في بلدة وادعة خضراء حيث النسائم المنعشة والرياحين المعطرة التي تعبر عن الجمال والأصالة والتاريخ، يوجد من تخلف عن الركب في العلم والتقدم. كان صاحبي يندب حظ بعض إخوانه الذين تعلقوا بالشعوذة والسحر والخرافات فسقطوا، وقد تناسوا الإيمان بالله لكونه هو النافع وهو الضار.

كان صاحبي شابا في مقتبل العمر طموحه لا يحده قيد رغم زمانه المتردي، فقد كان تقيا، ومتسلحا بالعلم النافع الحديث الذي يعبر عن رقي الإنسان وتطوره.حدثني صاحبي عن واقع بلدته التي استولى عليها الأعداء الغرباء الذين عاثوا فيها بأصناف الظلم والهوان والإذلال حتى بات أهل قريته لا يتقبلون حريتهم من القيد ويقاطعون كل حر من الرجال والنساء والأطفال يرفض وجود الأعداء لشدة خوفهم.

كان صاحبي قد تعثر بفخ الخيانة والغدر فأودع السجن، لكنه ظل مصمما على عدم الركون للخيانة، وظل طموحه وحلمه بالحرية أسيرين معه، حتى التقى بإخوانه من أبناء بلده، وكان منهم الصادق ومنهم الكاذب، منهم الأمين ومنهم الخائن، فيهم المتزن وفيهم المتهور، فيهم الحكيم وفيهم الأحمق، والصابر والمزاود والثرثار والكتوم..

كان له نظرة صائبة في الرجال ليحكم عليهم من خلال تعامله معهم. كان في غرفة السجن المظلمة، لم يكن يرى إلا القضبان والأسلاك الشائكة الممتدة على محيط الغدر والخيانة.تعرض لأصناف الاضطهاد والجور لأن إخوانه قد تآمروا عليه مع العدو.

كان قد أدرك خيانتهم منذ البداية، فلم يهتم بأقوالهم التي تخالف واقعهم وتنم عما يضمرون، لأنه أدرك أنهم ضحايا لظلم السجان وقهره، وقد ساومهم على إطلاق سراحهم، وساومهم على إطعامهم وشرابهم وكسوتهم والرفق بهم.كاد صاحبي يفقد عقله من هول ما مورس عليه من ظلم واضطهاد لأن إخوانه كانوا ألعوبة في يد سجان لا يرحم..

سجان يعمل على إغراق الجميع في مستنقع الخيانة. إلا أن حديثه استوقفني لما أثار عجبي وتساؤلي، حين قال ان سجانيه مارسوا عليه أعمال السحر والشعوذة!

وزعموا أنهم يريدون النفوذ إلى عقله عن طريق الأحلام ليحكموا عليه، وتصوروا أن أسلوبهم ذلك سيؤثر في تفكيره وطلاقة لسانه وهدوء أعصابه فتهز صبره وثباته، وقد تناسوا أن ما يصيب الإنسان من خير أو شر لن يصيبه ما لم يكتبه الله له أو عليه.

قاوم صاحبي أحجبتهم بالصلاة وقراءة القرآن والتسبيح، فزاد غيظهم وزاد بطشهم، وبقي صاحبي في معاناته طويلا حتى خرج إلى طريق الحرية الذي أخذه إلى مقبرة الحي. لكنه قبل ذلك ظل مشفقا على إخوانه رغم خيانتهم له، مدركا أن الرحمة بهم خير من الإسراف في مهاجمتهم، فلعلهم يخجلون من فعلتهم فيستقيمون.

فتح الله أبوسرور ـ الدوحة