إذا كنا اعتبرنا في متابعة سابقة، أن دورة هذه السنة من مهرجان «كان» السينمائي الدولي حافلة بالممثلين الكبار، فإن بإمكاننا اعتبار فيلم «سنة أخرى» للبريطاني مايك لي «مهرجاناً للممثلين الكبار».
وكما نتوقّع أن يحصل هذا الفيلم على أكثر من جائزة، وبالذات جائزة التمثيل النسائية لليسلي مانفيل، فإننا أيضا نخمّن ونرى عُسر مهمة لجنة الدولية تجاهل أي من أبطال هذا الفيلم بصرف النظر عن طول وقصر الدور أو على صعيد أهميته أو ثانويته في مسار الفيلم، فقدا بدا أداء الممثلين الأحد عشر وكأنه درس في التمثيل الواقعي تناسقت فيه المشاعر مع الحضور ونبرات الصوت وردود الأفعال والإيماءات التي احتلت مساحة هامة للغاية توازنت مع المساحة الممنوحة للكلمة المنطوقة.
وشهدت الكاميرا انسجاماً مع الممثلين يندر إلاّ في حالات تعايشٍ طويلة الأمد للمخرج مع ممثليه، إذ سبق لجميعهم أن عملوا مع مايك لي في أعمال سابقة حققت حضوراً هاماً على صعيد البراعة في التمثيل ما أتاح لعدد من هؤلاء الممثلين تحقيق جوائز هامة والترشّح لأخرى كبيرة ومن بينهم «جيم برودبينت الذي أدى في هذا الفيلم دور العالم الجيولوجي «توم» وقد فاز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 1999 عن دوره في فيلم «توبسي تورفي» وإيميلدا ستاونتن الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «فيرا دريك».
حكايات يومية
يستعير الفيلم فصول السنة الأربعة ليؤشر مسار «فصول الوحدة الأربعة» التي تعيشها الشخصيات داخل المجتمع الصغير الذي اختار مايك لي أن يروي حكاياتهم اليومية وتمزّقاتهم اللانهائية وبالذات شخصية «ماري» زميلة الطبيبة النفسانية «جيرّي» والتي تعيش وحدتها بشكل مخيف يُثقل كاهلها بسني العمر التي تمرّ بسرعة كبيرة دون أن تتمكن هي من إيقاف نزيفها المتواصل.
متعمّداً اختار «مايك لي» لبطليه الإيجابيين في الفيلم اسمي شخصيتين من شخصيات قصص الأفلام الكارتونية التي طالما بعثت الفرح والحبور في داخل أبناء أجيال عديدة في العالم. لكن «توم» و «جيري» ليسا في هذه الحالة شخصيتين كارتونيتين بل بشراً من لحم ودم يمتلكان قدرة مغناطيسية هائلة في جذب البشر المعذّبين نحوهما واستعداداً هائلاً في حل المشاكل التي يعاني منها هؤلاء وربط المخرج بين حالات الوحدة والأزمة التي يعاني منها هؤلاء البشر ومتغيّرات فصول السنة الأربعة وأوجد علاقة رائعة مع الأرض من خلال الحقل الذي يفلحه توم وزوجته جيرّي بأيديهما وبمساعدة ولدهما المحامي ذي الثلاثين سنة «جو».
فصول السنة الأربعة تظهر تباعاً لتوصل «ماري» إلى الوحدة المطلقة في الشتاء القارص وتفصلها عن العالم المحيط بها بشكل نهائي كما لو أنها صمّاء بشكل كامل وغائبة عن الوعي برغم حيوية البشر الآخرين الذين يتقاسمون معها الفضاء الذي يحيط بها في تلك اللحظة الباردة من الشتاء الحاد. سنة أخرى انقضت دون أن تتمكّن هذه المرأة من تحقيق أي خطوة نحو تغيير حياتها، وربما لن يكون انفصالها إلاّ خطوة نحو اتخاذ قرار مأساوي ودرامي.
وطأة الوحدة
يقول «مايك لي» في تقديم فيلمه « سنة أخرى»: «ربيع، صيف، خريف وشتاء، العائلة والصداقة، الحب والدفء الإنساني، الفرح والحزن، الآمال والإحباط، التعاطف والوحدة، ويمر العمر ما بين شهقة وموت».
في الربيع نشهد الطبيبة النفسية «جيري» المتزوجة بسعادة مع العالم الجيولوجي «توم» وهي تحاول التخفيف من وطأة الوحدة التي تعاني منها زميلتها في العمل «ماري» المدمنة على الشراب وتعيش حالة بوهمية مطلقة دون أن تتمكن من تحقيق استقرار ما في حياتها العاطفية.
في الصيف يصل إلى منزل «توم» و«جيري» صديق الطفولة «كين» المدمن على الشراب بدوره والذي تخيب محاولاته استمالة قلب ماري، لكن دون جدوى لأنها تشعر بالاشمئزاز منه ومن اقترابه منها، لاسيما وأنها وضعت عينيها على ابن الزوجين المحامي الشاب «جو» والذي تعوّد على مناداتها بالخالة، لكونها صديقة أمه منذ سني طفولته.
في الخريف، ومع تساقط أوراق الأشجار وجفافها يُدخل الابن «جو» حالة من الفرح إلى منزل أبويه بتعريفهما بخطيبته السرّية «كيت» التي يحبها الأبوين في الحال لدماثتها ودفء شخصيتها، لكن وجودها يُثير غيرة «ماري» التي تتصرّف مع «كيت» بجفاء كبير.
وفي الشتاء يُضطر «توم» إلى إقناع شقيقه الأكبر «روني» بالعودة معه إلى لندن بعد وفاة زوجته وبعد خلافه الواضح مع ولده الوحيد جلف الشخصية وحاد المزاج «كارل». وبينما يقضى الزوجان النهار في الحقل، تصل «ماري» إلى المنزل وتُقنع شقيق «توم» بإدخالها في المنزل. تتبادل «ماري» الأحاديث وتدخين السجائر وشرب أقداح الشاي مع «روني» حتى لحظة وصول الزوجين.
تنزعج «جيري» من حضور «ماري» إلى منزلها دون موعد، لكنها، كما هي العادة في قبولها حل مشكل أصدقائها، ترضخ لمطالبات «ماري» بالصفح عنها لغلطتها في الحضور دون موعد وتعاملها الجاف مع خطيبة ابنها وملاحقتها للمحامي الشاب، الدفء العائلي الذي يعود إلى المنزل لمجرّد حضور الابن وخطيبته، يُسرّع في تفجير حالة الوحدة لدى «مارى» ويفصلها عن العالم المحيط بها.
ويعبّر «مايك لي» عن تلك الوحدة بلقطة بالغة الفصاحة بصرياً عندما يترك «ماري» لوحدها جالسة على الأريكة فيما يقف الآخرون بقاماتهم. الكاميرا تصوّر ماري لوحدها فيما لا نرى من الآخرين إلا نهايات الجذوع والسيقان، كما لو أن المخرج أراد التدليل على أن «مارى» بقيت في القاع لوحدها فيما تصاعد الآخرون إلى عوالم أخرى محاطة بدفء الكلمة المتبادلة فيما بينهم.
آباء وأبناء
من بين الأواصر التي يطرحها فيلم «مايك لي»، علاقة الآباء بالأبناء، ويحدد لنا في هذا العمل نوعين من العلاقة يقفان على النقيض فيما بينهما، فمن جانب علاقة المحامي الشاب «جو» بوالديه، ومن الجانب الآخر العلاقة السيئة والعدائية التي يمتلكها ابن عمّه «كارل» مع والده «روني». إنهما علاقتان صافيتان في إيجابيتهما وسلبيتهما لكنهما لا يحصران إطلاقاً العلاقة الشائكة والمعقّدة بين الآباء والأبناء، بل يقدّمان نموذجين لهذه العلاقة فحسب.
أفلام عديدة في المهرجان تناولت هذه العلاقة، وبدت معالجات الأفلام القادمة من آسيا وإفريقيا أكثر راديكالية من النموذج النمطي الواضح الذي طرحه مايك لي. ففي فيلم «يودان» يعرض الهندي فيكراماديتيا موتواني لطبيعة علاقة انتقامية وسلطوية تنتهي بتمّرد هائج من قبل الابن ضد الأب الديكتاتوري.
في حين يُلخص التشادي محمد صالح هارون المأساة الإفريقية وما آلات الصراعات القبلية والسياسية في القارة السوداء بخطايا الآباء العاجزين عن التخلي عن أنانياتهم ومصالحهم الشخصية حتى وأن أفضى ذلك إلى هلاك الأبناء ودمار مستقبل الشعوب.
المخرج الفائز بالأسد الفضي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عن فيلمه «دارات ـ الأرض القاحلة»، يعود مرة أخرى، كما فعل في دارات، إلى تفصيل علاقة الأب بالابن في فيلمه «صرخة الرجل»، من خلال قصة يومية لبطل سباحة سابق وجد ضالته في العمل مراقباً لمسبح في فندق فخم يرتاده السياح الأجانب، وفيما تصل أصداء الحرب الأهلية تقوم الحكومة بخصخصة الفندق وتحويل ملكيته إلى مالك صيني يسعى إلى ضغط التكاليف من خلال تقليص عدد العاملين في الفندق.
وبعد أن يُفصل صديقه، يأتي الدور على بطل السباحة السابق الذي يُحوّل إلى بواب للفندق مكلّف برفع حاجز المرور أمام السيارات الداخلة إلى الفندق والخارجة منها ويُعوّض في العمل بولده الأكثر شباباً وحيوية منه. يستشيط الأب غضباً وتصل بع الحالة إلى وقف الإتاوة التي اعتاد على دفعها لمختار القرية، الذي يشي إلى السلطات بكون الابن في سن الخدمة العسكرية فيساق الابن عنوة.
يشعر البطل السابق بالذنب على الخطيئة التي ارتكبها ويحاول جلد ذاته بالإضراب عن الطعام، وحين يكتشف بأن خطيبة ابنه حامل وهي بانتظار وليدها يزداد حنقه تجاه نفسه. يزيد الإحساس بالذنب عندما تبلغه الأنباء عن إصابة ابنه في الحرب الدائرة بين الجيش والمتمردين، فيحاول تصحيح خطيئته بالذهاب إلى المستشفى العسكري، و«خطف» ابنه الجريح لإعادته إلى المنزل.
إلاّ أن الجروح البليغة التي تعرّض إليها الابن ومشقّة الرحلة على متن دراجة بخارية تقضيان عليه فيموت قبل بلوغ المنزل. فيسلّم الأب جثة الابن لموجات النهر الذي حلم الابن أن يسبح في مياهه قبل أن يموت. الخطيئة لا تُغتفر بخطيئة أخرى. إدانة كبيرة لجيل الآباء ولأنانية عصر تسجّل في سفر التاريخ باعتباره العصر الأكثر دموية على الإطلاق.
كان ـ عرفان رشيد



