لم تكن جاكلين تدرك أنه بمجرد انتهائها من قراءة بعض السور القرآنية أنها ستنام بهدوء في تلك الليلة، وإنها وللمرة الأولى لن تخشى رهبة الليل المحيط بخيمتها المقامة في ارض خالية بإحدى الدول الإفريقية، قبل تلك الليلة عانت جاكلين كثيرا، فبمجرد أن يحل الليل كانت تعيش لحظات خوف من أن يدخل عليها احد المتمردين أو أن تهاجمها إحدى الحيوانات السائبة، مع حلول الليل كانت تجتهد كثيرا في قراءة الإنجيل عله يحفظها ولكن القلق كان دائما يسيطر عليها خاصة أن زوجها لم يكن معها في تلك الفترة، فقد انتدبته المنظمة الدولية للعمل في إحدى مخيماتها بدولة أخرى.

تقول جاكلين: «لم تكن تلك المرة الأولى التي أسافر فيها للعمل بإحدى المخيمات التطوعية التي تقيمها هيئة الأمم المتحدة في الدول الفقيرة، وقد اعتدت في كل مرة أن أرافق زوجي المسلم والذي يعمل في الصحة النفسية وأساعده في أعماله، في كل السنوات السابقة لم اشعر بمثل ذلك الخوف والقلق، فالمنطقة التي اعمل فيها كانت تشهد حراكا سياسيا كبيرا وتمردا واضحا، وكانت عمليات القتل تجري في وضح النهار».

وتواصل: «لا ادري لماذا شعرت في تلك الليلة بأن نداء في داخلي كان يدعوني إلى قراءة القرآن الكريم، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي افتح فيها هذا الكتاب العظيم، رغم أنني ولدت وعشت جل سنوات عمري بين المسلمين.

وقلت في نفسي لأجرب ذلك، فان لم استفد كثيرا أكون قد قضيت ليلي بالقراءة، وعلى الفور بدأت ابحث عن القرآن الكريم بين أوراق وكتب زوجي الموجودة في إحدى الصناديق الموضوعة بزاوية الخيمة، فانا اعلم جيدا بأنه دائم الاحتفاظ به واصطحابه في كل مكان نذهب إليه». وتقول جاكلين:

«بعد أن وجدته بدأت استرجع حركات زوجي في الاغتسال في كل مرة عندما كان يريد قراءة القرآن الكريم، وقد حاولت أن افعل ذات الأمر وتحضير نفسي بالاغتسال، وقمت بتغطية رأسي كما هي عادتنا عند قراءة الإنجيل، وللحقيقة منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها المصحف وبدأت القراءة بدأت اشعر بالراحة النفسية والسكون.

وبدون وعي وجدت نفسي أتوغل في القراءة ومع بداية كل صفحة كنت أقول لنفسي بأنها ستكون الأخيرة، وسأذهب للنوم وما أن انتهي منها حتى اشعر بالرغبة في الاستزادة، في تلك الليلة أنهيت ما يقارب 100 صفحة من القرآن، وقمت عنه بتثاقل، ولم اشعر بنفسي إلا مع شروق الشمس، في تلك الليلة لم اصدق بأنني نمت طويلا وأنني لم أتعرض لأي حادث واكتشفت بأن السبب هو القرآن الكريم، ومنذ تلك الليلة اعتدت على قراءة القرآن الكريم قبل النوم».

في ذلك المخيم انتهيت من قراءة القرآن أكثر من مرة، وكنت اعد الأيام التي شعرت بأنها مرت ثقيلة انتظر عودة زوجي، الذي فوجئ بطلبي أن يعلمني الإسلام والصلاة وكافة المناسك الدينية، وأذكر انه سألني أكثر من مرة بأن كنت مقتنعة فيما افعل أم لا؟ وفي كل مرة كنت أجيبه بنعم، فالراحة النفسية التي لمستها في الإسلام لم يسبق لي أن عشتها من قبل.

ورغم معارضة أهلها لزواجها من مسلم ولإسلامها فقد تغيرت جاكلين كثيرا، والتزمت الحجاب واللباس الفضفاض وغيرت اسمها إلى غادة، وهي حريصة جدا على تعليم أبنائها تعاليم الإسلام وتحضهم بشكل يومي على قراءة القرآن والتسلح به، وتدعو الله كثيرا بأن يمكنها في احد الأيام من ملاقاة والدتها ولو لدقائق لتأخذها في حضنها.

غسان خروب