أكد العالم المصري الأميركي أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء أن الأمم والشعوب تحقق النهضة المنشودة وتضع أقدامها على أعتاب بناء حضارة جديدة فيما لا يتجاوز عقدين من الزمان بفضل التقدم العلمي المذهل الذي حققته البشرية خلال القرن العشرين وقال إن هذا الانجاز تحقق بشروط أهمها توفر الرؤية والقدرة على اتخاذ القرار لدى القيادة السياسية وايمان الشعب بالعمل الجاد والشغف بالتعليم والبحث العلمي وتحقيق التفوق في هذا المجال.

واعتبر أن الإمارات مثالا على ذلك حيث حققت التميز في مجالات عدة جاء ذلك خلال المحاضرة التي القاها زويل أثناء لقائه بالجالية المصرية في فندق ميدان أول من أمس بحضور السفير مهاب نصر القنصل المصري العام ونحو ألف من أبناء الجالية المصرية في دبي والإمارات الشمالية.

وتحدث زويل عن 3 مبادئ رئيسية يراها مهمة في تحقيق نهضة الشعوب العربية وقال في المبدأ الأول ان الدراسات الاجتماعية والطبيعية أثبتت أن أهم عنصر في تحقيق أي نهضة هو الإنسان صاحب العقل القادر على تحقيق التطور خلال القرن ال21 خلال فترة لا تتجاوز 15 أو 20 عاماً بعد أن كانت هذه الفترة تقدر في أوائل القرن العشرين بنحو 100 عام أو أكثر مع اختلاف عناصر تحقيق التقدم المنشود.

وأشار إلى أن تحقيق التقدم في بداية القرن الماضي كانت تتطلب الاعتماد على تأسيس الصناعات الكبيرة مثل الحديد والصلب وانتاج الفحم وغيرها من المشاريع القومية التي كانت تسود ذلك الوقت.. موضحاً أن الوضع اختلف مع حلول منتصف أواخر القرن ال20 وبدايات القرن الـ 21 حيث تمكنت دول كثيرة من تحقيق نهضة بالاعتماد على العقل البشري الذي اعتمد على الصناعات الصغيرة والدقيقة والالكترونية مثل اليابان التي بدأت بإنتاج الترانزيستور وأشرطة التسجيل واستنسخت المنتجات الأوروبية والأميركية لتبدأ نهضتها..

وتبعتها كوريا قبل عقود قليلة والآن تمكن عملاق سامسونج الكوري من تخطي عملاق سوني الياباني بالإنتاج الصغير والالكتروني.. ويزيد الدخل السنوي لفنلندا من الصناعات الصغيرة والالكترونية عن دخل 22 دولة عربية بما فيها موارد ثرواتها الطبيعية.

العقل البشري

وأرجع زويل التقدم الذي حققته اليابان وكوريا الجنوبية وفنلندا وسنغافورة وماليزيا.. وحتى تركيا وغيرها إلى الاهتمام الشديد بالاستثمار في العقل البشري، موضحاً أنه لا مجال أمام العرب للبقاء على الخريطة الإنسانية إلا من خلال الارتقاء بالتعليم والإيمان بالبحث العلمي، حتى يستعيدوا مجد حضارات بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس.

رفض اليأس

وكان المبدأ الثاني الذي تناوله زويل في المحاضرة هو رفض وجود اليأس بين الشعوب العربية معتبراً أن اليأس في تحقيق التطور والتقدم يمثل جريمة في حق الوطن.. وقال عندما يتسرب اليأس والإحباط في نفوس شعب تكون كارثة في حق الوطن..

وضرب مثالاً بأبناء الجالية المصرية في الإمارات وقال «أنتم أكبر دليل وإثبات على أن المصري قادر على أن ينتج وأن يبدع عندما يكون في المنظومة الصحيحة، والكثير من العرب نجحوا وبرعوا في الغرب وعلينا أن نتأكد أن الكثيرين من العرب والمسلمين حققوا نجاحات كبرى سواء في بلادهم أو أثناء وجودهم في الغرب حالياً.

وألمح الدكتور زويل إلى أن العالم العربي ككل ومصر بصفة خاصة يواجه مشكلة كبيرة في تطوير التعليم والاعتماد على البحث العلمي لإحداث التطور المنشود بالرغم من أن خلق منظومة تعليمية تبدأ من الابتدائي وحتى تفريغ العلماء لا تحتاج إلى عبقرية ويمكن تنفيذها خلال 5 سنوات فقط إلا أن المشكلة الحقيقية لتحقيق ذلك في مصر والعالم العربي ترجع إلى صعوبة وبطء خلق هذه المنظومة إلى درجة معيبة.

وأكد زويل أن تطوير التعليم والبحث العلمي لا يستوجب أبداً التخلي عن الهوية والثقافة والدين وضرب مثالاً بتطور ماليزيا التي تضم 60% من شعبها من المسلمين المتمسكين بدينهم حتى أن رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد يؤدي الصلاة في وقتها وفي وجود الأجانب من كل الجنسيات والأديان.

وأشار زويل إلى أن النظم التعليمية والبحوث العلمية في الصين وكوريا وسنغافورة وماليزيا تؤهل خريجي الجامعات والشباب المتعلم من الالتحاق بالمراكز العلمية والجامعات في الغرب لأن مخرجات التعليم في الدول المذكورة قوية وسليمة وتعتمد على التقدم في دراسة الرياضيات وبالتالي نجد الطرفين الجامعة الغربية والطالب الآسيوي يبحثان عن المصلحة التي تكون مشتركة عندما يرتبطان معاً مع ملاحظة أن الشباب العربي بعيد عن ذلك بسبب ضعف مخرجات التعليم.

مفهوم خاطئ

وتحدث الدكتور زويل عن فكرة خاطئة تسود في العالم العربي وهي ان الشركات الكبرى في الغرب الممول الرئيسي والأساسي للأبحاث العلمية.. وأشار إلى أن الحكومات هي الأساس في ذلك فهي التي ترصد الميزانيات للبحث العلمي ومؤخراً رصد الرئيس أوباما 40 مليار دولار كميزانية للبحث العلمي بفروعه لإيصال الإنسان إلى كوكب المريخ ووراء هذه الميزانية سيأتي جيش من العلماء وأساتذة وطلاب الجامعات والشركات الكبرى حتى تستفيد وتفيد ولذلك فالدول هي التي تؤسس وتخلق القواعد العلمية الصلبة والشعب بفئاته يأتي اليها.

التعليم الخاص العربي «بزنس» ومخرجاته ضعيفة

حذر الدكتور أحمد زويل من أن التعليم الخاص العربي الجامعي والأساسي تحول إلى «بزنس» كل همه وهدفه تحقيق الربح. وقال زويل «لست ضد الجامعات والمدارس العربية الخاصة«.. وإنما أنتمي إلى جامعة كلتل وهي خاصة وتنفق من وقف خيري وخرجت علماء حصلوا على 35 جائزة نوبل ولكن كل ربح تحققه الجامعة يدخل إلى الوقف ليعاد توظيفه في العلم مرة أخرى.

وفي العالم العربي ومصر نجد الجامعات والمدارس الخاصة تحقق أرباحا أكثر من أي «بزنس» آخر ورجال الأعمال يسعون وراء الاستثمار في التعليم الخاص.. وحتى المواطنين العرب يجرون وراء التعليم الخاص اعتقادا منهم بانه الافضل من التعليم العام الحكومي وهو اعتقاد يحتاج إلى مراجعة وتقييم.. والدليل على ذلك هو كيف تستطيع جامعة تخريج طبيب من كلية طب لا يوجد فيها معامل متقدمة أو لا ترتبط بمستشفى تعليمي.

وقال إن العالم العربي تسوده ثقافتان ومجتمعان تعليميان عام «درجة ثانية» وخاص «درجة أولى» وهذا أدى إلى تخريج التعليم الخاص إلى اعتبار نفسه فوق المجتمع فهو خريج تعليم خاص ويتحدث باللغة الأجنبية ويرفض العربية ويعتقد أنه يعيش في مجتمع متخلف ويرغب في الهجرة والعمل في الخارج متناسيا بلده ومجتمعه.

وأضاف إنه لو وجدت منظومة تعليم صحيح لابد أن تعتمد على توظيف التعليمين الحكومي والخاص لإعطاء مخرجات يفخر بها المجتمع بدلا من البلبلة الحالية والتي تنتج مخرجات تعليمية ليست على مستوى المخرجات التعليمية في الدول المتقدمة علميا.

كيف يتطور العرب ؟

قال د. زويل إن تحقيق التغيير المنشود في الشعوب يتم بطريقتين الأولى باعتماد الديمقراطية السياسية الحقيقية مثلما فعلت أميركا وبريطانيا وفرنسا وهي طريقة بطيئة لتحقيق التطور بحيث يشارك الشعب الحكومة وتتسم هذه الطريقة بالرسوخ. والطريقة الثانية بأن يهب الله الدول والشعب قائداً عنده رؤية وشخصية قوية ولا يلتزم أو ينتظر تحقيق الديمقراطية.. ولكن حدوث هذا الأمر نادر والدول التي يرزقها الله بهذا القائد محظوظة.

دبي ـ فريد وجدي