«كان 63» يحتفي بعميد السينمائيين العالميين مانويل دي أوليفييرا

بناهي الغائب الحاضر وتألق للواقعية الرومانية الجديدة

صورة

قلّما حصل مخرج مازال على قيد الحياة على التصفيق في تظاهرة سينمائية استذكرت غيابه عنها لأسباب قاهرة، كالذي حصل عليه المخرج الإيراني جعفر بنّاهي عندما أعلن المدير الفني لمهرجان كان السينمائي الدولي تييري فريمو إصرار مهرجانه على اعتبار بنّاهي عضواً حاضراً في لجنة التحكيم الدولية التي يترأسها المخرج الأميركي تيم بيرتون، وعرض في حفل افتتاح عروض برنامج «نظرة ما» ثلاث دقائق من حوار مسجّل أجري مع بنّاهي في طهران يتحدّث فيه عن ظروف اعتقال سابق تعرّض له على يد أجهزة النظام الإيراني.

فريمو أعلن عن أساه لغياب بنّاهي عن المهرجان، لكنه أصر على اعتباره «حاضراً كبيراً رغم استحالة تواجده معنا»، وأعلنت لجنة التحكيم الدولية وعدد كبير من السينمائيين العالميين تضامنهم مع المخرج الإيراني، وطالبوا السلطات الإيرانية بإخلاء سبيله واعتبروا التهم الموجّهة إليه «ظالمة ولا أساس لها من الصحة»، وهي تهم أقعدته وعائلته في السجن لأسابيع طويلة.

آخر الأخبار الواردة من طهران تُشير إلى إطلاق سراح أفراد عائلة بنّاهي الذين احتجزتهم السلطات الإيرانية برفقته ورغم أهمية هذا التطوّر وإيجابيته، إلاّ أن القناعة السائدة هنا في «كان» أن إطلاق سراح زوجة بنّاهي وابنه ليس مقدمة تلقائية لإطلاق سراحه هو.

قضية بنّاهي ستكون حاضرة خلال الأيام القليلة المقبلة من المهرجان وستطفو إلى السطح عشية ترك مقعده فارغاً في حفل الافتتاح وعليه اسمه، وسيزداد الجدل حوله مجدداً بعد عرض فيلم زميله عباس كياروستمي «نسخة طبق الأصل» من بطولة النجمة الفرنسية جولييت بينوش. ولم يكن بنّاهي لوحده في أمسية افتتاح «نظرة ما»، بل كان برفقة أحد أعمدة السينما العالمية البرتغالي مانويل دي أوليفييرا، الرجل الذي أطفأ حتى الآن مائة شمعة ومازال في قمة إنجازه كماً ونوعاً.

وكما هي عادته مثل غيره من مهرجانات العالم مثل فينيسيا وبرلين، فقد احتفى مهرجان «كان» بعميد السينمائيين العالميين بعرض فيلمه الجديد «قضية آنجيليكا الغريبة»، ووقفت القاعة المُكتظة بجمهور النقاد دقائق طويلة بتصفيق متواصل وإيقاعي، احتفاء بالرجل الذي عبر تاريخ السينما العالمية من بداياته وصولاً إلى عصر التقنيات الرقمية، ما اضطره هو نفسه إلى مطالبة الحاضرين بالجلوس والتوقّف عن التصفيق ليتاح لهم مشاهدة العرض.

يروي فيلم «قضية آنجليكا الغريبة» قصة الأيام الأخيرة في حياة مصوّر فوتوغرافي برتغالي شاب مغرم بتصوير حياة الفلاحين البدائية وعمل المزارعين، يُستدْعى في ليلة شتاء ممطرة ليلتقط صورة لفتاة شابة فارقت الحياة في ليلة زفافها وهي في مقتبل العمر وغاية في الجمال. المصور «واسمه إسحاق ويقدّمه المخرج لنا يهودياً برتغالياً إشكنازياً»، يتردد في البداية في قبول العرض ويكرر التردّد في لحظة الدخول إلى الغرفة التي سُجّيت فيها الفتاة وحين يبدأ بالتقاط الصورة يُخيّل إليه أن الفتاة ابتسمت له عبر عدسات الكاميرا.

آنجيليكا ـ الملائكية بادلت عين المصوّر بابتسامة كانت بمثابة الاندماج الكامل بين الشخصيتين، وهو الاندماج الذي ينتهي بتوحّد إسحاق مع عالم الفتاة ما بعد الموت. الترقب للفيلم وموضوعه الفلسفي كان كبيراً، لكنه لم يأت، للأسف الشديد بمستوى ذلك الترقّب. وبالذات على صعيد أداء الممثلين الذين بدوا وكأنهم هواة لم يتعاملوا لا مع الكاميرا ولا مع التمثيل من قبل. وزاد في ثقل الأداء المشاهد الحوارية الطويلة أمام الكاميرا الثابتة.

إلاّ أن هذه الملاحظات لا تنال بأي شكل من الأشكال من أهمية إنجاز دي أوليفييرا الذي يؤكد بأعماله الكثيفة والمتواصلة حيوية السينما وإصرار السينمائيين على إنجاز الأعمال رغم كل المصاعب التي يواجهونها والتي زادت بسبب الأزمة الاقتصادية الأخيرة.

وما هو مفرح حقاً هو أن جعبة دي أوليفييرا مازالت مليئة، ولديه الكثير من المشاريع القابلة للإنجاز في الشهور والسنين المقبلة، وقضية آنجيليكا أحد هذه المشاريع وبدأ بكتابته في عام 1952 ويقول « لدي مشاريع كثيرة في الإدراج لم أنته منها وربما لن أعود إليها أبداً ومن بين هذه المشاريع الفيلم الحالي». وربما سيكون دي أوليفييرا حاضراً في شهر سبتمبر في الدورة المقبلة من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بفيلم جديد.

الواقعية الرومانية الجديدة

بإمكاننا، دون أي قلق استعارة مسمّى «الواقعية الإيطالية الجديدة» أو «النوفيل فاغ» الفرنسي لترجمة مسمّى حالة السينما الجديدة القادمة من رومانيا في السنوات الأخيرة، والتي تُبرز بتواصل طاقات إنجازيه مهمة ومجموعة من الممثلين البارعين وكل ذلك من خلال سينما خالية من أي فذلكة أو خدع بصرية، تروي قصصاً يومية لأناس عاديين نعرفهم كما لو كانوا جيراننا أو يسكنون الحي الذي نسكنه بصرف النظر عن الحدود أو مسمّيات الدول أو اللغة التي تنطق بها الشخصيات.

ولا عجب أن تُحقق هذه السينما نجاحاً نقدياً ومهرجانياً كبيراً، إضافة إلى النجاح مع شباك التذاكر. إنها سينما لا ترفع الكاميرا من مستوى النظر إطلاقاً ولا تستعجل الإيقاع اليومي ولا تُجبره على الإطلاق على التأقلم مع الإيقاع التلفزيوني الطاغي في العالم.

وقد تمكّنت هذه السينما من فرض نفسها قبل ثلاث سنوات عندما فاز فيلم «أربعة شهور، ثلاثة أسابيع ويومان» للمخرج كريستيان مونغو في عام 2007 بالسعفة الذهبية وكانت ممثلته آنا ماريا مارينكا قاب قوسين أو أدنى من الحصول على جائزة أفضل ممثلة عن استحقاق، لولا أن هذه الجائزة مُنحت، لموازنات مناطقية، إلى الممثلة الصينية دوـ ييون جيون لدورها في فيلم «الشروق الخفي» للمخرج لي تشانغ ـ دونغ.

ومنذ ذلك التاريخ انتبهت المهرجانات العالمية وشركات التوزيع إلى هذا الواقع الجديد والغني بالطاقات. ويأتي فيلم «الثلاثاء ما قبل أعياد الميلاد» لرادو مونتيان (مواليد بوخاريست 1971) ليؤكد هذا المسار ويضع الفيلم في موقع جيّد للغاية في منطقة الجوائز في مسابقة «نظرة ما».

حياة يومية ودراما كونية

يروي الفيلم حكاية يمكن أن تقع في كل لحظة وفي أية بقعة من العالم، (باول هانغانو) في منتصف الثلاثينات من العمر ومتزوّج من (آدريانا) ولهما طفلة جميلة وذكية في العاشرة من العمر اسمها (مارتا). حياة العائلة تسير بإيقاع يومي اعتيادي لا تنكسر رتابته إلاّ عندما يقع (باول) في حب طبيبة الأسنان الشابة (رالوكا) منذ خمسة شهور.

يُخفي الرجل السر ولا تطالبه العشيقة بما هو خارج مستطاعه فهي تعلم بأنه متزوج وأب لطفلة، بل يتطور الأمر إلى أن تعالج (رالوكا) نفسها خللاً في أسنان الطفلة. إلاّ أن العبء على ضمير الرجل كبير وليس بإمكانه خداع المرأة التي عايشته لعشر سنين ومنحته ابنته الوحيدة، وحين يصارح الزوجة قبيل أعياد الميلاد تنقلب الرتابة إلى ثورة عنيفة تغيّر مسار حياة باول وآدريانا.

جميلٌ وبليغٌ، المشهد الذي يصارح فيه باول آدريانا بالحقيقة، ورائعةٌ حقاً الممثلة ميريلا أوبريسور في تصعيد مشاعر الألم والغضب والانهيار النهائي، ومن ثم تمالك الذات واتخاذ القرار المفاجئ الأصعب في حياتها.

ببساطة مُطلقة وبأداء الممثلين التي قاربت الرتابة اليومية في أحيان كثيرة، تمكّن المخرج مونتياو من بناء دراما إنسانية عميقة دون صراخ أو مبالغات. و«الثلاثاء ما قبل أعياد الميلاد» هو العمل الروائي الثالث للمخرج مونياو وقد سبق له أن حضر مهرجان كان في عام 2008 بفيلمه «Boogie».

بيرلسكوني في كان أيضاً

وشهد اليوم التالي لعرض وثائقي «دراكويلا/ وهو عنوان يمزج بين اسم مصاص الدماء دراكولا ومدينة لاكويلا التي دمّرها زلزال شهر أبريل من العام الماضي» للممثلة والمخرجة الإيطالية سابينا غوتزانتي، حشداً كبيراً للصحافيين والنقاد في المؤتمر الصحافي الذي عقدته غوتزانتي واتهمت فيه رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو بيرلسكوني، معتبرة إياه «يعمل ضد الدستور الإيطالي».

وكان رئيس الحكومة الإيطالية ذاد عن نفسه ضد اتهامه بالديكتاتورية بالقول «أنا ديكتاتور؟ يكفيكم أن تُضيئوا أجهزة التلفزيون في بيوتكم لتكتشفوا خواء هذا الاتهام»، وذلك في إشارة إلى الانتقادات الكثيرة التي تصله من البرامج التلفزيونية المتعددة.

مخرجة دراكويلا ردّت على بيرلسكوني في المؤتمر الصحافي بالقول «ما الذي يقوله بيرلسكوني؟ الجميع يعلم كيف تعمل التلفزيونات في إيطاليا. بيرلسكوني يطالب بالنظام الرئاسي، وهذا من حقّه إلاّ أنه يواصل تفريغ البرلمان من صلاحياته التشريعية والرقابية ويحاول الالتفاف على القيم الدستورية. إن هذا ليس مجرد مؤامرة، إنه انقلاب حقيقي».

يُذكر أن سابينا غوتزانتي حصلت على أكبر عدد من طلبات الحوار معها من قبل الصحافيين في العالم أجمع، ما دلّل على أن اسم بيرلسكوني والسجال حوله ليس محصوراً ضمن الحدود الإيطالية، بل أصبح قضية تثير اهتمام الصحافة والإعلام في العالم بأسره.

كان ـ عرفان رشيد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات