تحتضن مدرسة حليمة السعدية للمرحلة التأسيسية أول قرية تراثية متكاملة تم تأسيسها بالتعاون مع «متحف زايد الخير».
حيث حرصت المدرسة على مخاطبة طالباتها الصغيرات بلغة تراثية ملموسة، بدلا من الاعتماد على أنشطة بسيطة أو محاضرات تقدم فيها معلومات فقط، واختارت أن تعطي الفرصة للطالبة لتعيش الأجواء القديمة من خلال القرية التراثية التي بنيت في الساحة الخارجية للمدرسة، لتبقى هذه الصورة التراثية هي التي تراها الطالبات دائما وهن قادمات ومغادرات للمدرسة، ويمكننا أن نشعر بروح القرية في نفوس الطالبات وهن ينطلقن في أركانها وزواياها ، فنجد بعضهن يملأن الماء من «الطوي» وأخريات يجلسن معا في «العريش» أو يعملن على إعداد الطعام في المطبخ القديم، في حين تلهو مجموعة أخرى مع الخراف الصغيرة عند «الزرب».
إكمال المسيرة... أحمد المرزوقي صاحب متحف «زايد الخير»، والذي يتبنى أفكارا عديدة لنشر التراث بين الطلبة في المدارس، في ظل ما لمسه من رغبة كبيرة وتعاون من مدرسة حليمة السعدية لإقامة قرية تراثية متكاملة تخدم المقررات الدراسية، وتعزز الهوية الوطنية وروح التراث لدى الطلبة. أشار إلى أنه يتبنى التراث لإكمال مسيرة وحلم والده، حيث كان والده يحلم بإقامة متحف تراثي يجسد تراث الإمارات ويحمل اسم زايد الخير، نسبة لمؤسس دولة الإمارات المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه».
وأراد المرزوقي بعد وفاة والده ووفاة الشيخ زايد أن يحقق هذا الحلم، فأقام «متحف زايد الخير» في بيته، والذي تضمن الكثير مما يتعلق بتراث الدولة إيمانا منه بمقولة الشيخ زايد «أن من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل»، ولم يشأ بعد إقامة المتحف أن يبقى مجرد عمل محصور بين الجدران الأربع، بل أراد أن ينقل فكرته لجيل اليوم، لذا توجه للمدارس وعمل على إقامة معارض تراثية وتقديم المواد والخبرات التي لديه للطلاب.
وأضاف أنه سيعمل على تطوير القرية وإضافة كافة الأجزاء التي تمثل نموذجا للحياة القديمة، لأنه يرى أنه لا توجد جهات عديدة تعمل بشكل مباشر مع المدارس في مجال دعم التراث بالطريقة التي تجعل التراث جزءا من حياة الطالب اليومية، ويتمنى أن يتضمن كل نطاق به مجموعة من المدارس نموذج لقرية تراثية للطلبة.
خاصة أن الحياة القديمة لا تعلم الطالب فقط أسماء الأشياء التي كان يستخدمها الأجداد أو كيفية صناعتها، بل تقدم له صورة عن حياتهم وأفكارهم التي خرجوا بها لمواجهة مشكلات الفقر والحر وصعوبات العيش، بالإضافة إلى حكمهم وخبراتهم وقيمهم وتقاليدهم، فالماضي بصعوباته وجمالياته مدرسة لأجيال اليوم.
تأكيد على العادات
واعتبر المرزوقي أن توجه مدرسة حليمة للتعاون معه في إقامة القرية، يتماشى مع إستراتيجية مجلس أبوظبي للتعليم التي تضع تعزيز الهوية الوطنية في نفوس الطلاب ضمن أولوياتها الأساسية، كما تخدم توجهات وزارة التربية والتعليم حاليا نحو تطوير المناهج الوطنية وإثراء الجوانب التي تعزز التراث.
وتؤكد على التقاليد والعادات، معبرا عن سعادته بحجم التفاعل الذي لمسه لدى الطالبات وحبهن لتجربة كل شيء كان يستخدم في الماضي ومناداة الأشياء بأسمائها القديمة، واستمتاعهن بالألعاب الشعبية القديمة ، مؤكدا استعداده للتعاون مع أي مدرسة لإقامة مثل هذه القرى التراثية.
وقال المرزوقي إن «متحف زايد» الذي أسسه عقب وفاة الشيخ زايد، والذي أقامه في بيته ومفتوح دائما لكل من أراد زيارته، يمثل له انجازا كبيرا في حياته، وعادة ما يزوره العديد من الناس والمدارس ،ويحب دائما أن يترك الطفل خلال زيارته للمتحف بحرية من الحركة ليس تقليلا من قيمة المواد المعروضة بل لأنه يرى أن المتحف بالمعنى والهدف الذي أسس له لا يريد أن يضع فيه حاجزا بين الإنسان وتراثه.
تحديات العصر
من جانبها أشارت ظبية القمزي، مديرة مدرسة حليمة السعدية إلى أننا نعيش اليوم في عالم متسارع ومتغير، وعلى مستوى الإمارات هناك جنسيات عديدة تعيش على أرضها، وهذا يدعو أكثر لاهتمامنا بالتراث وتعزيزه في نفوس أبنائنا، خاصة من الجيل الجديد الذين يعيشون عصر التطور والانترنت والانفتاح على العالم، وأنهم أحوج اليوم لتوعيتهم بتراث الأجداد وربطهم بماضيهم.
وهذا يعد تحديا كبيرا، خاصة أن المناهج الدراسية في ظل ما تحتويه من موضوعات حول تراثنا وماضينا تبقى بحاجة لمزيد من التطوير في هذا الجانب وعلى المدارس أن تساهم بدور ايجابي في دعم الهوية الوطنية والانتماء لدى الطلبة بنشاطاتها ومبادراتها، وألا يقتصر الأمر على أنشطة مصاحبة للمناسبات الوطنية بل لابد من أفكار و أنشطة تقدم كجرعات تثقيفية لطلابنا بشكل مستمر على مدار العام الدراسي.
وأشارت إلى أن احتضانهم لقرية تراثية بالتعاون مع متحف زايد الخير، من الأشياء التي تهتم بها المدرسة، لأن القرية أصبحت جزءا من المدرسة وجعلت الطالبات متعايشات مع حياة الأجداد في الماضي، خاصة أن العديد من الأشياء والأدوات القديمة لم تعد مستخدمة اليوم في حياتنا العادية لذا يجب أن يراها الطالب على الواقع ليعرفها وتبقى عالقة في ذهنه.
حسن علي مدير مدرسة السميح التأسيسية للبنين بأبوظبي، والذين اعتادوا منذ أربع سنوات على إقامة قرية تراثية لمدة أسبوع في المدرسة، ذكر أنهم هذا العام تعاونوا مع متحف زايد الخير لإقامة قرية تراثية متكاملة فتحت أبوابها على مدار أسبوع كامل صباحا ومساء للطلبة والجمهور المحيط بالمدرسة من أولياء الأمور للإطلاع والتواصل مع نشاط المدرسة، مثمنا جهود متحف زايد الخير الذي دعمهم بالعديد من الأدوات التراثية التي ساهمت في إبراز القرية بشكل متكامل، كما حرصوا على توزيع كتيبات و () حول التراث للطلبة.
ارتباط
تساعد على فهم المقررات
قالت معلمة الاجتماعيات ابتسام حسن إن اهتمامهم كبير في مدرسة حليمة السعدية بموضوع التراث، خاصة أنها لا تجد ما تريده وتطمح له في هذا المجال موجودا في المقررات بالشكل المطلوب، فهي تدرس الاجتماعيات لطالباتها وترى أن كم ما يقدم لهن فيما يتعلق بالتراث قليل ومحدود، لذا أقمن في البداية غرفة تراثية.
خاصة داخل المدرسة، ولكن اتباعا لقواعد الأمن والسلامة تم نقل الفكرة لساحة المدرسة والتوسع فيها وتأسيس القرية التراثية، بتعاون كبير وجهود أحمد المرزوقي صاحب متحف زايد الخير، والذي يؤمن بالفكرة ولا يقصر في دعم المدرسة بكل ما تحتاجه لتأسيس القرية.
وأضافت أن حياة الأجداد والماضي القديم تقدم لطالب وجبة معلومات، بما فيها تنمية للجوانب السلوكية والشخصية والوجدانية، لأننا نربطه بأجداده ونشعره بماضيه بكل جمالياته وصعوبات الحياة فيه.
كما أن الطلبة الصغار عادة يتأثرون بالأشياء التي يعايشونها، لذا فالتنافس كبير بين الفصول للتوجه إلى القرية في حصص النشاط والفسحة، مشيرة إلى أن وجود قرية دائمة بكل مكوناتها أمام الطالبات سيكون لهم أثر كبير في تعزيز ارتباطهم بماضيهم.
تقنيات
قال حسن علي مدير مدرسة السميح التأسيسية للبنين بأبوظبي إن التقنيات الحديثة جذبت أبناءنا الطلبة إليها لذا كان لابد للمدارس أن تلعب دورها في ربط الجيل الجديد من الصغار والطلبة بالماضي ، خاصة أنهم لاحظوا حجم انجذاب الصغار إليها واستمتاعهم بتجربة الأشياء القديمة.
وأشار مدير السميح إلى أن المقررات الدراسية تقدم جانبا من الأشياء التراثية كما هو الحال في الدروس حول النخلة وفوائدها والصناعات القديمة التي كانت قائمة عليها، ولكن الكتاب يقدم مادة مكتوبة بينما الطالب.
خاصة في سنه الصغيرة يتفاعل أكثر مع الشيء الواقعي الملموس ، لذا فان القرية التراثية تجعله يجرب الألعاب القديمة والأدوات المنزلية ، فيعمل حواسه الخمس في أرجاء القرية مما يوثق علاقته بماضي الأجداد الذين لولاهم لما كنا نحن اليوم وبهذا النجاح.
أبوظبي- لبنى أنور



