قد يظن البعض أن دبي التي ارتبط اسمها بالأبنية الشاهقة والحياة الرغدة قد تناست في خضم هذا التطور العمراني الفريد والحياة الاقتصادية المتميزة الارتقاء في الوقت ذاته بمستوى التعليم وبالمخرجات العلمية وبخاصة الاهتمام بأبنائها وبناتها وتنمية قدراتهم العلمية التي تمكنهم من المنافسة في الخارج والوقوف على أرض صلبة.
وها هي اليوم كلية دبي الطبية أول كلية للبنات والتي مر على إنشائها 24 عاما تفخر بخريجاتها اللواتي رفعن راية دولة الإمارات عالية خفاقة وكذلك حققن إنجازات في شتى المجالات العلمية وبلغن أعلى المراتب بتفوقهن وتميزهن في الخارج. فمنهن من تخصصت في أندر وأصعب التخصصات الطبية في أميركا ومنهن من تواصل دراساتها العليا في ألمانيا ومنهن أيضا من تحاول إكمال أبحاثها الطبية في لندن.
ومن خلال الدعم المتواصل لحكومة دبي الرشيدة واستثماراتها في مجال البنية التحتية في مجال الرعاية الصحية والتعاون مع أعلى المؤسسات العلمية المتخصصة في الخارج، استطاعت بنات الإمارات وبخاصة في دبي اللحاق بركب التقدم والحضارة وتغيير الصورة النمطية السائدة عن الفتاة الإماراتية.
نجاحات عالمية
أحد هذه النماذج المشرفة الدكتورة ديما كمال عبد المنَان خريجة كلية دبي الطبية، والتي تشغل حاليا منصب أستاذة مساعدة بجامعة كيس ويسترن ريزرف في كليفلاند بولاية أوهايو، بالولايات المتحدة الأميركية، يمكننا أن نلحظ مدى التقدم والمستوى العلمي الراقي الذي تتمتع به خريجات كلية دبي الطبية للبنات. تقول الدكتورة ديما: «تخرجت في كلية دبي الطبية للبنات عام 2000، وبعدها سافرت للولايات المتحدة الأميركية لاستكمال دراساتي العليا.
وفي الوقت الحالي أعمل رئيسة قسم الغدد الصماء بمركز كليفلاند الطبي، واستشارية الغدد الصماء بمستشفيات جامعة كليفلاند. وقد حصلت على عضوية الكلية الملكية للأطباء بلندن عام 2003، وزمالة البورد الأميركي عام 2006 من مؤسسة كليفلاند كلينيك، وكذلك البورد الأميركي في الغدد الصماء وأمراض السكري عام 2008 بجامعة كيث ويسترن ريزرف ومستشفيات جامعة كليفلاند.
بالإضافة إلى أنني حصلت على شهادة الطب من المعهد الأميركي للموجات فوق الصوتية عام 2009، وشهادة زمالة كلية الملكية للأطباء بلندن عام 2010». وعن سؤالها عن تأثير دراسة الطب في كلية دبي الطبية على مسارها العلمي وتطوير حياتها المهنية وتأثير هذا التنوع الثقافي في شخصيتها قالت ديما: «لقد وُلدت وترعرت في دبي ومن ثم فقد اعتدت على هذا التنوع الثقافي المتنامي في دبي قبل الالتحاق بكلية الطب.
وأنا أعتقد أن دبي تستحق أن يُطلق عليها لقب المدينة الكونية لأنها تشبه البوتقة التي تنصهر فيها كل الأعراق واللغات والخلفيات الثقافية. كما أنني تأقلمت مع هذه الأجواء الثقافية في كل من المدارس والكليات. إن هذا التنوع الثقافي يوفر بصورة إيجابية مجالا واسعا من المعرفة والخبرة والتي يمكن للآخرين أن يستقوا منها. وعقب سفري إلى الولايات المتحدة الأميركية مكنني هذا الاختلاف الثقافي الذي عشته في دبي من التعايش والاختلاط بالعديد من الثقافات بشكل أكثر سهولة ودون مشقة».
وأضافت:« لقد كان الأمر بمثابة قوة دافعة نحو الإبداع والتميز. كما إنني أيقنت تماما أنه من خلال هذه الأجواء الجيدة البعيدة عن التوتر يمكن لفريق متعدد الثقافات أن يحقق تفوقا كبيرا. إن هذا التنوع الثقافي يساعد كثيرا في التأقلم وبسرعة مع مختلف الأعراق والثقافات والأجناس والمعتقدات، حيث إنه ينمي العقل بشكل ناضج ويسمح بالتفاعل والتعامل مع الآخر بشكل أكثر عمقا وأفضل فهما.
وبالنسبة لاختياري لدراسة الطب، فإن هذا يرجع لرغبتي في مساعدة الناس بشكل دائم وللمساهمة في تغيير حياتهم للأفضل.
ومن المعروف أن مهنة الطب ليست سهلة، وإنما تحتاج لمزيد من الجهد والمشقة والأمر يستغرق كثيرا لتصبح طبيبا. والطريق مليء بالتحديات والصعاب ومقدار العلم الذي يجب أن يحصله الدارس ضخم للغاية. ولكن المكافأة رغم ذلك مدهشة، فقدرتك على حل مشكلة طبية ومساعدة إنسان آخر على التعافي هي أمر لا يُقدر بثمن».
وأوضحت: «لقد حصلت على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير منها على سبيل المثال: جائزة ميرك للأبحاث المتميزة عام 2008 من جمعية الغدد الصماء. وفي عام 2007 حصلت على جائزة التميز في العرض من جمعية الغدد الصماء. وفي عام 2006 حصلت على الجائزة الأولى عن مشروع بحث التخرج في مجال الطب من مركز كليفلاند الطبي بولاية أوهايو.
قصة الغدد الصماء
وأردفت: أما بالنسبة لتخصصي في الغدد الصماء فإن لهذا قصة تتلخص في أمرين الأول أن والدتي كانت هي السبب الرئيسي وراء اختياري. عندما كنت في المرحلة الثانوية مرضت أمي وتعبت تعبا شديدا وقد استغرق الأمر وقتا طويلا لاكتشاف العلة وراء مرضها. وكان من الواضح أنه من الصعب التعامل مع أمراض الغدد الصماء.
وقد أدركت مؤخرا أن أغلب وظائف أعضاء الجسم وأجهزته الداخلية تتم من خلال الهرمونات والتي إن كانت غير طبيعية يمكن أن تسبب تغيرات دقيقة جدا وهو ما يحتاج إلى طبيب ماهر ومتمرس لتحديد المشكلة.
ولذلك قررت أن أكون هذا النموذج المتميز من الأطباء الذي يذهب إليه المرضى في الحالات الحرجة لمساعدتهم في حل مشكلاتهم الطبية المعقدة. الثاني هو ارتباط الغدد الصماء بمرضين هما السكر والسمنة المنتشرين حاليا على مستوى العالم بشكل مأساوي. إننا بحاجة ماسة إلى مزيد من أطباء الغدد الصماء المتميزين على المستويين العلاجي والبحثي لتجنب ازمات صحية عالمية. كما إنني أود أن أكون مثلا يُحتذى به للفتاة العربية المتميزة في المجال الطبي.
واختتمت: أتمنى أن أعود إلى دبي مرة أخرى وأساهم في تعليم وتدريب طبيبات المستقبل وتنفيذ الأبحاث والمشاركة في تقدم نظام الرعاية الصحية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن ثم أود أن أوجه رسالة لزميلاتي طالبات الطب: ثقن في أنفسكن وفي قدرتكن على تحقيق أحلامكن.
ولتعلمن أن الالتحاق بكلية الطب ليس أمرا سهلا فهو يتطلب سنوات طويلة من العمل الجاد الدؤوب وليالٍ بلا نوم والتفكير الدائم. وفي الواقع إن الرحلة الطويلة الشاقة سوف تبدأ عقب التخرج من كلية الطب. ولتعلمن جميعا أن هذا هو أثمن شئ كما أنه ما يدعو للفخر والاعتزاز أن تصبحن طبيبات متميزات تساهمن في شفاء البشرية من العلل والأمراض.
أول إماراتية
كان لكلية دبي الطبية أثر كبير في اختراق خريجاتها لمجالات كانت في الماضي تُعد حكرا على الرجال فقط مثال ذلك الدكتورة فاطمة الخميري أول طبيبة شرعية على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة والثانية على مستوى دول الخليج مع الدكتورة نوال بوشهري. تقول الدكتورة الخميري : « التحقت بكلية دبي الطبية للبنات عام 1994، وتخرجت فيها ضمن الدفعة التاسعة في عام 2000 حيث حصلت على بكالوريوس الطب العام والجراحة.
وكنت أحلم بدراسة أمراض القلب والتخصص فيها ولكن القدر قد ساقني للعمل في إدارة الطب الشرعي بشرطة دبي. ثم بعد ذلك سافرت إلى اسكتلندا لدراسة الطب الشرعي. والحمد لله وُفقت في الحصول على درجة الماجستير في قضايا الحروق والموت بالسم والانتحار والشنق. وفي الحقيقة تمكنت من دخول هذا المجال الشائق الذي كان في الماضي مقتصرا على الأطباء ولم يكن يجذب الطبيبات».
تنوع ثقافي
وأضافت الخميري: «يرجع الفضل إلى دبي في تأثير تنوعها الثقافي المتميز على شخصيتي. وكما هو معروف أن دبي تضم أكثر من 200 جنسية يعيشون سويا في سلام وأمان. وقد سمح لنا هذا الأمر بالاطلاع بشكل جيد على ثقافات متعددة على أرض الوطن. كما ساهم ذلك أيضا في بناء ثقتي بنفسي واستكشاف طرق جديدة للإبداع والابتكار في الحياة منها على سبيل المثال، التواصل مع الآخرين.
كما أن الأمر لم يقتصر على هذا فحسب بل ساهم كذلك في التكيف والتأقلم بسهولة مع البيئة في الخارج من خلال تطوير وتعزيز فكرة الثقة بالذات. وبالنسبة لطبيعة عملي وحياتي المهنية، فإنه من دواعي فخري وسعادتي أن أكون أول مواطنة إماراتية تعمل في مجال الطب الشرعي. والسبب في اختياري لمثل هذا التخصص يرجع إلى أنه مجال طبي متميز ونادر بالنسبة للفتيات ويرتبط بالطب المعملي أيضا.
ومن خلال عملي هذا ترقيت إلى أن وصلت إلى رئيسة قسم الهيتسوباثولوجي في إدارة الطب الشرعي. كما حصلت على العديد من الجوائز وشهادات التقدير منها على سبيل المثال جائزة الموظفة المثالية من شرطة دبي عام 2005، وجائزة الموظفين الجدد المتميزين ضمن برنامج حكومة دبي للتميز عام 2006، كما إنني أمثل دولة الإمارات العربية المتحدة في العديد من المحافل والمؤتمرات الدولية الخاصة بالطب الشرعي في الخارج».
من دبي إلى جامعة نيوكاسل
أما الدكتورة سبأ حبيب الله الحاصلة على درجة الدكتوراة في مجال هندسة أنسجة الخلايا الجذعية والطب المتجدد من جامعة نيوكاسل تقول حبيب الله: «لقد التحقت بكلية دبي الطبية عام 1999، ثم تخرجت فيها ضمن الدفعة 14 عام 2004.
وبعد ذلك حصلت على درجة الماجستير في الجينات الوراثية من جامعة نيوكاسل عام 2006، ثم درجة الدكتوراة في هندسة أنسجة الخلايا الجذعية والطب المتجدد من جامعة نيوكاسل عام 2010. وأعمل حاليا في معهد نورث إيست إنجلاند للخلايا الجذعية، ومعهد علم الوراثة البشرية بالمركز الدولي للحياة بجامعة نيوكاسل بالمملكة المتحدة».
وأضافت: «كان لدراستي الطب في دبي أثر كبير على مستقبلي وبخاصة في تطوير حياتي المهنية. والسبب في ذلك هو ما تتميز به مدينة دبي من تنوع ثقافي وثراء فكري قد تفتقده في كثير من البلدان. إنها تشبه المدينة الكبيرة التي تحوي أجناسا من كل حدب وصوب.
وهذا التعدد العرقي له دلائل كثيرة وإيجابية على التكوين الذاتي للأفراد، حيث يمكن للجميع أن يجدوا الملاذ الأمن والمريح لهم. لقد تربيت في دبي وعشت فيها أجمل الأيام. وقد ساعدتني دبي كثيرا في تغيير الكثير من المفاهيم من حيث التسامح وقبول الأخر بشكل جيد».
دبي - «البيان»
