في ما ينشغل اللبنانيون هذه الأيام بمعمعة الانتخابات البلدية والاختيارية ونتائجها، ينصرف يوسف غازي، ابن بلدة بليدا الجنوبية، ليبيع ما يجني من الحمّص الأخضر الطازج.. ومن على جرّاره الممتلئ بأكوام الحمص، ينادي الرجل بلهجته الجنوبيّة: «يلّلا عالحمّص.. خضرا وملاني (مليئة)»، بما يحقّق كسبا أكبر عدد من الزبائن.
هي حبّة الحمص «أسهمت في بزوغ حضارة ما بين النهرين»، و«الحمّص كالفول، من أغنى أنواع البقوليات والخضار بالبروتينات، لدرجة أنه كان يستخدم قديماً بديلاً عن اللحم في أيام الشدّة، حيث يقال:
إذا غاب عنك الضآني (لحم الأغنام) فعليك بالحمصاني (بائع الحمص)»، بهذه الكلمات يختصر «ختيار» بلدة بليدا «أبو حسين» فوائد الحمّص الأخضر الذي اعتاد، منذ ما يزيد على ال30 عاماً، أن يسابق الشمس في مشوار «التكتكة» على بيعها ما بين موسم وآخر، مبتعداً قدر الإمكان عن الكميّات الضخمة «حتى ما تضربها الشمس».
بينه وبين رحلة بيع الحمّص قصّة خاصة، نسجت الحياة سطورها الأولى منذ زمن قديم، واستمرّت على وتيرة شبيهة بحال الرجل الذي ودّع سنوات عمره الستين.. «مكانك راوِح.. لا بل الى الوراء أحياناً».. تتغيّر أحوال الناس والبلدات الجنوبيّة، ويبقى أبو حسين على حاله.. ففي كل موسم، يختار الطرقات نفسها التي حفظت صوت جرّاره «الراضي بمسيرة تعب لا بدّ منها..
وهو لا يتعب أبداً».. «موسمو أيام بسّ (فقط).. والربح بيأمّن مصروف البيت مش أكتر»، بما يلبّي احتياجات عائلته المؤلّفة من 7 أفراد.
وإذا كان بيع الحمّص بات جزءاً من «الفولكلور» الأصيل لدى الجنوبيّين، كما يشير أبو حسين، فهو يتميّز عن كل النباتات الأخرى بأنه «مفيد للضغط، وينفع في معالجة الأورام والجروح ووجع الرأس..
كما أنه يستخدم لجلي الصوت من البحّة، وينشط الأعصاب والمخّ، ويحمي من السرطان والذبحة القلبيّة»، كما يشير، خاصّاً النساء بالقول: «هو يمنع تجاعيد الوجه، ويساعد على تنقية البشرة وتحسين لونها.. كما أن استخدامه مطحوناً يفيد في شدّ البشرة، إذ يجب طحنه جيداً ونخْله ليصبح أشبه بالبودرة، قبل إضافة ماء الورد إليه ووضعه كقناع على الوجه والرقبة».
وقبل أن يختتم حديثه، يصرّ بائع الحمّص على الغمز من قناة أهمية ما أدلى به.. أما لماذا؟.. يتطلّع صوب جرّاره، ثم يسرح بنظره الى البعيد، قبل أن ينشغل بمغازلة إحداهنّ: «وجهك اليوم مضوّي، متل حبّات هالحمّص»!
بيروت ـ وفاء عواد
