غادرت تلك الأم الجامعية الجلسة النسوية، لكنها ظلت حديثها بعد انصرافها، بينما ارتسمت الدهشة على وجوه الحاضرات.. صاحبة الوظيفة المرموقة والراتب المجزي، اختارت أن تُسجل ابنتها الوحيدة في الصف الأول في المدرسة الحكومية المجاورة للمنزل، رغم دخولها في نقاش حاد مع صديقاتها، حول مستوى التعليم الحكومي مقارنةً بالمدارس الأجنبية في الدولة..

ولكنها تُصر على رأيها: «أنا درست في مدرسة وجامعية حكومية، والحين أعتبر نفسي إنسانة ناجحة، وعيالي بيكونون مثلي».. «ماشا الله ما عليها قاصر من الفلوس، ليش ما تسجلها في أحسن المدارس الخاصة؟».. «لا يا حبيبتي أنا وانتي والمنتفين اللي مثلنا نفسفس فلوسنا على مدارس عيالنا.. هي ماتصرف شراتنا، تخلي الحكومة تصرف»..

وجهة نظر في العالم الرقمي، مع دخول المناهج الأجنبية، تبدو المدرسة اختياراً صعباً لا بد من مراجعته مراراً، حتى يتلقى الأبناء تعليماً عالي الجودة، هذا إذا ما تعلق الأمر بجودة التعليم، ولا يبدو ذلك، إذ إن الكثير من أولياء الامور لا يدركون مقاييس التعليم الجيد..

ليس مهماً أن ترتدي المعلمة ثياباً لائقة.. أو أن تتلفظ أمام الأطفال بما لا يمس الدين أو الأخلاق.. أو يُشوه مفاهيم تربوية سليمة، «المهم نستنسخ شي أجنبي! حتى لو كان البلد عربياً ومسلماً!! مشّي حالك علشان العيال يتكلمون انجليزي».. حتى العربي مب مهم.

بعدما انحسر دور الأم، اعتقد الوالدان أن المدارس الخاصة تلعب جميع الأدوار .. تعلم الطلبة وتستذكر دروسهم، ولا يعودون للمنزل إلا بعد أن يستكملوا حل واجباتهم المدرسية، من دون حاجة حتى لفتح الحقيبة المدرسية، عندها تستريح الأم ويتخرج الأبناء بأقل مجهود ممكن. يا سلام! هل يتعرض طلبة المدارس الخاصة للرسوب.. أو حتى الدور الثاني؟

اليوم.. تتعلق تلك النظرة بالثقة التي أصبحت مهزوزة بكل شيء حكومي، التعليم، الصحة أو حتى الإسكان، بينما كل ما هو مستورد وأجنبي، يبدو خالياً من العيوب أو الأخطاء التي تقع فيها تلك المؤسسات التي تخدم شريحة واسعة من السكان، فكل ذلك طبيعي، ومن البديهي أن تشكو المؤسسات الحكومية من الخلل والعطب، ولكن من غير الطبيعي أن يفقد أبناؤها الثقة بها، بينما على الجانب الآخر.. تقتصر خدمات القطاع الخاص على فئات معينة من ذوي الدخل المرتفع.

الخدمات التعليمية موصولة حتماً بالصحية، تلك التي اتُهمت بالتقصير، بعد دخول المستشفيات الخاصة على الخط، عندما أصبحت سوقاً رائجة لشركات التأمين التي تتنافس على تغطية أفضل للمؤمّنين، حتى تراجعت الخدمات الصحية الحكومية، وأصبحت سانحة لمستفيدين آخرين لا يستحقونها.

همس:

في بعض الدول، لا يلتحق بالنظام التعليمي الحكومي سوى النخبة من العاملين والمتعلمين، فهو الجهاز التعليمي الأقوى في البلد بكادره التعليمي وأدواته ومناهجه الوطنية ولغته الرسمية، طبعاً لا بأس من الاستفادة من التجارب الأجنبية، ولكن في سياق محلي يحترم الخصوصية الثقافية والدينية، بعيداً عن التجريب العشوائي، والأخطاء الإملائية، بينما يلجأ للتعليم الخاص من رفضته المدرسة الحكومية، وتحتم عليه الاستمرار في الدراسة، حيث تبقى الأولوية للمجتهد دراسياً، لا الميسور مادياً.

أما الخدمات الصحية.. فالأولى أن تلتزم ممارستها ومراقبتها، وتكون مرجعاً لها المؤسسات الحكومية، لأن حياة الأفراد أمانة لا يجوز التفريط فيها والمتاجرة بها، باعتبارها ضرورة وليست رفاهية.

وبين الحكومي والخاص.. تفاصيل تُرى بالعين المجردة.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae