لم يتميّز النهار المخصص للسينما الفرنسية في الدورة الحالية للمهرجان بالمستوى الذي يتيح لها أن تتنافس على المواقع المتقدّمة من المسابقات، فقد جاء الإنتاج الفرنسي الإيطالي المشترك «نسخة طبق الأصل» للمخرج الإيراني عباس كياروستمي مملاً هيمن فيه الحوار المتفلسف والسطحي على مجمل الأحداث وتجاور مع أداء سيئ من قبل الممثل وليم شيميل الذي أضاع بالفعل ما كان بإمكان النجمة الفرنسية جولييت بينوش تقديمه في دورها المحوري في الفيلم.

الترقّب لعمل كياروستمي كان عالياً للغاية وكان مُتوقّعاً أن يمثّل نقلة نوعية في إنجاز هذا المخرج الذي تسيّد على المشهد السينمائي الإيراني لأكثر من ثلاثة عقود وسجّلت أعماله «كلوز آب» و «طعم الكرز» و«تحت أشجار الزيتون»، على سبيل المثال لا الحصر، محطات هامة ليس في الإنتاج الإيراني فحسب بل أيضاً في مجمل الإنجاز السينمائي العالمي، بالذات فيما يختص بالتعامل مع عامل الزمن والإيقاع اليومي للأحداث، إلاّ أن النتيجة النهائية التي طفحت إلى السطح عبر العمل ولّدت لدى المشاهد إحساساً أن كياروستمي صار يعتبر المنُجز السينمائي بمثابة الورقة التي يُسطّر عليها قناعاته ورؤاه الفكرية دون النظر إلى خصوصية العمل السينمائي المستند قبل كل شيء إلى الصورة.

حكاية مثيرة للاهتمام حول تناسخٍ ما بين أربع شخصيات مختزلة في اثنتين تتداخلان في زمنين يرتبط فيهما الماضي القريب بالحاضر المعاش، في إطار روائي مصطنع. فـ «هي» ـ جولييت بينوش ـ صاحبة غاليري فني في مدينة آريتسو الإيطالية ـ في مقاطعة توسكانا بوسط إيطاليا ـ وتتعامل مع الأعمال الفنية المستنسخة من الأعمال الكبيرة، تحضر ندوة تقديم كتاب لكاتب وناقد بريطاني «وليم شيميل» بعنوان «نسخة طبق الأصل» أنجزه عبر تجربة عاشها في توسكانا قبل عشر سنوات وتعامل فيه مع التاريخ الفني الحافل لهذه المدينة التي تعتبر مهد عصر النهضة الإيطالية.

ومسقط رأس وموطن كبار الفن في العالم مثل ميكيل آنجيلو وليوناردو دافينتشي، «هي» لا تتمكن من البقاء إلى نهاية الندوة بسبب إصرار ولدها الصغير على مغادرة المكان لشعوره بالجوع، أو بالضجر ممّا يقال في تلك الصالة ونرى فيما بعد بقليل «هي» والكاتب البريطاني في لقاء وجولة في بلدة لوتشينيانو بالقرب من آريتسو والتي تُصبح مسرحاً إستعادياً للقاء سابق يُشبه بالضبط هذا اللقاء المفتعل بين الشخصيتين، ليُفضى بنا المخرج فجأة إلى تاريخ في العلاقة بين هاتين الشخصيتين الحاضرتين ويفترض تشابهاً بين البشر إلى درجة كونهم «نسخاً طبق الأصل».

ربما يكون الحديث الذي كتبه كياروستمي مهماً على الصعيد الفكري والفلسفي، وقد نتّفق معه في كثير من الأمور النظرية التي طرحها في فيلمه الجديد لكن ما افتقدناه هنا هو الفيلم بالتحديد. يقول المخرج الإيراني في تقديمه للفيلم «هذه حكاية لقاء بين رجل وامرأة في بلدة صغيرة بجنوب مقاطعة توسكانا، الرجل بريطاني انتهى للتو من تقديم كتابه الجديد والمرأة فرنسية تدير معرضاً لبيع الأعمال الفنية.

إنها حكاية يمكن أن تحدث في أي مكان وتقع أحداثها لأي شخص في أي زمان» ويخلص كياروستمي إلى القناعة بأن أياً منّا يمكن أن يكون «نسخة طبق الأصل» لأشخاص آخرين في أزمنة أخرى» وأماكن أخرى، بالضبط كما أصبحت النسخ المستنسخة عن الأعمال الفنية عبر التاريخ شبيهة، أو ربّما، أفضل ممّا استُنسخت عنها.

أميرة مونتسبير

وإذا كان كياروستمي استعاد العقد الماضي في علاقة مُفترضة بين شخصياته فإن المخرج المخضرم بيرنارد تافيرنييه عاد إلى ما يربو من خمسمائة قرن ليروي قصة فتاة جميلة من المجتمع الأرستقراطي الفرنسي في عام 1562.

عودة المايسترو الفرنسي إلى مهرجان كان السينمائي الدولي بعد أكثر من عقدين حدث بحد ذاتها، فقد كان آخر عرض له في المهرجان بفيلم «توق إلى أبي» وكان ذلك في عام 1990. وأعرب تافيرنييه عن حبوره للعودة إلى شاطئ نيس وعرض شريطه الأخير في المهرجان الذي يعتبره «أهم مهرجان سينمائي في العالم»، لكنه في ذات الوقت لم يُخف مخاوفه من هذه العودة بعد عشرين سنة ويقول «أشعر بقدر من الخوف، لكني في الوقت ذاته متحمّس للتواجد وأنا سعيد للذين عملوا معي في إنجاز هذا الفيلم وتقاسموا معي غبطة إنجازه».

وقال ان إنجاز الفيلم واجه مصاعب عديدة حيث « كانت عمليات البحث عن الأموال لإنجاز الفيلم عسيرة للغاية ومُقبضه للنفس، لكن العمل فيه كان مبعث سرور كبير وبإمكاني اعتبار هذا العمل الأكثر إثارة للفرح في حياتي كلها».

ما يقوله تافيرنييه حول مصاعب التمويل تبدو مثيرة خاصة وأننا نتحدث عن واحد من أهم المخرجين الأوروبيين، ويقول المايسترو الفرنسي«إنها عملية صعبة دائماً، ففيلم «حوالي منتصف الليل» أمضيت أكثر من عام كامل للحصول على الأموال بعد أن أغلقت جميع الاستوديوهات الأبواب في وجوهنا واضطُررت أن أضع أموالي الخاصة من أجل إنجاز فيلمي «الحياة ولا شيء غيرها». ويُضيف تافيرنييه «ما هو مثير حقاً هو أن غالبية أفلامي التي واجهت مصاعب مالية خلال مرحلة الإعداد والإنجاز كانت هي الأكثر نجاحاً على صعيد شبّاك التذاكر. لذا فأنا آمل أن تتكرر الحالة مع فيلمي الأخير «أميرة مونتسبير».

تدور أحداث الفيلم داخل فرنسا في القرن السادس عشر ويقول تافيرنييه «كانت معلوماتي عن تلك الفترة ضئيلة للغاية وكما كان معلّمي مايكل باول يقول دائماً في أنه يُنجز الأفلام حتى يتعلم المزيد وأنه كان يشعر بالسعادة الكبرى في التواصل مع الناس وأخبارهم ما تعلّم هو خلال عملية البحث والإنجاز. لقد أُغرمت بالقصة التي كتبتها مدام لا فاييت وأحببت فكرة إنجاز فيلم حب ملحمي تحتل شابة مركزها».

فيلم «أميرة مونتسبير» قصة تاريخية مروية دون أي استخدام للتقنيات الخاصة وليس لدى تافيرنييه أي اعتراض حول استخدام التقنيات الجديدة في السينما لكنه يقول «إن التقنيات مثيرة للاهتمام عندما تُستخدم من قبل مخرجين جيّدين وأذكياء لكن عندما يُبالغ في استخدامها تُصبح مثيرة للقرف، أحلم أن أعود إلى المرحلة التي كان كانت لدى المخرجين قوة الإيحاء، هيتشكوك ولّد الإحساس بالخوف وبالرعب دون الحاجة إلى أية تقنية خاصة».

وحول جديده المقبل يقول المايسترو الفرنسي إن ما يحتاج إليه الآن هو العوم في البحر ومشاهدة ما لا يقل عن خمسين فيلماً من كلاسيكيات السينما «التي أفتقدها الآن».وكشف تافيرنييه أنه يعمل الآن على أربعة مشاريع جديدة. ويُضيف «أنا في أواخر ستينيتي وأحاول أن أنجز أياً من أفلامي وكأنه الفيلم الأول في حياتي، إنها طريقة لتحدي الذات».

كارلا ساركوزي ممثلة

وبعد أن جرّبت قدراتها الغنائية وأصدرت ألبومات لأغنياتها ستجرّب السيدة الأولى الفرنسية الحسناء كارلا ساركوزي حظها مع السينما على يد أحد أساتذة السينما العالميين، المخرج النيويوركي المخضرم «وودي آلين» الذي أعلن عن إناطة بطولة فيلمه المقبل إلى سيدة فرنسا الأولي كارلا ساركوزي. تأكيد آلين جاء ليضع حداً للتكّهنات حول الموضوع وقال ان عمليات التصوير ستحاول أن تنسجم مع الالتزامات الرسمية التي على «كارلا» أن تلتزم بها كسيدة أولى لفرنسا.

سجال دون مشاهدة

وكما هي العادة دائماً فإن الأعمال التي يقدّمها المخرج الفرنسي ( من أصل جزائري) رشيد بو شارب تتميّز بخصوصية إبداعية كبيرة وبقدرة عالية على إثارة النقاش، فإن من المتوقّع أن يسجّل فيلمه الجديد «خارجون على القانون» أو «البدون الفرنسيون» نقاشاً كبيراً بدأت بوادره بسجال من قبل اليمين الفرنسي حتى دون أن يكون قادته أو نقّاده شاهدوا الفيلم وبدأت اعتراضاتهم تحتل مساحة واسعة حول النقاش الدائر حول الفيلم.

رشيد بوشارب، الذي كان ترشّح لجائزة الأوسكار في عام 1992 عن فيلمه «شاب» وفاز بسعفة كان الذهبية في عام 2006 عن فيلمه «بلديون» ومنحه مهرجان دبي السينمائي الدولي في عام 2008 «جائزة الحياة الفنيّة»، يعود هذه السنة إلى كان برفقة ثلاثيه المفضّل جمال دبّوز ورشدي زعيم و سامي بوعجيله.

كان ـ عرفان رشيد