم الأخلاقية والسلوكيات، على القاضي التحلي بها لضمان تحقيق العدالة، ولا يتوقف الأمر على المبادئ العليا الأساسية أو السلوكيات المتعارف عليها اجتماعياً ودينياً، بل لعل بعض التفاصيل في سلوكيات القاضي تحدث فرقاً كبيراً في سير المحاكمة، بل وربما في النتيجة التي تنتهي إليها».

لا أحكام مسبقة

القاضي شهاب عبد الرحمن الحمادي، الذي طالما كان محور تعليقات وحوارات الإعلاميين ممن يتابعون جلسات المحاكم، لما يبديه من سلوك راقي في التعامل مع المتهمين الذين يمثلون أمامه، وما يضفيه وجوده من هيبة وسكينة في الجلسات التي يرأسها، أكد أن المتهم بشكل عام، والماثل أمام المحكمة العليا بشكل خاص، باعتبار حكمها باتاً لا يمكن تغييره أو نقضه، بحاجة إلى الشعور بالأمان والثقة بالقاضي الذي يتعلق مصيره بكلمة منه، ما يمكنه من تقديم كل ما لديه باطمئنان وهدوء.

ويساعده على استجماع أفكاره وترتيبها، والعامل الرئيسي في زرع هذه الطمأنينة لدى المتهم هو القاضي، الذي يكون خلال الجلسة مركز انتباه المتهم، يتعلق به بنظره بحثاً عن لمحة أو تعبير، من خلال نظرة أو حتى نبرة صوت، ليستشف من خلاله ما قد يصل إليه أمره، مؤكدا أهمية أن لا يكون لدى القاضي حكم مسبق على المتهم أو على الجريمة التي يحاكم عليها، مهما كان لديه من أدلة وحيثيات، أو مهما كانت بشاعة الجريمة التي يحاكم بسببها، إضافة الى أنه يتوجب عليه أن يمتلك زمام سلوكه، ويكون على درجة عالية من الرقابة على كل تفصيل مهما صغر من تفاصيل ما يصدر عنه من قول أو فعل.

ضبط النفس

وأوضح القاضي شهاب الحمادي، أن أول وأهم نقطة على القاضي أن يتنبه لها خلال المحاكمة، هي أن لا يغضب، فلا يجوز للقاضي تحت أي ظرف أن يحكم وهو في حالة غضب، أو أن يصل إلى هذه الحالة مهما استفز قبل أو خلال المحاكمة، حتى لو وجه له المتهم إهانة مباشرة أو شتمه، كأن يقول له «أنت ظالم» أو «يا ظالم»، لا يجوز له أن يغضب لهذا، أو أن يرد على المتهم أو ينظر إليه بغضب، والتصرف الوحيد الذي يمكنه في هذه الحالة مواجهة المتهم به، هم أن يتوجه إلى كاتب المحكمة ويملي عليه عبارات اثبات الحادثة.

ويأمر بحبس المتهم 24 ساعة لإهانته المحكمة، وأن ينهي الموقف بذلك، فلا يوجه للمتهم أي لوم أو تأنيب، وهنا أشار القاضي شهاب الحمادي، إلى عدم جواز جلوس القاضي للنظر في قضايا الناس، وهو في حالة حزن أو قلق، كأن يكون له ابن مريض، أو يمر بظروف عائلية أو خاصة سيئة، بل يفترض لمن يجلس في هذا الموقع حيث تتقرر مصائر الناسن أن يكون صافي الذهن تماماً.

سلوكيات ملزمة

أما تفاصيل سلوك القاضي خلال المحاكمة، فهي كثيرة، وكل منها فرض عين بحد ذاته، أي لا يغني الالتزام ببعضها عن ضرورة التنبه للباقي، والهدف النهائي لكل ذلك هو ايصال رسالة للمتهم بأنه يستطيع أن يقول كل ما لديه باطمئنان، وهو واثق أن من يستمع إليه، مهتم بكل التفاصيل التي يذكرها، وليس لديه حكم مسبق على ما حدث، بل على استعداد لبذل الوقت والجهد اللازمين لمعرفة الحقيقة، واعطاء كل طرف الفرصة الكاملة لقول كل ما يريد، واثبات أقواله بما لديه من أدلة دامغة أو حتى استدلالات عقلية منطقية.

ومن ضمن تلك التفاصيل ذكر القاضي شهاب الحمادي، أنه لا يجوز للقاضي إذا ما نظر في ملف القضية وقرأ ما تضمنه من تهم، أن يظهر عليه ما يدل على الاستنكار أو التعجب، بل يجب أن تكون نظرته محايدة، مهما كانت غرابة أو حتى بشاعة ما قرأ، حتى لايعطي للمتهم انطباعاً أن لدى القاضي حكماً مسبقاً عليه، مما يؤثر على نفسيته ويزعزع ثقته بسير المحاكمة.

كما شدد القاضي شهاب على عدم جواز أن ينظر كافة أعضاء هيئة المحكمة إلى المتهم خلال مثوله أمامهم، أو الادلاء بأقواله، وليتخيل أي شخص في موقف عادي أنه يتحدث وهناك أربعة أشخاص يحدقون به في نفس اللحظة، هل يستطيع أن يركز بما يقول، فكيف بالمتهم الماثل أمام قضاة سيقررون مصيره، وربما حياته، لا شك أنه سيرتبك، ويضيع منه الكثير من الحقائق التي كان يجب أن يذكرها، أو كان أعدها للدفاع عن نفسه.

مشيراً إلى أنه ينبه القضاة من أعضاء هيئة المحاكمة دائماً إلى هذه النقطة، بل يمنعهم من الحديث إلى المتهم أو سؤاله، وفي حال كان لدى أي منهم تعليق في أي نقطة، عليه أن يهمس به، أو يكتب ورقة ويمررها إليه، لأن إدارة جلسات المحكمة منوطة برئيسها، الذي يتوجب عليه أيضاً يضمن سيرها بشكل صحيح.

بحيث لا يحدث خلالها ما قد يتسبب بأي تشتيت للمتهم أو القاضي أو الشهود، وأن يمسح القاعة بنظره كل عشر دقائق، لضمان التزام الحضور بالهدوء وبآداب المحاكمة، وأن لا يصدر عن أي منهم ما من شأنه تشتيت المحكمة، كل ذلك من منطق الحفاظ على مكانة المحكمة وهيبتها، في إرساء قواعد العدل والإنصاف.

وختم القاضي شهاب حديثه بقوله، أن من العدل أن ينظر القاضي إلى المتهم ويتعامل معه كإنسان، تأثر بعوامل عدة أدت لوقوفه أمام القضاء، وعليه أن ينظر إليه من خلال هذه العوامل جميعاً ليكون حكمه عادلاً، فالقانون كنص أصم لن يؤدي إلى العدالة إلا إذا وضع في قالب إنساني مصاغ من ضمير القاضي وروحه، فالقانون العادل هو الذي يصدر عن القاضي العادل، الذي يطوع نصوصه.

ويختار منها ما يخدم العدالة كقيمة عليا، ويؤدي إلى تحقيق مصلحة المجتمع والأفراد، بضمير يقظ يتناسب مع مسؤولية هذه المهنة المقدسة، بكل ما تحمله من مسؤوليات عظيمة، يتوجب على من وافق على حملها أن يعمل على تحقيق هدفها الأسمى وهي العدالة، التي يتحقق من خلالها أمان الناس على أنفسهم وكراماتهم وحرياتهم وأموالهم، ولاشك أن ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية فيه، تكسبه التوازن والاستقرار اللازمان لتطوره وسعادة أفراده، كل ذلك من منطلق أن العدل أساس الملك وسر تطور الأمم.

أبوظبي ـ إيمان كلش