فشلت محاولاتي لردع طفلي عن الكذب، كما فشلت كل أساليب العقاب، من الحرمان إلى الترهيب والترغيب، وظل يكذب.

أشارت علي جارتي بان اذهب به إلى طبيب نفساني وهو الحل الذي لا ترى سواه، ترددت، ثم عزمت على عرضه لكني في اللحظة الأخيرة أشفقت عليه من الفزع أو الحرج، فصرفت النظر عن الذهاب به إلى احدهم، وفضلت أن استشير طبيبا نفسانيا ممن تعرض أرقام هواتفهم وعناوينهم أحيانا على بعض الفضائيات أو المجلات. فأفاد بضرورة التواصل مع الطفل بشكل مباشر. طلبت منه تفسيرا فقط لما يقوم به الولد رغم أننا نوفر له كل ما يحتاج إليه حسب قدراتنا، فهو طفل رائع في ما عدا صفة الكذب.

حينما كان اصغر قليلا كنا نتسلى برواياته الطريفة والغريبة أحيانا التي نعرف أنها مجرد تأليف من خياله لوقائع لم تحدث قط.

فهل ساهمنا في تعزيز هذا الجانب؟ يبدو أننا فعلنا بجهل منا وعدم إدراك النتائج، وعلينا إذن أن نتحمل النتيجة.

احد من استشرتهم قال بان الولد يتمتع بموهبة إبداعية في التأليف والقص وسوف تنضج مع الوقت فيصبح روائيا أو قاصا. لكن ماذا نفعل مع الإحراج المتكرر ومع الاختلاقات التي طالما أفسدت علينا كثيرا من علاقاتنا وكثيرا من مشاريعنا الاجتماعية.

بلغ الثامنة من عمره لكن بنيته لا تنم عن عمره الحقيقي فقد كانت بنيته ضئيلة علما انه يتمتع بصحة جيدة وينعم بغذاء متوازن ورعاية تامة.

شددت ووالده رقابتنا عليه أكثر، حتى حان موعد إحدى الإجازات ففكرنا أن نبعده عن أجواء البيت والحي واخترنا احد الأقرباء، وأرسلناه ونحن ندعو الله ألا يحرجنا بقصة من قصصه أو بفعل فيه كذب، آملين أن تكون التجربة مفيدة وان تكون مشاعر الضيافة التي ستحيط به ستشفيه أو على الأقل ستجعله يستحي من الكذب.

مضت أيام ولله الحمد لم يحدث شيء حتى جاء إلى تلك الأسرة زوار من الأهل وبرفقتهم أولاد في عمر ابننا، ومع مناكفات الأولاد حدث المحظور، وشهد الجميع على ابننا.

الإلهام وحده أو الخبرة ربما ما جعل قريبنا يأخذ عصا وينفرد بابننا في غرفة ليعاقبه، وبمجرد أن أغلق الرجل الباب مد الصغير يده مسلما باستحقاقه العقوبة، فما كان من الرجل إلا أن مد العصا للولد طالبا منه أن يمسك بها فامسك الولد بالعصا وهو لا يفهم، ثم فتح الرجل راحتا يديه طالبا من الولد أن يضربه بكل قوته، صدم الولد ولم يستوعب كرر الرجل الأمر والولد غير مصدق علا صوت الرجل أقول لك اضربني.. اضربني بقوة.

والولد يرفض ويصر على الرفض حتى بكى وألقى بالعصا على الأرض. ازداد حزم الرجل بأمره بينما اخذ الولد يشهق بالدمع مرددا لا لا لا ولكني أعدك أعدك بالا اكذب مرة أخرى أبدا أبدا أعدك أعدك احتضنه الرجل وهو يقول أصدقك. انتهت الإجازة وعاد ابننا وقد شفي.