تظل بعض التجارب محفوفة بالدهشة وشيء من الريبة، حتى بعد خوضها تدرك بأنك في عالم متسع، مترامي الأطراف، يُحاذي عالمك الصغير، ويكاد يلتهمه، في مدينة لا تنام يمكن استخدام منظومة المواصلات العامة على مدار الساعة للوصول إلى الوجهة المطلوبة.. مترو دبي كان نابضاً، مستقبلا الصباح والمساء كاسراً حاجز المسافة بركاب يدركون وجهاتهم جيداً.. بعد 10 أشهر على تشغيل أول مترو في المنطقة.
محطة (مول الإمارات) باتساعها كانت موعد الانطلاق، الخرطوم الواصل بين المحطة ومركز التسوق يُطل على جمالية المدينة، حيث الحركة نابضة بسرعة مخيفة، بينما يبقى التأمل عنواناً للزيارة الأولى، إلى الداخل نحو المحطة تستقبل الركاب.. عدد من المقاهي.. محلات الكتب واستراحة متاحة على مدار الساعة.. فالمدن الكبرى تعد دائماً بتجارب مكتملة الرفاهية.
موظفو الاستعلامات على استعداد للإجابة على أي نوع من الأسئلة، حتى وإن كنت لا تعلم وجهتك، للتجربة أصول، يجب أن تختار أولاً أي جزء من المدينة تقصد الغربي أم الشرقي.. ثم الدرجة التي تنوي ركوبها.. وقع الاختيار على محطة ابن بطوطة حيث دبي الجديدة باتجاه جبل علي، أما قطار الاتجاه المعاكس فيقصد (الراشدية) ماراً بوسط المدينة. الرحلة في منطقة واحدة تكلف درهمين، مضافاً إليهما سعر البطاقة التي يمكن إعادة شحنها، حسب نوعها، فهناك بطاقات للركاب الدائمين والزائرين ومن يرغبون بالتجربة، بمزايا مختلفة.
قد تكون التجربة حديثة بكل المقاييس، المحطة القابعة في وسط المدينة بقبتها الواسعة، الأنظمة الإلكترونية، رجال الأمن المنتشرون، وصوت الإعلان عن رحلات المترو يتردد في الأرجاء.
فجأة.. تستوقفك (نول) .. البطاقة المستخدمة لرحلات المترو، اللفظ المحلي والذي يعني (أجرة)، اصبح مفردةً متداولة على ألسنة مستخدمي المترو المنحدرين من جميع الثقافات والجنسيات..
الصعود والاصطفاف بهدوء.. صاحبة النظارة السوداء تبدأ حديثاً متواصلاً في هاتفها النقال..
عند تجربة المترو، لا بد من ترك الانطباعات السابقة جانباً.. والتأمل من نوافذه كعين أخرى للمدينة، فالتجربة لا تشبه شيئاً آخر.. بين سماء دبي وأرضها المنظر يبدو لوحة مُتقنة، تخطف تفاصيل المدينة، الطرق الخلفية والحركة المستمرة على الجسور والشوارع.. مشهد يوحي بحياة لا تغفى.. بينما في الداخل النظرات لا تزال تُحيط بصاحبة النظارة السوداء .. وحديثها المتواصل يزعج الركاب..
المقطورة صُممت من الداخل لتضم مقاعد متقابلة تستند لنوافذ القطار، وأخرى متوالية ومحاذية للنوافذ.. الهدوء سمة واضحة.. ولعل أبرز ما يسرق متعة التجربة.. من لا يدركون ثقافة المواصلات العامة، ويقطعون هدوء المكان بأصواتهم المرتفعة.. والحديث في الهاتف النقال بصورة مستمرة..
يُعلن النظام الالكتروني في المترو عن اسم المحطة المقبلة، حتى يستعد الركاب للنزول إلى وجهتهم، ويتمكن آخرون من الصعود، وصاحبة النظارة السوداء لم تصل إلى نهاية المكالمة بعد.. والراكاب إلى مزيد من الانزعاج..
توقف المترو عند محطات متتالية.. مدينة دبي للإنترنت.. ثم مرسى دبي وأخيراً نخيل هاربر تاور قبل محطته ابن بطوطة، حيث تنتظر الركاب حافلات النقل الجماعي، ووسائل نقل أخرى..
وأخيراً تنزل صاحبة النظارة السوداء.. والمكالمة لم تنته بعد..
في المترو كما في دبي، نوافذ تحمل كل جديد يستحق التجربة..
أمل الفلاسي
