كيف يُمكن لعمل سينمائي غير تقليدي وصعب مثل فيلم التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيثاكول «العم بونمي الذي يتذكّر حياته الماضية» أن يفوز بسعفة «كان» الذهبية، بالتأكيد هي مفاجأة لكل المراقبين ولكنها تبدو طبيعية لرئيس لجنة التحكيم تيم بيرتون الذي ـ بشكلٍ أو بآخر ـ ينحاز إلى السينما الفانتازية والمركّبة والمتنقلة في الأزمنة والأمكنة والخيالات، وهذا يدفع إلي التساؤل إن كان مثل هذا الفيلم سيحظى بجمهور لدى عرضه في الصالات التجارية؟ ونجيب: ربما هنا يكمن دور المهرجانات في دفع السينما الفنية والمغايرة.

في تعليق له على الفوز، يقول ويراسيثاكول: «حاولت تقديم فيلم مختلف، يقفز على الحدود ويتحدّى الجمهور عند ذهابه إلى السينما، أتمنى أن يكون مصدر إلهام للشباب، حيث إننا في الوقت الراهن عرضة إلى ثقافة أحادية، ولدينا ذات الوسائل لسرد الحكايات، وما الفيلم سوى وسيلة تُساعد على فهم الثقافات المختلفة».

وفي لقاء مع المخرج ويراسيثاكول نُشر في كتِّيب الفيلم، نتعرّف عن قرب على رؤية وفهم المخرج الذي أثار لغطاً كبيراً ومن مفردات حديثه ندخل إلى عالمه الخاص جداً من خلال هذا الحوار:

ما المميّز في شمال شرق تايلاند، وما الذي دفعك لصنع هذا الفيلم؟

قبل سنوات عندما كنت أسكن في الشمال الشرقي، تعرّفت إلى حكاية العم «بونمي» عن طريق رئيس المعبد المجاور لسكني، حدثني عن رجلٍ مسن جاء ليساعد في أنشطة المعبد وليتعلّم التأمّل. في يومٍ ما حدثني هذا الرجل عن «بونمي» أنه بينما كان غارقاً في التأمل، رأي حياته السابقة تمر أمامه مثل فيلم، شاهد وشعر بنفسه بأنه جاموس وبقرة وروح بلا جسد تعبر سهول الشمال الشرقي، تعجّب رئيس المعبد ولكنه لم يفاجأ لأن «بونمي» لم يكن الشخص الوحيد الذي مرّ بهذه التجربة، وقد جمع الكثير من حكايات القرويين الذين تقاسموا حياتهم السابقة معه في كتاب عنونه «الرجل الذي يتذكّر حياته الماضية» ولسوء الحظ لم أعثر على الكتاب إلاً بعد موت «بونمي» بسنواتٍ عديدة.

كل أفلامك تتعاطى بكثافة مع السير الذاتية وهذا ما لا نجده مع «العم بونمي»، لماذا؟

بالمقارنة مع كتاب «بونمي» الأصلي هذا الفيلم يحوي الكثير مني، لقد أدركت وأنا أصنع الفيلم بأنني قادر على الوفاء لأي نص أو مصدر أصلي وبالإضافة إلى تغيير الحياة السابقة، قُمت بدفع «بونمي» إلى الخلفية وأتيت بالممثلين في المقدّمة: «جنيرا» و«تونغ» اللذان كانا شاهِدين لعبور هذا الرجل المجهول. الفيلم ليس عن «بونمي» ولكن عن وجهة نظري حول فكرة التناسخ وتطوّرت طبيعياً لتكون تحية إلى السينما التي كَبِرتُ معها، سينما ماتت أو ستموت. مرّة أخرى، تسلّل والدي إلى الفيلم واستسلم للفشل الكلوي، كل المعدّات التي ظهرت في غرفة «بونمي» هي محاكاة لتلك الموجودة في غرفة والدي.

مرّة أخرى تتعامل مع نفس الممثلين، عدا اثنين من الهواة (العم بونمي، وهواي)، كيف قمت باختيار طاقم التمثيل؟ هل هم جميعاً من الشمال الشرقي؟

«تونغ» لا، هو الوحيد الذي لا يتحدّث بلهجة الشمال الشرقي، بالنسبة لي فإن «بونمي» هو شخص مجهول، لذا لم أستطع التعامل مع ممثلين محترفين لديهم هويات عامة كثيرة. أعتقد أن «الهاوي» أقدر وخاصة إن كنت تميل إلى أسلوب التمثيل المبكّر في السينما.

على الرغم من أن عنوان الفيلم يُشير إلى حياة «العم بونمي» السابقة، إلا أنه لم يصفها أو يشرحها؟

كان السيناريو الأصلي أكثر وضوحاً في تفسير هذه الحياة ولكن قرّرت أن أحترم خيال المشاهدين في الفيلم وبالطبع بعد المشاهدة يمكن تخمين البقرة أو الأميرة، بالنسبة إليّ يُمكن أن يكون كل «شيء» حيّ في الفيلم: البق، النحل، الجندي، السمكة .. يُمكن أن يكون كذلك الابن الذي جاء على هيئة قرد ممسوخ أو حتى شبح زوجته، بهذه الطريقة فإن الفيلم يُعزّز الروابط الخاصة بين السينما والتناسخ وأعتقد أن السينما هي وسيلة المرء لصنع العوالم البديلة والحياة الأخرى.

قلت إن الفيلم هو تحية لنوع معيّن من السينما، سينما مرحلة الشباب. أي نوع من السينما تقصد، السينما التايلاندية؟

كنتُ يافعاً عندما كان التلفاز يصوّر برامجه بكاميرا (16مم)، كانت تُصوّر في الأستوديو بإضاءة ساطعة ومباشرة والحوارات تُهمس إلى الممثلين وكانوا يكرّرونها تلقائياً، وكانت الوحوش دائماً في الظلام لأجل إخفاء رخص الملابس والماكياج، وبالتالي كانت أعينهم عبارة عن أضواء حمراء لكي يتمكّن المشاهدون من تحديد أماكنهم، مؤخراً استطعت مشاهدة أفلام الرعب وعندما بدأت في صنع أفلامي فعلياً أعتقد أن الكتب المصوّرة أثّرت فيّ وكانت الأشباح دائماً جزءاً من الخلفية ولا تزال.

يمرّ الفيلم بتحوّلات مركّبة؛ تارة هو هزلي فكاهي وتارة أخرى جدّي ومؤثّر؟

أحب أن تكون أفلامي مثل تيار من الوعي تنجرف من ذكرى إلى أخرى، أعتقد أنه من المهم إبراز هذا الانجراف عندما تكون جذور الفيلم مبنية على التناسخ والأرواح المتجوّلة.

ظهرت الأشباح والكائنات في أفلامك السابقة مثل «الوباء الاستوائي» ولكن في «العم بونمي» هي تتمركّز في الحكاية، ما تعليقك؟

يُركز الفيلم على الإيمان بالكائنات الأخرى التي هي جزء من حياتنا الواقعية، أنا مأخوذ بحقيقة أنه كلما تقدّمنا بالعمر تُصبح طفولتنا أكثر حيوية وأعتقد أن الفضول (وربما الخوف) من الأشباح والعوالم الخفية تتصاعد في مرحلة الشباب وعندما نموت.

سيرة

وُلد أبيشاتبونغ ويراسيثاكول في بانكوك في العام 1970 وترعرع في «كون كين» في شمال شرق تايلاند وحصل على شهادة في الهندسة المعمارية وماجستير في الفنون الجميلة في الإخراج من جامعة شيكاغو، بدأ في صناعة الأفلام في التسعينات وهو أحد القلائل الذين كسروا نظام الاستوديوهات في تايلاند، وحافظ على صناعة أفلام فنية تمزج ما بين الوثائقي والروائي، أخرج (20) فيلماً ما بين القصير والوثائقي والطويل، بدأها بفيلم «رصاصة» في العام .

كان - مسعود أمر الله آل علي