لم يشترك أي فيلم هندي في أي من تظاهرات مهرجان كان السينمائي في السبع سنوات الماضية، رغم أن الهند تعتبر أكبر دولة منتجة للسينما في العالم. هذه المفارقة الغريبة قد تُفسر خطأ بسبب عدم وجود أفلام هندية جيّدة تستطيع المنافسة في مهرجان دولي مثل كان أو برلين أو فينيسيا، غير أن الواقع مختلف تماماً، ولا يمكن قياس «بوليوود» على مجمل الإنتاج الهندي الذي يُقاس عادة على اللغة التي ينطق بها الفيلم، وبالتالي المقاطعة الجغرافية التي ينتمي إليها، سواء أكانت هندية، أم بنغالية، أم تاميلية، أو مالايلام.
هذه التقسيمات الجغرافية لها آلية مختلفة، ونجوم مغايرون، وجمهور عريض في مناطقها؛ وقد يحدث أن لا يعرف جمهور منطقة ما نجوم «بوليوود» الرئيسيين إلا إذا تمّت دبلجة الفيلم إلى لغة هذه المنطقة، وربما ظاهرة مثل تصوير فيلم واحد بنسخ متعدّدة وممثلين مختلفين لا تحدث إلا في الهند. لذا فإن آلية توزيع هذه الأفلام ترتهن بشكل أساسي على الاستهلاك المحلي، ويأتي التوزيع الخارجي في المرتبة الثانية، وبما أن معظم المهرجانات الكبيرة تتطلّب حق العرض العالمي الأوّل.
وهذا ما لا تكترث إليه كثيراً شركات الإنتاج المحلية فإن خروج هذه الأفلام في المحافل الدولية يُصبح أكثر تعقيداً. وعندما نجد فيلماً مثل «يودان» في قسم «نظرة ما» في هذه الدورة من مهرجان كان، فإنه بلا شك انتصار لهذه السينما العريقة التي أذهلت ـ ولا تزال ـ الكثير من المراقبين والعاشقين لسينما هندية خالصة، بعيداً عمّا قدمته «بوليوود» من صورة نمطية لأفلام غنائية ميلودرامية تكاد أن تكرّر ذاتها في كثير من الأحيان، ولكن بصيغ مختلفة.
«يودان» وتعني «أن تُحلِّق» لمخرجه فيكرامديتيا موتواني (إخراج أوّل ما يؤهّله تلقائياً لجائزة الكاميرا الذهبية) الذي عمل في التلفزيون، ثم انتقل مساعداً للإخراج مع ديبا مهتا، وسانجاي ليلا بانسالي، كما أخرج عدداً من الأغاني المصوّرة، وكاتباً لأفلام مثل «هدف» و«ديف دي»، ظل يلاحق تحقيق «يودان» منذ العام 2003 عندما أنجز السيناريو، ولم يجد من يُنتج هذا العمل إلى العام 2009، عندما بدأ فعلياً في تصوير هذا الفيلم الشفّاف والشعري حول الشاب «موهان» الذي توفيت أمه، وقام والده بإرساله إلى مدرسة خاصة خارج بلدته الصناعية «جمشيد بور» يعود مطروداً من المدرسة بعد ثماني سنوات أمضاها بعيداً عن والده الذي لم يكترث طوال هذه السنوات بغيابه، وهو خائف ومرتبك من ردّة فعله.
ومنذ لحظة الالتقاء الأولى في محطة القطار، نفهم أن الأب حانق، حيث يطبق الصمت على هذا اللقاء، ويحيله إلى لعنة، ومن عُمق هذا الصمت ستتفتّق جروح كثيرة. بمجرّد دخول «موهان» إلى البيت، يكتشف أن لديه أخ صغير من زوجة ثانية طلّقها الأب بعد فترة قصيرة، وتُضيف هذه إلى العلاقة المتوترة أصلاً بعداً آخر للخصام. يبدأ الأب في فرض أوامره، على «موهان»، عليه أن يصحو مبكراً للركض الصباحي، وأن يفوز عليه، ثم يعمل معه في مصنعه حدّاداً، ثم يذهب بعد العمل إلى المدرسة المحلية، وعليه أن يتحمل مسؤولية إهداره لفرصة التعليم في المدرسة الخاصة بسبب طيشه الشبابي.
لا يحتضن «موهان» سوى العم الذي يجد فيه خامة جميلة، ويستمع إلى كتاباته الشعرية. هو يحلم أن يُصبح شاعراً وكاتباً، بينما الأب لا يعترف بكتاباته لأنها لن تصل به إلى حياة آمنة يُريد أن يصنع منه شبيهاً، بذات القسوة التي لا تنمو في شاعر، فيجد العكس تماماً، يزداد «موهان» عبثية وتمرداً على قالب الأب غير الإنساني ويطيش لمرّة أخرى ويُطرد من المدرسة.
هنا يلجأ الأب إلى الأوامر، الأخ الصغير سيرسله إلى مدرسة خارج القرية، مكرّراً نفس الأسلوب الذي سلكه مع الأكبر، بعد أن يُطرد هو الآخر من المدرسة، ويتلقى ضرباً مبرحاً من الأب وصله إلى المشفى. «موهان» سيعمل في المصنع، وسيركض معه يومياً إلى أن يفوز، بينما هو سيتزوج للمرّة الثالثة. العواطف المزدوجة التي يحتقن بها «موهان» تدفعه الآن إلى التمرّد التام.
وتجعله في مشهد قاسٍ أن يضرب الأب السكير ويُقرّر الرحيل، ولكن جبروت الأب وهزيمته تجعله شرساً، محاولاً السيطرة على الوضع، غير أن «موهان» لا يأبه الآن، وفي مشهد رمزي جميل يهرب راكضاً نحو اللامكان، بينما الأب يلاحقه، ولكنه هذه المرة لن يفوز، لأن في «موهان» شحنة مكتومة تطلق روحه قبل قدميه.
كان ـ مسعود أمر الله آل علي
