مع التطور التكنولوجي واتساع دائرة الاتصالات يبدو بأن هواتفنا المتحركة التي نحملها لتسهيل حركتنا وتواصلنا مع المحيطين بنا لم تعد قادرة على حفظ خصوصيتنا، ويبدو بأن الكثير من الشركات والماركات التجارية وحتى البنوك لم تعد تحتاج لإذن منا لدخول نطاق هواتفنا المتحركة لتمطرنا يوميا بعشرات الرسائل القصيرة التي تحتوي على عروض ترويجية وتنزيلات تصل إلى 75%، وبلا شك أن هذا الأمر بات يؤرق الكثير من حملة الهواتف المتحرك الذين باتوا عرضة لاقتحام حياتهم الخاصة في أية لحظة، وهو ما يجعل الكثيرين يتساءلون عن طرق وصول أرقامهم لأروقة الشركات والبنوك رغم أن الكثير منهم لم يسبق له أن أفصح عن رقمه لإحدى الشركات.
نصوص محرجة
ورغم أنه لا يمكننا وضع جميع هذه «المسجات» في سلة واحدة وتصنيفها تحت إطار سيّئ، لأن بعضها نحتاجه في حياتنا اليومية خاصة إذا كانت تتعلق بحساباتنا البنكية وبتحركاتها اليومية، ولكن في الطرف الآخر نجد أن نصوص بعض هذه المسجات كانت محرجة للغاية بحسب ما قالته لنا إحدى الفتيات التي تفاجأت بوصول رسالة نصية على هاتفها تروج لبعض المستحضرات الطبية التي تتكون من أعشاب طبيعية تستخدم لكل شيء لتطويل الشعر وتقصيره أو إيقاف نموه أو معالجة الصلع، وتكبير وتصغير بعض أجزاء الجسم الحساسة وغيرها.
وتقول: أنا امرأة متزوجة وأتفهم طبيعة المرأة بعد الزواج ولذلك أتجاهل مثل هذه المستحضرات، ولكن ماذا لو وقعت هذه الرسالة في يد شاب أو فتاة في سن المراهقة، فهل سيفهمون محتواها كما فهمتها أنا؟، بالتأكيد لا».
بالتأكيد أن هذه الرسالة لم تصل إلى هاتف هذه الفتاة وحدها، وإنما كانت ضمن مجموعة كبيرة من الأرقام التي لا تفرق بين رجل وامرأة أو بين كبير وصغير، خاصة وأن الجميع بات حالياً يحمل هاتفاً متحركاً بين يديه.
اختراق للخصوصيات
في حالة أخرى، يقول أحد المواطنين بأنه فوجئ باتصال من أحد مندوبي البنوك يخبره بقيمة راتبه كاملا وبما عليه من قروض وما لديه من بطاقات ائتمانية، وهذه المعلومات عادة ما تكون ملكاً للبنك الذي أتعامل معه فقط، وليس كافة البنوك وهنا يتساءل عن الطريقة التي وصل بها هذا المندوب إلى ملفه وهو لا يعمل في البنك الذي يتعامل معه.
هذا المواطن لم يستقبل هذا الاتصال فقط وإنما انهالت عليه الكثير من المسجات التي تدعوه إلى الاستفادة من التنزيلات والحصول على بطاقات ائتمانية من بنوك مختلفة.
كما يقال لقد وضعت الحالتان السابقتان الإصبع على الجرح مباشرة، لأن مثل هذه الرسائل تصلنا جميعاً، ففي كل يوم قد نستقبل عشرات «المسجات» من أرقام وجهات نعرفها ولا نعرفها، تحمل في جلها عروضاً ترويجية قد ينجر بعضنا خلفها، خاصة وأن 25% و50% و75% أصبحت دارجة في نصوصها.
وأصبحت مفردة تنزيلات لا تخلو منها، لتغرقنا هذه الرسائل يوميا في بحر من الحيرة بين أن نصدقها ونحمل أنفسنا على زيارة منبع هذه الرسائل أو لا نصدقها لتذهب الرسالة بكل ما تحتويه في سلة مهملات الهاتف.
تقول سناء محمد (موظفة) والتي ابتسمت عندما طلبنا رأيها في الموضوع: «رغم أنني لا أحبها إلا أنني أتلقى يوميا على الأقل عشر رسائل من هذا النوع، وأحرص على قراءتها جميعها لأعرف حدود المنافسة التي وصلت بين الشركات والمحلات التجارية بغض النظر عن مكانها وطبيعة ما تقدمه.
وقد لاحظت في الفترة الأخيرة أن المنافسة بينهم على أشدها وتبرز في التنزيلات التي تصل إلى 75%، وعادة ما اسأل نفسي لماذا هذا الوقت تحديدا تنشط الشركات، فهل الأزمة المالية هي السبب أم أن هذه الرسائل أصبحت وسيلة إعلانية جديدة أرخص وأسرع وأوسع؟».
وتضيف: «لا أخفي انزعاجي منها ليس لكثرتها أو عدم مصداقية بعضها فقط، وإنما لأن المرسل لا يعرف اختيار التوقيت المناسب، فأحيانا تكون في الصباح الباكر أو منتصف الليل، وبتقديري أن وصول «مسج» في منتصف الليل سيكون أمراً مرعباً لصاحب الهاتف المتحرك أو عائلته حيث سيظن للوهلة الأولى بأن مكروها حدث لأحد أقربائه».
أما محمود الهبلي (موظف) فقال: «لقد أصبحت هذه الرسائل مزعجة للغاية، فهي لا تعرف وقتا محددا وأصبحت معها حياتنا مستباحة، إلى جانب أنها لا تفرق بين رجل وامرأة، لأنه بالتأكيد لكل واحد منهم خصوصية معينة، فلا يعقل أن تقوم إحدى المحلات المتخصصة بالملابس الداخلية النسائية التي يجب أن تحتفظ بخصوصية عالية بإرسال «مسجات» إلى أرقام يملكها رجال لا دخل لهم ببضائع هذه المحلات أو غيرها».
ويواصل: «هناك الكثير من المحلات التجارية الكبيرة أصبحت تستخدم أسلوب الرسائل النصية في الترويج لبضائعها، وبالتأكيد أن ذلك ليس خطأ لأن المسجات أصبحت واحدة من أهم طرق الإعلانات والترويج الحديثة، ولكن يجب على هذه الشركات أن تدرك أو تتعرف إلى طبيعة الشريحة التي تستهدفها، من حيث أعمارهم وجنسهم وغير ذلك، وألا تبعث برسائلها إلى كل من هب ودب».
رسائل كثيرة
من جانبه قال عماد طه، موظف: «أستقبل هذه الرسائل بكثرة يوميا، وكثير منها لا أكلف نفسي عناء قراءتها لأنني أصبحت أعرف محتواها من طبيعة الأرقام التي تظهر على شاشة الهاتف، والتي عادة تكون مختصرة بأربعة أرقام أو أحرف وحديثاً بدأت تصلني رسائل أرقامها تكون متسلسلة من 1 إلى 9.
بحيث لا تعرف مصدر هذه الرسالة، وبدون تفكير أقوم بحذفها»، ويشير عماد إلى أن المشكلة ليست في طريقة الترويج التي تتبعها بعض الشركات أو البنوك وإنما في طبيعة اختيارات هذه الشركات للأرقام.
ويقول: «بحسب ما أعرف فإنه يجب أن تستند هذه الشركات إلى قاعدة بيانات واضحة بالنسبة لها، والتي عادة ما تجمعها من خلال بطاقات تضعها في منافذ البيع لزبائنها، ولكن يبدو أن الشركات لم تعد تهتم بالخصوصية وإنما بأكبر عدد ممكن من ءالعملا، وهذه بتقديري مشكلة لأنها تسبب إزعاجاً للأفراد، وفيها عدم احترام للزبائن أنفسهم لأن الشركة بذلك تلغي العلاقة الموجودة بينها وبين زبونها ويصبح مثله مثل أي زائر للمحل».
خدمات ضرورية
أما طارق خطيب، مدرس فقال: «لا أهتم كثيراً بالرسائل النصية التي تصلني من المحلات التجارية رغم أنني اقرأها جميعها، ولكن أكثر ما يشدني هي الرسائل التي تصلني من وكالات السيارات والتي تبين فيها العروض والتنزيلات التي تقوم بها على مختلف أنواع السيارات، وأفضل الرسائل التي تحتوي على مواقع الكترونية تمكنني من الوصول إلى المعرفة بشكل اكبر حول هذه العروض».
وأضاف: «أعتقد أن الرسائل النصية أصبحت وسيلة مفيدة وجيدة بالنسبة للشركات فهي أسرع وأسهل وأرخص مقارنة مع الوسائل الإعلانية الأخرى، ولكن يجب على الشركات أن تقنن هذه الوسيلة بأن تحدد الشريحة التي تستهدفها لأن طبيعة الزبائن ومدخولاتهم المالية تختلف من شريحة لأخرى».
ودعا طارق المؤسسات الحكومية والخدماتية إلى ضرورة توظيف مثل هذه الرسائل لخدمة المواطنين والمقيمين في الدولة، بأن تقدم لهم من خلالها معلومات تعتبر في غاية الأهمية بالنسبة لهم مثل فواتير الماء والكهرباء والهاتف وتواريخ انتهاء الإقامات على غرار ما تقدمه وزارة الداخلية في دولة قطر وغيرها من الخدمات الضرورية.
عروض المحلات
من جهتها قالت عبير صالح، مدرسه: «أستقبل الكثير من هذه الرسائل يومياً وأحرص على قراءتها وعدم إهمالها فهي تزيد من معرفتي بما يجري حولي في الأسواق، إلى جانب أنها تطلعني على آخر التنزيلات والعروض التي تقدمها مختلف المحلات التجارية.
ولكن رغم ذلك أعتقد أنه يجب على الشركات أن تدرك طبيعة الشريحة التي تستهدفها وأن تقوم بتوصيل هذه الرسائل لها، وألا تكون معممة على الجميع لأن المجتمع مقسم إلى شرائح وطبقات مختلفة من حيث القوة الشرائية، وهناك بعض الشرائح لا تستطيع حتى زيارة هذه المحال التجارية وليس الشراء منها فقط .
وبالتالي فمثل هذه الرسائل لا تستفيد منها وستكون مضيعة للوقت وإزعاج لهم، بينما هناك شرائح أخرى تحتفظ بمثل هذه الرسائل وعلى ضوئها تحدد مشترياتها والمحلات التي تود زيارتها».
تواصل
لم تستثنَ البنوك من دائرة الشركات التي تعتمد الرسائل النصية القصيرة كوسيلة للتواصل المستمر مع عملائها، فكما تقوم بعض الشركات بتوفير بطاقات صغيرة تطلب فيها اسم العميل ورقم هاتفه والطريقة التي يمكن التواصل معه من خلالها، كذلك البنوك التي تعمل على توفير هذه الخدمة لعديد عملائها.
يقول جافن ساندرسون، رئيس الفروع في بنك المشرق : «لدينا أنواع مختلفة من الرسائل الأولى عبارة عن تنبيهات مسجلة التي تعتمد على تسجيل العملاء من خلال الخدمات المصرفية عبر الانترنت، وهذه الخدمة تهدف إلى تحديث رصيد الحساب الخاص بالعميل بشكل بشكل أسبوعي أو مرة كل أسبوعين.
وإشعارات بتحويل الراتب إلى الحساب، والأخطار بشأن أية تحويلات مستقبلة وغيرها، أما النوع الآخر فهو تنبيه المعاملات والنظام والتي تكون غير مسجلة كتنبيه النظام، حيث يتم من خلالها إرسال رسائل نصية قصيرة على كل المعاملات المدفوعة مثل الفواتير المدفوعة وتحويلات الأموال عن طريق الخدمات المصرفية عبر الانترنت.
بيانات
يشير جافن ساندرسون إلى أن بنك المشرق يعتمد في خدمة الرسائل النصية على قاعدة البيانات التي يمتلكها، حيث بلغ عدد المسجلين فيها عن طريق الخدمات المصرفية عبر الانترنت إلى 17327 عميل.
وأكد ساندرسون بأن البنك يحترم خصوصية عملائه ولذلك لا يقوم بإرسال رسائله النصية القصيرة إلا لمن وافقوا على استقبال المعلومات عبر الرسائل القصيرة، ويوضح بأنه يمكن لأي عميل إيقاف خدمة الرسائل النصية القصيرة في حالة عدم رغبته بذلك، ولكن يتطلب منه ذلك زيارة الفرع لمتابعة الإجراءات المطلوبة.
ويتم إرسال الرسائل القصيرة إلى أرقام الهواتف المسجلة من قبل في سجلات البنك، وليس للعميل أي خيار بإيقافها، أما الثالثة فهي الرسائل التسويقية والتي ترسل فقط لعملاء المشرق، وهي تحمل نصوصاً ترويجية أو رسائل إخبارية تتعلق بالخدمات المصرفية».
غسان خروب

