افتتح سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية أمس أعمال تجمع دول الجامعة العربية وجزر الباسيفيك تحت شعار «آفاق التعاون بين الدول العربية وجزر الباسيفيك» وذلك بقصر الإمارات في أبوظبي بحضور عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية ووزراء خارجية 21 دولة عربية و14 دولة باسيفيكية بجانب مشاركة كل من استراليا ونيوزيلندا بصفة مراقب.
وعبر سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في الكلمة الافتتاحية عن أمله في أن يكون اللقاء بين دول الجامعة العربية ودول المحيط الهادئ، بداية لتبادل المصالح بين المنطقتين في عديد من المجالات، ونمو العلاقات المشتركة وتقويتها بما في ذلك تطور الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مختلف المستويات.
وأضاف: إنني أرجو مخلصاً أن يكون لقاؤنا هذا بداية طيبة لمشوار موفق من التعاون بين منطقتينا في جميع المجالات كما أرجو أن تزداد علاقاتنا وثوقاً على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وذكر سموه أن الإمارات والدول العربية تسعى من خلال هذا المؤتمر إلى بحث التحديات التي تواجه كلا الطرفين والفرص المتاحة هنا وهناك حتى نضع أيدينا على المقدرات والإمكانيات التي يمكن أن نسخرها لخدمة بعضنا البعض.
وأضاف: لقد كنت في فبراير الماضي بمنطقة الباسيفيك في زيارة رسمية قوبلت خلالها بالحفاوة وحسن الضيافة والاستقبال كما شدني كثيراً جمال تلك الجزر الأخاذ ولقد شعرت بأنه رغم المسافة الشاسعة التي تفصل منطقتينا جغرافياً فإن أوجه الشبه كثيرة جداً بيننا وإن التوافق الثقافي بين عالمينا أقوى مما تصورت.
وعبر سموه عن سعادته لقيام علاقات دبلوماسية رسمية بين دولة الإمارات والعديد من جزر الباسيفيك منذ زيارته الأولى في المنطقة داعيا الدول العربية أن تحذو حذو دولة الإمارات في هذا الصدد وقال «إنه ليشرفني كثيراً أن نجلس اليوم سوياً ممثلين للعالم العربي وجزر الباسيفيك كل سيكتشف عالم الآخر ويتواصل معه».
وأضاف أن العالم العربي شاسع مترامي الأطراف وغني بالموارد الطبيعية ويزخر بإمكانيات هائلة وهو في مفترق الطرق بين شرق الكرة الأرضية وغربها تلتقي فيها شبكات التواصل العالمية، ويتألف من 22 دولة ويتجاوز سكانه الثلاثمئة وخمسين مليون نسمة.
وأشار أن العالم العربي ظل يتمتع بأهميته الإستراتيجية ليس فقط بالنسبة للاقتصاد العالمي وما يتمتع به من مصادر للطاقة ولكن من منظور أمني كذلك، مما جعل هذه المنطقة موئلاً لفرص عظيمة ومستودعا لتحديات جسام وأضاف أن العرب اليوم في مواجهة هذه الفرص والتحديات أخذوا يستدعون ماضيهم الغني ليشدوا أزرهم به وذلك من خلال روح التغيير والتجديد المستمد من قناعة الجميع في المنطقة بأنه من الممكن حصول التغيير النوعي لتحقيق أهداف بعيدة المدى.
وأوضح أن هذه التفاعلات وهذه الروح الجديدة تجسدها الإمارات العربية المتحدة في كثير من جوانبها فالنهضة التي تمخضت عن مجتمع منفتح ومتعدد المكونات ويزخر بالعرقيات والثقافات المختلفة التي تعمل يدا بيد لبناء المستقبل مبنية على روح التغيير والتجديد وبنفس الرؤية تنظر الإمارات للتحديات التي تواجه المنطقة بأسرها اليوم.
وأضاف أن أحد أهم هذه التحديات التي تؤرق العالم العربي وتزعجه كثيراً هو النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ومنذ زمن مبكر ظلت الإمارات تدعو لحل سلمي لهذه المشكلة يتواءم مع مبادرة السلام العربية التي تسعى نحو حل تنشأ بموجبه دولتان جنبا الى جنب، دولة فلسطينية مستقلة ودولة إسرائيلية، يتجاوران في سلام داخل حدودهما الآمنة وذلك هو السبيل الوحيد نحو استعادة الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة.
وأشار إلى أنه من منطلق إيماننا بأن يزداد العالم تشابكاً كل يوم وبما أننا مجتمعات حية ومتفاعلة وغير منغلقة يجب علينا أن نمد أيدينا للآخرين بحثاً عن حلول ناجعة لمشاكل المعمورة وأن نبني لتكامل أفضل.
وأضاف أن هذه الاستجابات العالمية الجماعية ضرورية حتى في مواجهة أحد أكبر التحديات المحلية مثل ذلك التحدي الذي تواجهه دولة الإمارات والعالم العربي، تماماً كما تعاني منه الكثير من دول جزر المحيط الهادئ ألا وهو التحدي المتمثل في النقص المتزايد للمياه.
وقال ان مياه الشرب في حالة انحسار في كل العالم وقد ينجم عن هذا الوضع كارثة كبرى إذ أن شح المياه يساهم في عرقلة التنمية حيث انه يؤثر على إنتاج الغذاء بالنسبة للإنسان والحيوان كما أنه يؤثر سلباً على صحة أبناء المستقبل ويعوق نموهم الجسماني كذلك فإن العديد من الأمراض المرتبطة بشح الماء ستداهم المجتمعات وقد تؤدي هذه المشكلة إلى نشوب نزاعات بين الدول بسبب المياه.
ورغم أن هذه المشكلة ذات طابع محلي أو إقليمي فإن الحلول الناجحة لا تأتي إلا عبر التوافق والتشاور العالمي ويجب أن يتم التصدي لهذه المشكلة عبر الحوار بين الدول التي تحس بوطأتها وعبر الاستفادة من التقنيات المتوفرة عن طريق المبادرات الاستثمارية المشتركة بين الدول وعبر التعرف على أفضل الممارسات الخاصة بترشيد استخدام مياه الشرب.
وأشار الى ضرورة وجود استجابة عالمية لهذه المشكلة وهو أمر أساسي لأنه على الرغم من تأثر المجتمعات الفردية بندرة المياه إلا أن هذه المشكلة لديها منشأ عالمي واضح وهو التهديد العالمي لظاهرة تغير المناخ.
وتطرق سمو الشيخ عبد الله في كلمته إلى قضية التغير المناخي وقال «إن ظاهرة التغير المناخي تعتبر أحد أهم التحديات العالمية التي نواجهها اليوم ولقد بذلنا جهدا مقدرا على المستوى المحلي في تقليل الانبعاثات الكربونية وتطوير الطاقة البديلة رغم أننا دول ذات اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز.
وتابع «إن دولة الإمارات تمكنت من تحقيق الريادة دوليا باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»، ونحن مدينون لجزر الباسيفيك التي وقفت معنا في هذا المسعى ضاربة خير مثال لتعاون دول الجنوب ومقدمة نموذجا جيدا علي مدى فعالية وظائف المنظمات الدولية توزيعا عادلا على الصعيد العالمي.
وأضاف سموه «وستظل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والمؤسسات حديثة التكوين مثل أيرينا هدفا لجهودنا من أجل التعاون الدولي لتحقيق التغيير ونحن كدول صغيرة في منظمات تقاسمها الكبار يتعين علينا أن نتعاون وننطلق من المصالح المشتركة بيننا عبر لقاءات كهذا، ونعمل سويا من أجل تبليغ رؤيتنا وإسماع أصواتنا للآخرين بالمؤسسات والمحافل الدولية ولقد تمثل هذا في دعمكم ومساندتكم للإمارات العربية المتحدة في استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا».
ونوه سموه بأن ثمة تحديا عالميا آخر وهو انتشار الأسلحة النووية ومن منطلق روح التعاون الدولي أيدت الإمارات اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية كما وقفت دولة الإمارات مع الدول العربية المطالبة بأن يكون الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية.
وفي الوقت نفسه فإن دولة الإمارات تسعى لإنجاز برنامج نووي للاستخدام السلمي، مستغنية عن التخصيب المحلي لمادة اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي وهو ما اعتبر مثالا يحتذى به للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية ويجنب المنطقة خطر التنافس المدمر لاقتناء السلاح النووي، وأكد سموه أن الدول العربية تتمتع بأكبر نسبة للفئات العمرية الشابة بين دول العالم، لذلك فإن دولة الإمارات تركز على تدريب الشباب وتأهيلهم للعب دورهم الريادي بالمجتمع.
مشيرا إلى أن الدولة أنفقت بسخاء شديد على التعليم باعتباره المورد الأهم بالنسبة لأي دولة ناجحة ويبقى تحدي التعليم وبناء الموارد البشرية تحديا رئيسيا لابد لنا من التعامل معه بكل جدية.
مناقشة آليات التعاون بين الدول العربية ودول الباسيفيك
أشار سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية أننا ندرك أهمية التكافل الدولي لمحاربة الفقر والتخلف بكافة بلدان العالم حتى ينعم الأطفال والشباب في جميع أنحاء العالم بفرصة التعليم، ولقد ظللنا ننادي بالتزام دولي قوي نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، حيث تركزت الجهود لتخفيف حدة التمييز بين الجنسين وتوفير الرعاية الصحية والقضاء على عمالة الأطفال والاتجار بالبشر.
وقال إننا في عالم يتقارب كل يوم أكثر وأكثر وهكذا فإن المسافات قد تم اختصارها بين بلداننا ونحن نعتقد أن التعاون بين مناطق العالم المختلفة مثل العالم العربي وجزر الباسيفيك قد تكون قوة حاسمة من أجل التغيير، واليوم نحن نبحث عن فرص التعاون مع هذه الدول.
وكان وزراء خارجية الدول العربية قد عقدوا أمس اجتماعا تنسيقيا برئاسة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وحضور عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية لمناقشة آليات التعاون بين الدول العربية ودول الباسيفيك.
وتعود فكرة عقد هذه القمة إلى الجولة التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية لجزر الباسيفيك في فبراير حيث اتضح للدبلوماسية الإماراتية الفجوة الكبيرة في العلاقات العربية مع دول هذه المنطقة بالإضافة إلى الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة لتطوير العمل المشترك وإرساء أسس قوية لشراكة تربط العالم العربي.
وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقد مساء أمس بمناسبة اختتام أعمال المنتدى أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية أن دولة الإمارات لديها مشاريع شراكة مع مجموعة جزر الباسيفيك التي جاءت بتمثيل جيد تكون من رئيس دولة وولي عهد وسبع رؤساء وزارات لتلك الجزر يتمثل في استثمارات في البنية التحتية ومشاريع تحلية المياه والطاقة.
مشيرا إلى أن صندوق أبوظبي للتنمية يدرس حاليا عددا من المشاريع الأخرى تتعلق بمشاريع تنمية الثروة السمكية في جزر الباسيفيك وتوفير الطاقة البديلة بالتعاون مع آرينا ومصدر.
ودعا سموه أن تبادر الدول العربية إلى تطوير وتوطيد العلاقات الدبلوماسية والشراكة مع دول جزر الباسيفيك بفعالية والعمل على بناء الجسور بين العالم العربي.
الاجتماع يدعو إيران للتجاوب مع مبادرة الإمارات بشأن قضية الجزر
أعرب المشاركون في الاجتماع عن تقديرهم للجهود التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة لمساعدة دول المنطقة، وأشادوا بمبادرة «برنامج الشراكة مع دول جزر الباسيفيك»، الذي أطلقته دولة الإمارات. ودعا المشاركون إلى دعم هذه المبادرة والعمل على تطوير الشراكة والتعاون بين جامعة الدول العربية ودول جزر الباسيفيك بما يخدم مصالح الطرفين.
وأكد المشاركون حرصهم المشترك على تعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين الدول الأعضاء في المنطقتين، وأعربوا عن رغبتهم في دعم التواصل والحوار وتكثيف التشاور والتنسيق حول القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يحقق السلام والأمن والتنمية، وبذل الجهود المشتركة لمواجهة التحديات التي تفرضها المتغيرات الدولية الجديدة.
وجدد المشاركون التزام دولهم بمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، وبالعمل على المحافظة على السلم والأمن الدوليين، والمساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، والتخلي عن استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
ودعا الطرفان إيران إلى أن تتجاوب مع مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة والمساعي العربية إلى إيجاد حل لقضية الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى من خلال المفاوضات الجادة والمباشرة أو الإحالة إلى محكمة العدل الدولية.
وأكد المشاركون على تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثمار بين الدول العربية ودول جزر الباسيفيك، وتعزيز التعاون في مجال النفط والغاز الطبيعي، ومصادر الطاقة بكافة أنواعها بما في ذلك الطاقة الجديدة والمتجددة، وفي مجال تنمية الموارد البشرية، والثقافة، والتعليم، والعلوم والتكنولوجيا، والاتصالات والسياحة والنقل، والزراعة والري، وتشجيع المؤسسات والشركات العربية على الاستثمار في دول جزر الباسيفيك، وتنسيق المواقف بين الطرفين في المحافل الاقتصادية الدولية.
وأكد الجانب العربي أهمية تقديم الدعم المادي والفني لمساعدة جزر الباسيفيك على تجاوز تداعيات الأزمة المالية وبناء قدراتها في مجالات البنية التحتية وتأهيل الاقتصاد وتطوير التعليم والصحة.
وشدد المشاركون على أهمية التنسيق وتعزيز التعاون في مجال حماية البيئة خاصةً مكافحة التصحر، وبحث سبل مواجهة التحديات الخطيرة الناجمة عن تغير المناخ، ودعوة الدول الأعضاء في المجتمع الدولي إلى تكثيف مساعداتها لدول جزر الباسيفيك بصفتها الأكثر تعرضا لأخطار التغيرات المناخية.
ولترجمة رغبة الطرفين في تعزيز التعاون المشترك بينهما قرر المؤتمرون اتخاذ خطوات عملية أولها : إقامة منتدى للتعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ودول جزر الباسيفيك على أن يكون مقر الأمانة العامة للمنتدى في دولة الإمارات العربية المتحدة (أبوظبي) وذلك بالتنسيق مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
والثاني: إرسال جامعة الدول العربية لبعثة رسمية إلى هذه الجزر لبحث سبل دعم التعاون بين الطرفين وثالثا: الدعوة إلى فتح مكتب دائم لجامعة الدول العربية في أحدى دول جزر الباسيفيك يكون معتمداً لديها جميعا، ورابعا وضع إطار إرشادي أو وثيقة للتنمية والتعاون بين الطرفين في كافة المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية والبيئية ووضع برنامج تعاون لمدة خمس سنوات ودعوة الدول العربية للإسهام فيه لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دول جزر الباسيفيك.
ومن بين الخطوات العملية التي وردت في البيان الختامي تكثيف المشاورات السياسية الدورية بين الطرفين من خلال الزيارات المتبادلة وعقد لقاءات سنوية بين وزراء الخارجية العرب ووزراء خارجية دول جزر الباسيفيك على هامش دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وغيرها من المحافل الدولية.
وأكد الطرفان دعمهما لجهود المجتمع لنزع السلاح النووي ومنع الانتشار، وترحيبهما بنتائج مؤتمر 2010 لمراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وخاصة الخطوات العملية لتنفيذ قرار 1995 حول الشرق الأوسط واتفقا على دعم الجهود العربية في المحافل الدولية لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط مثلما قامت المنطقة الخالية (راراتونجا) في منطقة جنوب الباسيفيك. كما أكدا على حقوق كافة الدول في الحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
أبوظبي - مصطفى خليفة
