رنّ هاتفه فوثب إليه وثبة هائلة، إنها رسالة نصية، فتحها، فتجمد كتمثال من الحجر الأصم.. باغته صوت زوجته يناديه.. حدق في اللاشيء، زاغت عيناه ثم سقط مغشياً عليه.

أفاق من غيبوبته، فوجد أبناءه ملتفين حوله والقلق يعربد في أحداقهم، امتلأت عيناه بالدموع، ثم انتفض واقفاً، وارتدى ملابسه وهو يهذي بكلمات غير مفهومة، واتجه إلى قسم الشرطة.وأمام الضباط جلس مطأطئاً رأسه، دفن وجهه في كفيه، كمن يختبئ من شيء ما... رفع عينين زائغتين ثم أخذ يروي قصة أغرب من الخيال ... قال: منذ نحو أسبوعين تلقيت رسالة هاتفية، تفيد بأني قد ربحت مليوني درهم، في سحب لإحدى شركات الهاتف المحمول... امتلكتني الفرحة، وساورني شعور بأن الحياة، تسفر لي عن وجهها الحلو، وأنها ستقبل بعد إدبار طويل، وشقاء سرمدي.

ومضى يكشف الستار عن الخديعة التي سقط بين براثنها، بصوت متهدج كأنه يخرج من هوة سحيقة: بعدما تلقيت الرسالة استقبلت اتصالاً هاتفياً، من شخص زعم أنه ممثل الشركة التي تطرح المسابقة، هنأني بحرارة شديدة، ثم أبلغني بأن المبلغ كاملاً سيكون طوع بناني خلال أيام قليلة.كما طلب رقم حسابي المصرفي، ومجموعة من المعلومات حول وضعي الاجتماعي والاقتصادي، وما سأفعله بهذه الثروة الكبيرة، ولما سألته عن سر هذه الأسئلة، أكد أنها من أجل إعداد بيان صحافي لتوزيعه على وسائل الإعلام المحلية، خلال المؤتمر الصحافي الكبير الذي سيعقد احتفالا بفوزي في أحد الفنادق الكبرى بأبوظبي.

بعدئذ بأيام تلقيت اتصالا هاتفيا آخر، وخلاله طلب المتصل تحويل مبلغ مالي إلى رقم حساب مصرفي، مؤكداً لي أن هذا الشرط ضروري حتى أحصل على جائزتي الكبيرة، وأمام رغبتي العارمة في التخلص من نير الفقر وافقت بلا تردد ودون أن يساورني الشك، وبالفعل قمت بتحويل مبلغ 190 ألف درهم إلى الحساب المجهول، وما أن تم تحويل المبلغ، حتى تلقيت رسالة نصها: «شكراً لك، لقد ساعدتني على حل مشكلاتي الاقتصادية، أتمنى لك الربح، لكن ليس هذه المرة».

جريمة متكررة

هذه القضية تمثل واحدة من أبرز وأغرب قضايا النصب الإلكتروني التي تحقق شرطة أبوظبي فيها حالياً، وهي ليست القضية الوحيدة، فهناك إلى جانبها عدد آخر من القضايا التي تكشف عن قدرة شبكات النصب المنظمة على التغرير بضحاياها السذج، من راغبي الثروة والثراء.

ويقول العقيد علي النعيمي، نائب مدير إدارة التحريات والمباحث الجنائية في شرطة أبوظبي: إن حملات التوعية التي تنفذها أجهزة الشرطة في دولة الإمارات، للتحذير من مخاطر السقوط بين براثن النصابين، قد ساهمت إلى حد كبير في محاصرة ظاهرة النصب الإلكتروني، إلا أن هناك فئة من الضحايا، لايزالوا يصرون على إلقاء أنفسهم في التهلكة.

مشيراً إلى أن شرطة أبوظبي تحقق حاليا في بلاغ تقدمت به سيدة مواطنة، تعرضت لحادث نصب مشابه، حيث أوهمها الجناة، بأنها ربحت في أحد السحوبات مبلغ نصف مليون درهم، وأنه يشترط لكي تحصل على هذه الجائزة أن ترسل لهم مبلغ 95 ألفاً.

ويتابع: إن الجرائم الإلكترونية أصبحت واحدة من آفات التكنولوجيا في العصر الحديث، وهناك وسائل متعددة لها، منها النصب عبر شبكة الإنترنت، أو باستخدام الرسائل النصية، بالإضافة إلى النصب عبر تزوير بطاقات الائتمان المصرفية، وعلى الرغم من تعدد أشكال النصب، إلا أن كل النصابين يلجأون إلى طريقة واحدة لاستدراج ضحاياهم.

ففي بداية الأمر يتعمدون إيهام الضحية، بأنها قد ربحت مبلغاً كبيرا من المال، ومن ثم يطالبون بتحويل مبالغ أقل من الجائزة، بدعوى أنه رسم مسترد للاشتراك في المسابقة، والمثير للدهشة حقاً، أن نسبة من الضحايا، يقعون في هذا الفخ، رغم أنهم يتمتعون بدرجة رفيعة من الثقافة والعلم، علماً بأن الغالبية العظمى تنتمي إلى فئة العمال البسطاء محدودي التعليم والثقافة.

ويقول: كشفت التحقيقات التي أجرتها شرطة أبوظبي أن معظم المحتالين يعيشون خارج الدولة، ويستخدمون خاصية التجوال الدولي التي توفرها شركات الهاتف المحمول، ويتركز معظمهم في البلدان الآسيوية التي تعيش جالية كبيرة من مواطنيها في الإمارات، ووجود هؤلاء خارج الدولة يجعل عملية الملاحقة القانونية غاية في الصعوبة، خصوصاً بالنسبة للمبالغ البسيطة.

وسائل أخرى

ويستطرد النعيمي قائلا: هناك وسائل أخرى للنصب عبر وسائل المحمول، منها إرسال رسائل نصية عشوائية إلى عدد كبير من الهواتف، وتحمل عبارات تثير للشفقة والرأفة، على شاكلة: أمي مريضة في المستشفى وليس لدي رصيد في هاتفي، برجاء تحويل رصيد.. وعادةً ما تكون الرسالة مذيلة باسم فتاة، مما يثير المزيد من التعاطف.

وردا على سؤال حول ما يستفيده الجناة من تحويل رصيد إلى هواتفهم، يقول النعيمي: يعتمد المحتالون على الحصول على تحويلات كبيرة إلى هواتفهم من عدد كبير من الناس، الذين لا يهتمون كثيرا بتحويل مبالغ صغيرة، ومن ثم يقومون بتجميع هذه الأرصدة التي تصل إلى عشرات الآلاف من الدراهم في بعض الأحيان، ثم يقومون ببيعها بنصف الثمن، إلى أشخاص يعيشون على أرض الدولة.

وهؤلاء الجناة شأنهم شأن كبار المحتالين، يلجأون إلى هذه الطريقة الخبيثة في الاحتيال فيما هم خارج الدولة، والمرجح أن المجني عليهم، لا يقومون بفتح بلاغات في مثل هذه الحالات نظراً، لكون المبالغ بسيطة.

ويضيف النعيمي: من المفارقات التي كشفت عنها التحقيقات، أن معظم المتورطين في قضايا الاحتيال عبر الهاتف من الرجال، وأن معظم الضحايا من الرجال أيضاً، ويبدو أن النساء قلما يسقطن بين براثن النصابين، لكونهن أكثر حرصاً، وأقل إقبالاً على مثل هذه المغامرات، غير المحمودة العواقب.

كما تؤكد التحقيقات أن وراء هذه الجرائم تشكيلات إجرامية منظمة، حيث يلجأ المحتالون إلى التخاطب مع كل ضحية، بلغته الأصلية، وبطريقة تتناسب مع حجم ثقافته ووعيه، وأنه على الرغم من كون جرائم الهاتف المحمول تشكل ظاهرة عالمية، إلا أن المحتالين يستهدفون منطقة الخليج العربي بشكل خاص.

الضحايا جناة

وقول العميد محمد صالح بداه، مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة في وزارة الداخلية الإماراتية: إن المجني عليهم في قضايا النصب الهاتفي، هم جناة في حق أنفسهم، لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال والتفكير، وانساقوا وراء الكلام المعسول معصوبي الأعين، مبدياً دهشته من إمكانية أن يصدق أحدهم أنه ربح جائزة في مسابقة لم يشترك فيها من الأصل.

ويضيف: ينحصر ضحايا النصب الهاتفي والالكتروني تقريباً في فئة المتعثرين اقتصادياً أو مادياً، فضلاً عن فئتي الشباب، والعاطلين عن العمل. أما الجُناة فيكونون على شكل فرق مدرّبة، توزّع الأدوار الاحتيالية فيما بينها بإتقانٍ شديد للنصب على هؤلاء الضحايا.

ويرى بداه أن مواجهة المشكلة لا يمكن أن تتأتى عبر الإجراءات الأمنية فقط، فالأمر يتطلب أن تضطلع وسائل الإعلام والأسر بدورها في هذا الصدد، ومن الضروري تثقيف الشباب وتعريفهم بالوسائل التي يلجأ إليها المحتالون لإيقاع ضحاياهم.

مؤكداً أن الحملات التثقيفية المكثفة التي نفذتها وزارة الداخلية ساهمت في محاصرة ظاهرة النصب الهاتفي بشكل كبير، غير أنه لابد من أخذ الحيطة والحذر بشكل دائم، لأنه وكما تفتقت أذهان المحتالين عن ابتكار جريمة النصب عبر رسائل الهاتف المحمول، قد يحدث وفي أية لحظة أن يتوصلوا إلى وسائل جديدة، تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا الأبرياء.

اختراق الخصوصية

وتقول المقدم الدكتورة إيمان الجابري، أستاذة القانون الجنائي في كلية الشرطة، والباحثة في مركز البحوث والدراسات الأمنية في شرطة أبوظبي: إن معظم أفراد المجتمع واعٍون لعمليات الاحتيال والنصب الهاتفي والالكتروني، سواء عن طريق الرسائل النصية التي تصل على الهاتف المتحرك أو البريد الالكتروني، وأن المشكلة لم ترتقِ إلى ظاهرة بالمفهوم العلمي.

ولكن علينا أن ننتبه لها، وأن نوفر قدراً من الوقاية لأفراد المجتمع من خلال التوعية، وهذا ما بادرت به شرطة أبوظبي أخيراً. وتضيف إن بحث المشكلة بصورة علمية يقودنا إلى التساؤل..

هل هناك علاقة بين التطور السريع والنهضة الكبيرة التي شهدتها دولنا الخليجية وبين انتشار عمليات النصب الالكتروني؟ وهل هي طريقة جديدة للنصب في إطار مفاهيم العولمة لجني المال؟ وترى أن الخطورة في الموضوع تكمن في أن البعض عندما تصله الرسائل الاحتيالية يقول « دعني أجرب فالمبلغ المطلوب بسيط»، مما يشجع المُرسل أو المحتال إلى التركيز عليه في عمليات أخرى.

وتثير الجابري محوراً مهماً يُعاني من تداعياته العديد من مستخدمي الهواتف المتحركة حيث ترى أن هناك عمليات إزعاج من شركات الدعاية والتسويق من خلال الرسائل النصية التي ترسل إلى الهواتف المتحركة في أي وقت، مما يطرح السؤال: «كيف وصلت أرقام هواتفنا إلى هذه الشركات رغم أن معظم مستخدمي الهواتف يسجلون في أوراق تعاقدهم بأن تكون أرقامهم سرية؟».

وتضيف: إن الأمر لا يقتصر على الإزعاج أو اختراق حرمة الخصوصية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون في معظم بلدان العالم، وإنما يشكل تشجيعاً للمحتالين، للمضي قدماً في تنفيذ جرائمهم، بواسطة استخدام تقنيات النصب الإلكتروني.

ولعل أبرز ما يؤكد صحة هذا القول، ما تكشفه تحقيقات شرطة أبوظبي من عمليات احتيال تعتمد على الإيهام بالفوز وتطالب الضحية بإرسال بطاقات تعبئة رصيد إلى المحتالين، وما أن يفرغ الضحية من إرسال هذه البطاقات، حتى يكتشف أن الجاني أغلق هاتفه للأبد.

دور الفرد في مكافحة النصب

قال الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي، أن مكافحة جرائم النصب الإلكتروني فرض عين على كل مسلم ومسلمة، شأنها شأن كل مصيبة أو كارثة تهدد الأمة، كالطوفان والأعاصير والأوبئة الفتاكة على حد وصفه.

وأضاف أن هذه الجرائم تعد من أبرز مشكلات العصر الحديث، فالتكنولوجيا رغم إيجابياتها ذات شق سلبي، وهناك فئة من أصحاب العقليات الإجرامية الذين تتفتق أذهانهم دائما عن تحويل المنافع إلى مضار، مؤكداً أن مكافحة النصب لن تتحقق بالوسائل الأمنية فقط، فهناك أدوار يجب أن يقوم الفرد بها لحماية مجتمعه من هذه الآفة.

وعلى الفرد في حال تعرضه لجريمة نصب أو حتى محاولة للنصب، أن يبادر إلى إبلاغ السلطات الأمنية حتى تقوم بدورها في تعقب الجناة، ومن ثم تحمي الآخرين من هذا الخطر المحدق، وعلى وسائل الإعلام أن تكثف حملات التوعية حتى يتعرف العامة على الآليات والوسائل التي يتبعها المحتالون للتغرير بهم.

كما يجب أن تؤدي الأسرة دورها الرقابي في متابعة فلذات الأكباد وتعريفهم بمخاطر الانسياق وراء النصابين الذين انتشروا كالسرطان على شبكة الإنترنت، وجعلوا التغرير بالشباب على رأس مخططاتهم الإجرامية.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى