انتهى علاوي ابن الأربع سنوات للتو من المذاكرة لامتحان الغد، تبدو عيناه أصغر خلف النظارة الطبية، وهو يستمع إلى حديث والدته المتكرر، بضرورة أن يصحو باكراً، أن يتقن الإنجليزية، وأن يحقق معدلاً دراسياً عالياً، ليتمكن من الالتحاق بأفضل التخصصات، والحصول على وظيفة مرموقة، بينما الجدة تستشيط غضباً وحسرة على حال حفيدها الصغير: «الله يبحص الدراسة، هذا بو أربع سنين وين يروم الامتحانات والمذاكرة؟ تخبلتي انتي، يوم انتي قده محد وداج المدرسه، خليه يفهم من يوم صغير انه الدراسة شي مهم، لازم يتعلم ويذاكر، وما يضيع وقته في اللعب، أباه يكون الأول دوم ويرفع راسي و ..»..

بينما علاوي يرتمي في أحضان أقرب كرسي، ويغفو على صوت جدته، وهي تتحسر على طفولته المنهكة.

تبدو الدراسة في العصر الرقمي المتسارع، ضرورةً غير قابلة للتأجيل، لدى البعض، لابد أن يتعلم الطفل كل شيء في الوقت ذاته، العربية والإنجليزية، العلوم والحاسوب، يجب أن يتقنها في فترة قياسية، وأن يستبدل وقت اللعب بالدراسة.. وكلما حقق معدلاً دراسياً عالياً، اقترب من تحقيق الحلم. ثم ماذا بعد؟ بعد أن تخلت الطفولة عن براءتها، وأصبحت مرحلة المنافسة الأبرز في حياة الأبناء، وانصب كل الاهتمام على كيفية نفخ روح النبوغ في الطفل باكراً، يجب أن يتقن كتابة اسمه.. أن يتحدث الإنجليزية بطلاقة، أن يحفظ جدول الضرب، كل ذلك دفعةً واحدة.. حتى يكون في مأمن من التأخر الدراسي.. معقول!!.

حين يصل علاوي إلى مراحله الدراسية الأخيرة، قد يكون تشبع تماماً من الدراسة، واستنفد الحوافز كافة، تذكر أنه بحاجة لأن يعود طفلاً، يتسكع في الفريج، يعود إلى الدكان و(السيكل)، يعيش الحياة من زاوية طفل، فمدرسة الحياة أوسع من كتب و(لابتوب)، ونظريات للحفظ، وأبحاث تبقى على رف المكتبة، ومعدل دراسي يجاوز التسعين.

الفشل الدراسي جزء ضئيل من حكاية التحدي في الحياة، فالمشاهير من أصحاب الإنجازات احتفظوا بالنجاح في مدرسة الحياة، وضحوا به دراسياً، كانوا ذوي شخصيات مستقلة، حددوا خياراتهم واتبعوا حدس الإبداع، أخطؤوا .. سقطوا وعاودوا النهوض، بلغاتهم وهوياتهم سطروا إنجازاتهم وخلدوها، حتى أصبحت سيرهم الذاتية من أفضل الكتب مبيعاً.

توماس أديسون صاحب أول وميض كهربائي لم يتعلم في المدارس النظامية، ولم يتمكن من خوض امتحاناتها، وصف بالتلميذ البليد، أما اليوم فيُسجل باسمه ما يقارب ألف اختراع، أما آينشتاين فلم ينطق بالكلام حتى الثالثة من عمره، ولكنه اليوم أشهر عالم فيزياء.

يبدو أن المجتمعات الصغيرة، لا تطلع على تجارب المجتمعات الأكبر حجماً والأوسع خبرة، فتُمارس التجريب وتضحي بأجيالها.. لتُعيد اكتشاف ذاتها.. العبرة ليست في امتحان اليوم أو نتيجة الغد.. أو حتى شهادة العمر، فيجب أن يدرك أولياء الأمور أن الحياة لا تقف عند نتيجة امتحان، أو معدل دراسي .. قد تلوح الموهبة كبديل آخر، وتلك درجة في سلم الحياة الممتد، لا بد أن يخطوها الأبناء بأقل قدر من الخسائر النفسية.

أما العبرة فتختبئ خلف وجوه عدة.. في بث روح الإنجاز.. الحياة الناجحة والتنشئة السليمة.. بعيداً عن صخب الامتحان وقلقه.

أمل الفلاسي