«هل بإمكان حب الأبناء إرجاءَ منيّة الآباء المشرفين على الموت؟»، هذا هو السؤال الرئيسي الذي يحاول المخرج المكسيكي آليخاندرو إينيارّيتو طرحه في فيلمه الأخير « بيوتيفُل» ويرد عليه بإيجاب مُطلق.نعم، يقول الفيلم في النهاية ويصل إلى القناعة التي يرددها الأخصائيون في أمراض السرطان حول أهمية قوة الإرادة وحب الحياة في مقاومة هذا المرض الخبيث وفي إرجاء الموت الداهم.

عنوان الفيلم الإنجليزي كُتبَ بهذا الشكل «يُِّّمنٌِّ» وليس «قمفُِّّينٌِّ» كتحية لخطأ جميل وقع فيه ابن الشخصية الرئيسة الصغير عندما وضع الكلمة اسما لرسم طفولي أراد أن يُعطيه عنوان « العالم جميل»، ولم يعمد الأب إلى تصحيح الخطأ الطفولي بل أكدّه بتهجيه الحروف كما كتبها الطفل وتخلّى للحظة واحدة عن صرامته التربوية تاركاً للابن الصغير نشوة الإحساس بجمال العالم رغم رداءة الأوضاع الذي يعيش في ظلها مع أخته التي تكبره ببضعة سنين ووالده وفي ظل غياب الأم الضائعة بين الإدمان على الكحول وممارسة حياة عهر خالية من المسؤولية تجاه الأبناء.

يروي الفيلم قصة الشهرين الأخيرين لحياة أوكسبال (خافيير بارديم) ومنذ لحظة اكتشاف الأطباء لإصابته بسرطان البروستاتا الذي تفشّي في سائر أجزاء جسمه وبلغ الكبد، ما يجعل موته محتّماً وسريعاً. وكما هي الحالة في أوضاع مثل هذه تُصبح كل الأمور عاجلة ويقضي المصاب جلّ وقته في تحديد أولوياته وقد تداهمه النهاية دون أن يكون حلّ أياً من تلك العجالات. إلاّ أن لدى أوكسبال هماً واحداً هو ما يمكن أن يؤول إليه مصير ولديه الصغيرين بعد رحيله في ظل غياب الأم، لذا يقبل بفتح الباب لها مجدداً لتعود إلى البيت، إلاّ أنها تفشل في أول امتحان ما يُجبر أوكسبال إلى الانفصال عنها مجدداً وإبعاد الولدين منها.

جعل إينيارّيتو في هذا الفيلم من شخصية أوكسبال «مُركّزاً» يعكس كماً كبيراً من المشكلات التي يعاني منها المجتمع الأوروبي، من خلال سلسلة من القضايا والملفات المفتوحة التي أبرزتها الأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة والتي توشك أن تضرب آثارها إسبانيا والبرتغال، ربما بنفس مقدار الضربة التي تعرّضت إليها اليابان.

ففي برشلونة غائبة، وفي بناء يجعل من الأحداث قابلة للحدوث في أي مكان من العالم، يعرض آليخاندرو إينيّارّيتو، صورة للمجتمع الحالي: الصيني المُستغل والصيني الذي يجري استغلاله والإفريقي الذي يعيش في حالة مخيفة من الفقر والعوز ويموت ليلاً وهو يستنشق غاز مدفأة معطوبة، ليجد جسده، برفقة أصحابه الذين شاركوه الليلة الأخيرة، مرميّة على شاطئ البحر لإخفاء جريمة المستغلين الذين أوصلوا أولئك الناس إلى تلك النهاية المرعبة. إلى جانب الضحايا نجد مضاربي البناء السريع .

وأصحاب المصانع الصينية الصغيرة في ضواحي المدن الأوروبية، والذين يكدّسون الأموال الطائلة باستغلال بشع لأبناء جلدتهم دون أي وازع إنساني أو تحكيم للضمير، فالذين تسطّروا على الأرض نائمين على فُرشٍ مهلهلة وقذرة، ليسوا إلاّ آلات ينبغي أن تستيقظ كل صباح في السادسة والنصف على نبرات صرخة كريهة من والد صاحب المصنع وليحققوا خلال ساعات طويلة من النهار وقسطاً من الليل أرباحاً طائلة لرب العمل.

أوكسبال متطفّل على مجمل صورة العالم الذي يعرضه إينيارّيتو في الفيلم، فهو يعمل بمثابة «وكيل أعمال» لشقيقه المضارب في عالم البناء والتأسيسات الكبيرة، ويعمل أيضاً وسيطاً يوصل الرشاوى إلى رجال الشرطة الفاسدين ليُغلقوا عيناً واحدة على استغلال أصحاب المصانع الصينيين المستغلين لأبناء جلدتهم وللمهاجرين الآخرين.

لكنه، أي أوكسبال، في ذات الوقت صديق لعدد من هؤلاء الُمستَغَلين الفقراء ويستعين بهم في متابعة ولديه كما يقدّم إليهم العون والمساعدة في اللحظات الحرجة، كما يحدث عندما تداهم الشرطة بثقل كبير شوارع المدينة وتعتقل الباعة الإفريقيين غير القانونيين، فيأوي أوكسبال زوجة صديقه الإفريقي وولدها والتي تُصبح فيما بعد قليل ليس مربية طفليه فحسب بل ممرضّته الشخصية عندما يستفحل عليه المرض.

أختزل إينيارّتو في شخصية أوكسبال نموذج الإنسان الأوروبي الناتج عن ضياع القيم، فهو مُدّخر للمال السريع «وغير المشروع»، وبرغم امتلاكه كماً هائلاً من المال، فهو يعيش في وضع بائس في أعماق مدينة برشلونة. إنه نتاج للخطأ، لكنه لم يخلُ بشكل نهائي من إنسانيته التي تنفجر بشكل عنيف عندما يكتشف موت العمال في العنبر القذر الذي اتخذوه خاناً للنوم مثل الحيوانات.

وعندما يكتشف بأن أجساد أولئك القتلى حُملت على قارب ورُميت في البحر لتصل إلى الشاطئ وتبدو كما لو أنهم غرقى إحدى سفن المهاجرين القادمين من الجنوب والذين تعوّدنا سماع أنباء غرقهم في عرض البحر. ففي لحظة استيقاظ لإنسانيته المُتلفّعة بغشاء المصلحة يُبلغ أوكسبال الشرطة بحقيقة الأمر ما يوقع صاحب المصنع الصيني وأفراد عائلته في شباك الاعتقال.

تدور الأحداث في مدينة برشلونة، لكننا لا نرى المدينة ولا بهرجتها المُستقبلة للقادم الصيفي ولا هياج جمهورها وهي تهتف أسماء لاعبي نادي برشلونة الكبار، ثمة صورة واحدة فحسب للمدينة تعرض إحدى ساحاتها عن بعد، وتبدو حائلة اللون بعد أن اكتُشفت الجثث القتيلة على ساحل البحر والإشارة الوحيدة لكل الوجه المضيء (وربما الكاذب) للمدينة يأتي عبر سؤال برئ تطرحه المهاجرة الإفريقية «إيجي» التي آواها وولدها الرضيع.

أوكسبال في منزله بعد أن أوقفت الشرطة زوجها ( وصديق أوكسبال) العامل كبائع متجوّل غير قانوني في شوارع برشلونه مثله مثل الآلاف من الأفارقة المهاجرين الذين باتوا يُجيدون الهرب كالغزلان المذعورة لدى وصول الشرطة أكثر من إجادتهم لأي شئ آخر.

حين تُجيب «إيجي» على سؤال الولد الصغير بأن اسم أبنها هو «صامويل» يسارع الطفل الصغير بسؤال مبتسم وملئ بالحبور: «تعني إنه صامويل إيتو؟» إشارة إلى نجم برشلونة الكروي صامويل إيتو الذي لعب في النادي البرشلوني وانتقل مؤخراً إلى نادي الإنتر الإيطالي.

حين يطلب أوكسبال من «إيجي» أن تأخذ كل أمواله التي ادّخرها وأن تبني مستقبلاً لابنها وأن تتحول أماً حقيقية لولديه، ترفض الشابة الإفريقية العرض، لكنها تضعف في لحظة يعرضها المخرج وكأنها موشكة على مغادرة برشلونة بعد أن رافقت ولدي أوكسبال إلى المدرسة وأخذت محتويات الدرج من المال. إنها لحظة ضعف طبيعية، لكنه، أي المخرج، لا يقتل بشكل نهائي الشخصية الإيجابية الحقيقية في مجمل القصة، بل يُعيدها إلى المنزل، ولو من خلال الصوت.

ففيما يٌنازع أوكسبال الموت، نسمع صوت باب البيت يُفتح، فيسأل أوكسبال «هل هي أنت يا إيجي؟» فنسمع صوت الشابة الأفريقية دون أن نراها: «أجل لقد عدت». ويبدو بناء هذا المشهد وكأن المخرج أراد أن يوحي إلينا بأن الأم، أياً كان منبعها، ليس بإمكانها أن تترك أبناءً صغاراً لمصائر مجهولة، وفي هذا هو الرد الطبيعي للسؤال الذي تم طرحه في البداية: هل بإمكان حب الأبناء إطالة عمر الآباء المشرفين على الموت؟،

ربما تكون الشابة الأفريقية عادت إلى المنزل، وربما حدث العكس ولم يكن صوت انفتاح باب الباب ورد «إيجي» إلاّ من بنات تخيّلات أوكسبال المحتضر، لكن المخرج ترك الباب موارباً على احتمال ممكن، رغم ضعفه، في أن الإنسانية لا يُمكن أن تموت بشكل نهائي رغم وساخات العالم المحيطة بالبشر.

ليس هذا المنطق مجرد قراءة إيجابية سطحية للشخصية الإنسانية، بل هو تأكيد لما وضعه آليخاندرو إينياريتو من قناعات في أفلامه السابقة، بالذات «بابل» الذي أدى بطولته براد بيت إلى جانب كيت بلانشيت، بالذات في مشهد رفض المواطن المغربي المال مقابل ما قدّمه من جهد واستضافة في أعانه الشخصية على إنقاذ حياة الزوجة التي أصيبت برصاصة طائشة أطلقها طفل من بندقية خُيل إليه أنها لعبة طفولة.

وكما ربط إينيارّتو في فيلم «بابل» بين مصائر البشر وحياتهم رغم عيشهم في بقاع مختلفة من المعمورة وبعيدة عن بعضها، يُصغّر في فيلم «بيوتيفل» العالم ليجعله ضاحية من ضواحي مدينة أوروبية كبيرة، عالم يختزل فيه المخرج كل المصائب التي يعاني منها البشر اليوم، وكأنه يؤكد على مقولة أن«العالم أصبح قرية صغيرة» وأن جناح الفراشة التي ترفّ في اليابان، لا بد أن يكون مسؤول عن الإعصار الذي يقع على سواحل الأطلسي.

«بيوتيفُل» هو الفيلم الأول الذي يكتبه إينيارّيتو دون أسهام زميله ومرافق رحلته الأولى غيلييلمو آرّياغا، والذي سبق وأن كتب معه أفلامه الثلاثة الأولى. إلاّ أن هذا الفيلم يشكّل خطوة نحو العودة إلى لغته الأصلية، أي الإسبانية، بعد فيلميه «الأمريكيين» ( ؟؟ غرام) و (بابل) ويسجّل إينيارّيتو هذه العودة برفقة واحد من أفضل وأكبر النجوم الأوروبيين، أي خافيير بارديم، الذي صرّح في أكثر من مرّة رغبته في العمل مع المخرج المكسيكي.

يقول بارديم: «لقد ترك هذا العمل عليّ تأثيراً كبيراً وقد كانت ردّة فعلي إزاءه وليدة مشاعري وانفعالاتي، وعندما تكون في مواجهة هذا النوع من المادة فلابد أن تكون واثقاً بأنك ستلج عالماً من التساؤلات والشكوك لكن أيضاً عالماً من الآفاق والفرح»، ويُضيف «لقد كانت كل جوانب شخصية أوكسبال مرسومة بشكل جميل في السيناريو وما كان عليّ إلاّ أن أعثر على نقطة التلاقي بين هذه المظاهر دون إهمال أي منها، في نهاية الأمر ليس أوكسبال إلاّ شخصية تجد نفسها مُجبرة على مواجهة تجربة عصيبة للغاية.

وعليه مواجهة الواقع ومحاولة تجاوز كل هذه الصعاب ليترك شيئاً ما لأفراد عائلته وهو ما لم يكن فكّر فيه في الماضي، إنه يسعى ليترك شيئاً ما إيجابياً لولديه، شيئاً يمنحهم الأمل وشيئاً يمكن أن يحملوه معه في حياتهم اللاحقة» ككنز.

لهذه القناعة بالذات نرى في النهاية تكراراً بصرياً لهمس جميل وحبيب استمعنا إليه في مطلع الفيلم دون أن نعرف من هما الشخصيتين اللتين يجري بينهما ذلك الحوار، «بيوتيفُل» عمل جميل يضع باستحقاق كلاً من آليخاندرو إينيارّيتو وخافيير بارديم في منطقة جوائز الدورة الثالثة والستين من مهرجان «كان» السينمائي الدولي.

كان ـ عرفان رشيد