بعد أسبوعين من هيمنة سيدة الفنون عليه وبعد أن فكّكت شركات الإنتاج والتوزيع مكاتبها ولوحاتها الإعلانية الكبيرة، عاد كورنيش «لا كروازيت» إلى ساكنيه الاعتياديين وسيُكتظ ابتداءً من يوم غد بالسياح الذين سيتمتعون برمل الشاطئ اللازوردي.

وبرغم الأصداء الإعلامية التي ستتواصل خلال الأيام المقبلة حول اختيارات إدارة المهرجان ونتائج المسابقة الرسمية، فإن رحيل السينما عن هذه المدينة يترك في السائر في شوارعها غصّة أليمة تدفع المرء إلى التساؤل عن سبب بقائه فيها بعد انتهاء المهرجان. ومن بين الأمور التي ستُثير النقاش الجوائز التي منحتها لجنة التحكيم الدولية التي ترأسها المخرج الأميركي تيم بيرتون وبالذات جائزة السعفة الذهبية التي مُنحت إلى المخرج التايلاندي آبيتشابونغ ويراسيتاكول عن فيلمه « العم بونمي يستعيد ذكرياته».

لقد تمكّن فيراسيتاكول صعود قمة الهرم السينمائي لهذا الموسم بعد محاولاته المتكررة في السنوات الماضية، وبالذات بفيلم « الوباء الاستوائي» الذي عرض في المسابقة الرسمية في دورة العام 2004. وجاء فوز ويراسيتاكول بالسعفة الذهبية على عكس جميع التوقّعات التي لم تكن تورده ضمن الأعمال المرشّحة للفوز بالجائزة، إلاّ أن اقتراب عوالم المخرج التايلندي السحرية من عوالم رئيس لجنة التحكيم الدولية تيم بيرتون أتاح له فرصة إضافية للتقدّم على المرشحين الآخرين والذين كانت حظوظهم أكبر بكثير من المخرج التايلندي. يروي فيلم «العم بونمي» قصة الأيام الأخيرة للسيد بونمي الذي يعاني من آثار عطل في الكبد سيحمله إلى النهاية المحتومة لذا يقرر أن يجمع أقرباءه من سكان القرية ليروي لهم ذكرياته. ويرافقه شبحا زوجته الميتة قبل أعوام وولده المختفي منذ زمن في رحلة سحرية للوصول إلى قمة مقلع يعتقد أن حياته الأولى بدأت في أرجائه.

وفيما لم تقتنع لجنة التحكيم بأعمال أكثر المخرجين أهمية في هذه الدورة، وبالذات المخرج المكسيكي آليخاندرو غونزاليس إينيارّيتو «بيوتيفل» وفيلم البريطاني مايك لي «سنة أخرى» فقد منحت جائزتها الخاصة إلى المخرج التشادي محمد صالح هارون عن فيلمه «الرجل الذي صرخ» والذي تناول فيه آثار الحرب الأهلية والصراعات القبلية على حياة مواطن بسيط، محمد صالح هارون الذي تعرّف عليه الجمهور من خلال فيلمه الجميل «دارات» أو «سنوات الجفاف» وصف الجائزة بكونها اعترافاً بأهمية ما تعاني منه القارة الإفريقية من آلام وحروب وصراعات، واعتبر فيلمه بمثابة ناقوس تذكير لتلك الصراعات التي تبدو الآن بعيدة عن انتباه المواطن البسيط في العالم بسبب إغفال الإعلام والصحافة تركيز الضوء عليها.

وكما منحت جائزتها الخاصة إلى قصة إنسان عادي، فقد اختارت اللجنة فيلم «عن البشر والرب» للفرنسي سافيير بونوا لتمنحه جائزتها الكبرى، ويتحدث الفيلم عن ثمانية رهبان كانوا يعيشون في عام 1990 في دير منعزل في الجبال المغربية، صاروا بمواجهة اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل بسبب التهديدات الجدية لحياتهم من قبل الجماعات الأصولية. وكما كان متوقّعاً فقد فاز الممثل الإسباني المتميّز خافيير بارديم عن دوره في فيلم «بيوتيفل» للمخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إينياريتو، وتناصف بارديم الجائزة مع الممثل الايطالي الشاب إيليو جيرمانو عن دوره في فيلم «حياتنا» للمخرج الإيطالي دانييلي لوكّيتّي.

ولدى استلامه الجائزة انتقد جيرمانو وزير الثقافة الإيطالي ساندرو بوندي الذي رفض دعوة الحضور إلى المهرجان بسبب عرضه لفيلم «دراكويلا» للممثلة والمخرجة الإيطالية الكوميدية سابينا غوتزانتي، وذلك لتضمّن الفيلم مشاهد تفضح رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو بيرلسكوني.

وقال جيرمانو « يدّعي وزير الثقافة الإيطالي أن سينمانا لا تُقدّم صورة مشرقة عن بلادنا، إلاّ أننا بالرغم من ذلك نفوز في مهرجانات كبيرة مثل مهرجان كان».

تقديم جائزة التمثيل الرجالي إلى ممثلين أثنين دلل، من جانب، على مدى عمق النقاشات التي جرت داخل اللجنة، ومن الجانب الآخر على العدد الكبير من النجوم الحاضرين في مسابقة المهرجان والذي فضّلنا أن نسمي دورته الحالية بدورة النجوم في ظل غياب السينما الكبيرة. ودللت الجائزة أيضاً على أن الممثلين أنجزا عملاً جميلاً واستحقّا الجائزة.

وبرغم أن جولييت بينوش لم تكن أفضل الممثلات في هذه الدورة إلاّ أن تاريخها الفني الحافل وقدرتها على حمل أعباء عمل صعب ومعقّد مثل فيلم عباس كياروستمي «نسخة طبق الأصل» على كتفها، أقنع لجنة التحكيم على منحها جائزة أفضل ممثلة ولم يكن هناك من سيعترض لو أن اللجنة منحت هذه الجائزة أيضاً مناصفة مع بطلة فيلم كايك لي «سنة أخرى» ليسلي مانفيل التي أدت دوراً غاية في الجمال والاكتمال.

وكانت الممثلة يون جونغي، بطلة فيلم «شعر» للمخرج الكوري لي تشانغ دونغ، تستحق هي الأخرى التنافس على جائزة أفضل ممثلة، إلاّ أن اللجنة فضّلت أن تمنح الفيلم جائزة السيناريو الذي كتبه تشانغ دونغ نفسه.

ومُنحت جائزة أفضل إخراج إلى الفرنسي ماتيو آمالريك عن فيلمه «جولة»، الذي يروي قصة متعهّد حفلات موسيقية لمجموعة من الراقصات والمغنّيات الأمريكيات في رحلة عبر مدن كثيرة، فيما يعيش هو مأساته العائلية.

جوائز المهرجان لعام 2010

السعفة الذهبية (أحسن فيلم)

فيلم «العم بونمي الذي يستطيع أن يتذكر حياته السابقة» الذي يعالج الاستكشاف الروحي لقضايا تتصل بالتناسخ لمزارع ميسور الحال يواجه موته الوشيك وأخرجه التايلاندي آبيتشابونغ ويراسيتاكول.

الجائزة الكبرى (المركز الثاني)

فيلم «عن البشر والرب» للمخرج الفرنسي سافيير بونوا ويحكي عن السرد التأملي للأيام الأخيرة لجماعة من الرهبان في دير قبل مقتلهم خلال الاضطرابات الأهلية التي شاهدتها الجزائر في التسعينات.

أحسن ممثل

منحت مناصفة للاسباني خافيير بارديم عن دور الأب الذي يواجه الموت في «بيوتيفول» للمخرج اليخاندرو جونزاليس ايناريتو والايطالي اليو جيرمانو عن دوره كمقاول بناء شاب يربي أبناءه بنفسه في «لا نوسترا فيتا»

أحسن ممثلة

منحت للممثلة الفرنسية جولييت بينوش عن دورها في «نسخة طبق الأصل» للمخرج الإيراني عباس كياروستامي.

أحسن مخرج

حصل عليها المخرج الفرنسي ماثيو آمالريك عن فيلم «جولة» والذي يحكي قصة شخص يقود فرقة من الراقصين في رحلة عبر أقاليم فرنسا.

أفضل سيناريو

حصل عليه فيلم «شعر» للمخرج الكوري لي تشانج دونج ويحكي قصة امرأة تبحث عن معنى بعد أن مرت بتجربة فقدان طفلها.

جائزة لجنة التحكيم

حصل عليها فيلم «رجل الذي صرخ» للمخرج التشادي محمد صالح هارون الذي يحكي قصة رجل تم تجنيد ابنه في الجيش ليقاتل من اجل وقف تقدم قوات المتمردين.

ـ الكاميرا الذهبية (الظهور للمرة الأولى) حصل عليها فيلم «عام الوثب» للمخرج مايك روي.

كان ـ عرفان رشيد