التقينا يوم الرحيل.. حكاية تختصر الحروف والأحداث بين اللقاء والوداع في بضع جمل، تفوقت على متلازمة أخي العرب الذي ظن أنه أوجز درب المحبين عندما لخص مشوارهم بقوله: نظرة.. فابتسامة.. فسلام .. فكلام.. فموعد فلقاء.. وأنا اليوم أضفت فاءا جديدة وسريعة معطوفة على اللقاء ( فوداع ).يبدو أنه نسيها ..
ويبدو أن عصرنا الرقمي لايختصر المسافات بين القارات فقط، بل بات كذلك يختصر المسافات حتى بين العواطف والمشاعر لتلتقي من تحب وتودع في نفس اللحظة.
ومن غرائب قصتي أن القدر هو من تكفل بتحديد الموعد، ابتهجت بهذا القدر الجميل، وسرحت في ملكوت من الأحلام الساحرة، تذكرت فيها قصص جميلة عن الحب والهوى وذلك العشق الروحاني الذي يسري في الروح في لحظة عفوية ليضيف لها عمرا جديدا.
قرأت في كتب المتصوفة أن الأرواح تسافر إلى عالم آخر، وأن لها لغة خاصة تنقل من خلالها الأحاسيس والمشاعر، وأنك إن قابلت إنسانا وكان ثمة شعور متبادل بينكما بالراحة والود، فإن أرواحكما تكونان قد التقتا من قبل في مكان آخر ـ وزمان آخر ؟
قبل هذا الموعد، فحديث الروح يسبق المكان، ويتحرر من توقيتات بني الإنسان، لكن معنى واحدا لم أجد له تفسيرا، في رحلتي القصيرة جدا بين اللقاء والوداع، هو.. لماذا نلتقي دوما قبيل الوداع.. قبيل الرحيل؟
لماذا تستمر هذه الدنيا في دفعنا عنوة نحو الرحيل كلما شعرنا أننا وجدنا من نبحث عنه في رحلة سفرنا المتواصلة منذ الصرخة الأولى؟.
وإذا التقينا في مكان ما بمن أعجبنا بهم رقة ولطفا، وحبا لروحهم المرحة التي أطفأت كثيرا مما يشتعل في الصدر من هموم هذه الدنيا، فهل نلتقي بهم في زمن آخر؟
ألم يئن الوقت للزمان والمكان أن يحل بنا في مكان واحد مع من نحب، وأن نتحرر من أعباء هذه الدنيا لنلتقف شجاعتنا ونصارحهم بهذا الشعور الذي سرى في أرواحنا تجاههم؟ وكيف نتأكد من أن روحهم تبادلنا ذات الشعور؟ وإن تأكدنا فماذا نحن فاعلون.
ياروح من أحبت الطاهرة.. يا عذبة النغم.. يا عصفورة الأمل.. يا زهرة الجبل.. أنت أنشودة سحر عشقت نغماتها منذ الأزل، قبل هذا اللقاء وبعد هذا الوداع، ويوم دنو الأجل.
محمد أمين خليف
