حين فاز فيلم «هيرت لوكر» لكاترين بيغيلو هذه السنة بجوائز الأوسكار سارعت أجهزة الأعلام إلى ربط الفيلم ونجاحه بالعراق، وزاد من ذلك تزامن إعلان نتائج الأوسكار مع الانتخابات التشريعية في العراق، وفات الكثيرين كما أوضحت للعديد من الزملاء الإيطاليين الذين حاوروني بتلك المناسبة، أن فيلم بيغيلو لم يكن يتحدّث عن العراق وحتى وإنْ كان يوحي بأن المشاهد المصوّرة في الأردن صوّرت في العراق، فإن الفيلم لم يكن بأي شكل من الأشكال ذا صلة بالعراق.
كان فيلماً عن اختصاصيين أميركان في تفكيك العبوات الناسفة، شاءت الصدفة، أو ربما تسلسل تواجد العراق في خارطة الحروب، أن يشار إلى أن تلك الأحداث تدور في العراق وأن تكون الأزياء التي ألبسوها للممثلين الكومبارس العراقيين والعرب قريبة من الزي العراقي، ولم يكلّف المنتجون أنفسهم حتى عناء ضبط النطق العراقي لأنهم لم يكونوا بالفعل معنيين بالحديث عن العراق والعراقيين. هذا كان حال ذلك الفيلم.
وهذا كان حال جميع الأفلام التي أنتجت ما بعد انهيار نظام صدّام حسين واحتلال العراق وهذا كان حال ما سُمّي، جزافاً ودونما أي مبرر، يوم عرض فيلمي «اللعبة النزيهة» للأميركي دوغ ليمان و«الطريق الايرلندي» للبريطاني كين لوتش بيوم العراق في مهرجان «كان» السينمائي الدولي، إذ لم تكن للفيلمين أية صلة مع العراق، برغم ورود اسم العراق فيهما لعشرات المرات.
وبالرغم من الإيحاء بصلة الشخصيات والأحداث مع الواقع العراقي الجدي. صحيح أن السيدة «وجاسوسة السي آي أي» فايري بلين، كُشفت وأُقيلت من وكالة المخابرات المركزية الأميركية بسبب كشف زوجها كذب الإدارة الأميركية لتبرير الحرب على العراق وهشاشة إدعاء إدارة بوش أن صدام حسين أشترى من النيجر أنابيب ألمنيوم لتصنيع القنبلة النووية، فإن الفيلم الذي عُرض في «كان» تحدّث عن شخصيات أميركية ربما كانت تواجه نفس المصير لو أن الحرب كانت دائرة في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو في البلقان أو في أي مكان آخر.
نفس الأمر حدث لأبطال فيلم كين لوتش «الطريق الايرلندي» الذي تحدّث عن أفراد مجموعة من شركات الحراسة البريطانية العاملة في البصرة ومقتل أحد أفرادها على يد زملائه للحيلولة دون أن يكشف جريمة بشعة ارتكبوها بقتل عمد لأفراد عائلة عراقية مكوّنة من أب وأم وطفلين كانوا على متن سيارة أجرة عراقية حملها حظ هؤلاء العاثر أن تتواجد على بعد بضعة أمتار من سيارة الحراس المرتزقة.
فيلم حقيقي
ثمة في الفيلمين ما ربطه الإعلام بالعراق لكن ذلك في حقيقة الأمر ليس إلاّ مرتجى في أن يتمكن المخرجون الغربيون إنجاز فيلم حقيقي عن العراق، وبرغم الرابط (العراقي) فإن بين الفيلمين فارقاً كبيراً بالذات في مستويات الإنجاز وأداء الممثلين، ففي حين بدا فيلم «اللعبة النزيهة» تكراراً مملاً لم نُشر وعرف من قصة فاليري بلين ورواية سردية لم تتجاوز دقة وتشويق الكتاب الذي اقتبس منه والتحقيقات الصحفية التي تابعت الملف.
فقد جاء فيلم كين لوتش على قدر عال من الرصانة في الإنجاز والأداء وكان بإمكان أي ممثل وأية ممثلة أخرى، أن يُعوّضا عن شون بين ونعومي ووتس في الفيلم الأميركي، بينما جاء أداء بطل فيلم كين لوتش عالياً وكثيفاً يؤهله للتنافس على جائزة التمثيل الرجالي باستحقاق عالٍ.
عمل مميز
ما ميّز عمل كين لوتش أيضاً هو قدرته على إدانة شركات الحراسة الخاصة التي عملت في العراق في السنين الماضية واقترفت العديد من الجرائم والتجاوزات دون أن يطالها يد القانون العراقي، ويكفي أن نذكر ملفات الجرائم التي ارتكبتها شركة بلاك ووترز ومطالبات القضاء العراقي بمحاكمة أفرادها على ما أتته أيديهم من جرم.
وبرغم أنني لا أعتبر هذا العمل هو أفضل أعمال المخرج البريطاني الفائز بسعفتين ذهبيتين في مهرجان كان، فإن ما يطرحه يشكّل سابقة مهمة على صعيد بداية لعملية مراجعة وحساب للضمير البريطاني فيما يختص ملف الحرب.
ويشبه الفيلم، في هذا الإطار، ما عرضه قبل ثلاث سنين فيلم «في وادي إيلاه» من إخراج بول هيغيس وبطولة تومّي لي جونس وتشارليز تيهورن» جندي عائد من الحرب يُقتل في ظروف غامضة ولا يرضى والده بالقدر ويواصل البحث والتحقيق في الحادث ليكتشف، بمساعدة ضابطة شرطة حسنا (تيهورن) أن زملاء السلاح هم الذين قتلوا الجندي الشاب لأنه كان سجّل على هاتفه النقّال أصوات عملية اغتيال عمد وبدم بارد لأفراد دبّابة أميركية لطفل كان يلعب على قارعة طريق عراقية، ولم تُمنح له الإسعافات الضرورية التي كانت ربما ستُنقذ حياته.
هذا الفيلم يبدو النسخة البريطانية لـ «في وادي إيلاه». ففي فيلم كين لوتش، لا يقتنع زميل وصديق الحارس الخاص «فرانكي»، القتيل في العراق، بما تورده الشركة من نتائج التحقيق حول مقتله وتزيد شكوكه عندما يتذكّر مكالمة هاتفية تركها له فرانكي على هاتفه النقّال كانت بمثابة استنجاد متكرر ويائس.
وتترسخ شكوكه وتتحول إلى حقيقة واقعة عندما يتسلم عبر طريق آخر هاتفاً نقّالا عراقياً صوّر به طفل عراقي تفاصيل عملية اغتيال أفراد الأسرة العراقية على يد دورية الحراس الخصوصيين وسعي فرانكي لتقديم الإسعاف إلى الضحايا.
يبدأ الصديق تحقيقه الخاص ليكتشف عبر الربط ما بين الأحداث ليكشف في نهاية المطاف عن عملية اغتيال عمد ارتكبها زملاء المهنة ليمنعوا فرانكي عن كشف ملابسات قضية إبادة العائلة العراقية دون أي وازع أمني أو إنساني وتؤكد له اعترافات أحد أفراد المجموعة كل التفاصيل فيبدأ بعملية الانتقام المنظّم وحين ينتهي من العملية يكتشف أن لا هدف له في الحياة ولا معنى للعيش فيُقدم على الخطوة الأعسر التي يواجهها من يعاني اليأس.
تفاصيل كاملة
لكن في الفيلم أيضاً خطاباً خطيراً يبرر التعذيب من أجل التوصّل إلى الحقيقة، بالذات في مشهد نزع اعتراف أحد أفراد فرقة الحراسة الخاصة، والذي بالغ لوتش في عرض تفاصيله الكاملة دون الأخذ في أي اعتبار إلاّ لضرورة الكشف عن وحشية ما كان يُمارس ضد العراقيين المعتقلين أو خلال المداهمات الليلية لمنازل العراقيين المشتبهين بالتعامل مع المنظمات والجماعات الإرهابية.
بشاعة هذا المشهد تولّد لدى المشاهد أنه أمام صورة جزئية لما كان يعاني منه العراقي المعتقل، وهو، أي المشهد يُنسي تماماً أمام التدمير الذي لحق بالعراق والعراقيين وأخطاء وجرائم النظام السابق وجرّاء ما نتج عن الحرب والاحتلال الغربي للعراق. فهل بإمكاننا أم نجد أية صلة بين أعمال كهذه والوضع العراقي؟
الجواب بالتأكيد هو: قطعاً لا، وربما سيكون الفيلمان اللذان شاهدناهما في الدورة الثالثة والستين من مهرجان كان السينمائي الدولي آخر ما تحتويه سلسلة الأفلام التي توحي إلى الصلة بالعراق، وليس مستغرباً أن تهيمن موضوعات الأزمة الاقتصادية والمالية وتداعياتها على الأفلام التي سنشهدها في المواسم المقبلة، فالعراق رغم أهمية ما يجري فيه للمنطقة بأسرها، فإنه لم يعد يحتل الأولوية التي كان يحتلها قبل بضعة سنين، ثم أن تكرار هذا النوع من الأفلام ما عاد يستثير اهتمام الجمهور الواسع، ما سيدفع المنتجين إلى وضع الملف العراقي على الرف بانتظار مُتغيّر جديد.
وبصرف النظر عن أهمية فيلم كين لوتش وتقريرية فيلم دوغ ليمان فقد أثبتت الدورة الحالية من مهرجان «كان» أن الحدث العربي وإشكاليات العلاقة الغربية مع العالمين العربي والإسلامي، هما الأكثر إثارة لاهتمام الصحافة وأجهزة الإعلام، هذا ما حدث بالفعل مع فيلم كين لوتش الذي ضمّه مدير المهرجان تييري فريمو إلى برنامجه رغم إغلاقه منذ أسابيع، ولم يأت ذلك بسبب أهمية المخرج البريطاني فحسب، بل أيضاً نتاجاً لإشكالية التناول في الفيلم.
صخب عارم عمّ مدينة «كان» وكورنيش الكروازيت خلال عرض فيلمي «كارلوس» للمخرج الفرنسي أوليفييه آسيّاس، وذلك عندما شددت قوات الأمن والشرطة الفرنسية على الحراسات وتفتيش الداخلين إلى قصر المهرجان تحسّباً لحدوث ما هددت به مجاميع مقرّبة إلى «كارلوس» على اعتبار أن العمل الذي تحدّث في خمس ساعات ونصف عن حياة هذه الشخصية وصلاتها مع قادة العالم العربي، لم يكن «دقيقاً» أو «منصفاً» في وصفه.
وحدث الأمر نفسه حين عُرض فيلم «خارجون على القانون» للمخرج الفرنسي (الجزائري الجنسية) رشيد بوشارب، والذي يروي فيه الأحداث التي قادت إلى ميلاد العمل المسلّح لحزب جبهة التحرير الجزائرية، بالذات على الأراضي الفرنسية.
الفيلم يمثّل المرحلة الثانية، ربما لثلاثية تتناول التاريخ الجزائري ما قبل وما بعد الاستقلال. وعمل بوشارب في هذا الفيلم أيضاً مع ثلاثييه المفضّل جمال دبّوز ورشدي الزام وسامي بوعجيلة. ويعرض الفيلم حكاية الأخوة الثلاثة سعيد ومسعود وعبد القادر، والذين تُضطرّهم ظروف الحياة واستغلال الإقطاع إلى تبعثرهم في بلاد الأرض وفي أطر متباينة ومتناقضة فيما بينها.
ففيما ينخرط سعيد في الجيش الفرنسي الذي قاتل الفيتناميين في منتصف الخمسينات ويفقد إحدى عينيه، يغرق مسعود في حياة التفاهة والقوادة مع الاحتفاظ بحلمه أن يتحوّل في يوم من الأيام إلى متعهّد ملاكمين كبار يحملهم إلى مصاف البطولات العالمية. أما، عبد القادر، فينخرط في العمل السياسي ويقود، من منطلق الدوغمائية العمياء الفعل السياسي والمسلح في فرنسا.
لحظة وعي مهمة
ثلاثة نماذج تمثل شريحة واسعة من المجتمع الجزائري، في ظل غياب كامل للشخصية العقلانية والبناءة والغريب في الأمر أن الشخصية الأقوى والأكثر عقلانية وقدرة على بناء شيء هو «الشقيق» مسعود الذي يرفض منطق المواجهة العنيفة ويعمل على بناء بطل ملاكمة جزائري شاب بقدرات تؤهله على مواجهة أبطال فرنسا والأبطال الأميركيين.
وكما كانت حياته المنحطّة أبعدته عن حب والدته، فإن رفضه الانصياع لأوامر عبد القادر يٌبعده عن أخويه، إلاّ أن عقد العائلة يعود إلى الاكتمال في لحظة ضرورية تُنقذ حياة عبد القادر وسعيد. أو ربما تؤجل في مقتل كليهما على يد الشرطة الفرنسية.
انتماء مسعود إلى الثورة يأتي في لحظة وعي مهمة، وفي إطار العزلة المطلقة التي يواجهها عبد القادر في نهاية العمل وبالذات في مشهد قطار الأنفاق، عندما يجد القائد الثوري عبد القادر نفسه منغلقاً في إحدى القاطرات، فيما تجمهر الجزائريون الآخرون في قاطرة أخرى يهتفون بأن «تحيا الجزائر». ولمجرد نزوله من تلك القاطرة يموت برصاصة شرطي فرنسي، مؤذناً، ربما لنهاية مرحلة من مراحل الثورة الجزائرية وبداية أخرى. مرحلة تميّزت بالعنف دون الأخذ في الاعتبار أوجه النضال الأخرى.
كان ـ عرفان رشيد

