غادرت اللبنانية ريما خشيش خشبة مسرح أبوظبي في كاسر الأمواج، أول من أمس، قبل انتهاء وقتها بحوالي ثماني دقائق. وقت كفيل لأغنية مضافة على الأقل. لكن ذلك لم يحصل، لكون مغنية الموشحات وكلمات الأغنيات الصعبة (تبدأ من كلام ربيع مروة مرورا بموشحات فؤاد عبد المجيد المستكاوي، وصولاً الى نثر الشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون)..

قد انزعجت من شيء ما، ولا لكون جمهور أنغام من الشرق الذي تواجد في الصالة، قد قصر في التصفيق بحرارة، ومطالبتها بأعلى صوته أن تغني المزيد، رغم أن هذه هي إطلالتها الأولى في الإمارات.. لكن خشيش غادرت لسبب أبسط من ذلك بكثير:«لقد ظننت أنه يتوجب عليّ، أن أخلي المسرح للعرض التالي (السوري كنان العظمة مع فرقة حوار).. قدرت مع عازفي فرقتي أن ثماني أغنيات، قد تستهلك الساعة المخصصة لنا». كان بوسع المغنية، التي قال لها عبد الوهاب، وهي بعد غضة في عمر السابعة عشرة، أن تنسى التزامها تجاه زميلها، وتتصرف، ب«أنانية»، ستكون محببة، بالطبع للجمهور، وتغني أكثر، لكنها قررت الالتزام. هذا سلوك يبدو عليها جلياً، كما يسيطر على مسيرتها الفنية، منذ أن أخذ أبوها، الذي يهوى عزف القانون، بيدها الى المايسترو سليم سحاب، لكي تتعلم وتغني وتجرب أصعب..

إنه الغناء الشرقي، من الموشح إلى القصيدة وصولاً الى الدور. التزام لم يهتز في مواجهة متطلبات الشارع الشعبوية، التي تميل الى الأغنيات التجارية فاقدة القيمة، ولا في وجه الأزمات المالية التي تؤخر اطلاق البوم جديد (آخر البوم متوافر لها بعنوان «فلك» انتج قبل حوالي 3 سنوات)، ولا ايضا في وجه عمر المغنية ذاتها الذي يجري صوب الأربعين، مع أكثر من نصفه احترافا للغناء.

تضحك ريما، فيما تعبّر عن فرحتها، بطفولية لم تتخل عنها، بالنسائم التي هبت عليها عند عتبة المسرح، وتقول:«بوسع الموشح أن يكون «فانكي» أي عصرياً أيضاً.

ولا أوافق أن الموشحات تشبه بعضها»، رداً على التخوف الذي يسوقه بعض من جمهورها، عن إمكانية أن تشبه أغنياتها نفسها باستمرار: «ما زلت أتحلى بالشجاعة الكاملة لكي أبقى مصرة على مشروعي»، تقول واصفة الموسيقى الخاصة جداً التي تقدمها، والتي تنهل من التراث الشرقي والأندلسي العربي، مع مزيج قل نظيره بالإيقاعات الغربية.

مع فرقتها الصغيرة المكونة من ثلاثة عازفين هولنديين، وموسيقى تكاد تكون متقشفة، تترك للمغنية مجالها الرحب في غناء يعتمد على تدريب النفس والاحساس أكثر من الطبقات، ووصلات «سولو» للآلات.. نسجت خشيش جواً حميمياً دافئاً على جمهورها، وغنت معظم موشحات «فلك» وأغنيات انتقد بعضها الشأن السياسي اللبناني، ما أثار اعجاب اللبنانيين في الصالة.

لم تقل مفاجأة صاحب «حوار» السوري كنان العظمة، ابداعا ومتانة، ويحتاج تفصيل تجربته الى سياق آخر، لكنه، هو الآتي من حفلات قدمها في أعظم مسارح العواصم الأوروبية، تمكن مع فرقته من تقديم أمسية، أظهرت عظمة المدى الذي بوسع آلات الموسيقى أن تصله، من دون الحاجة الى غناء. العظمة، بابداع عال، قاد مقطوعات موسيقية مؤلفة خصيصاً من أعضاء الفرقة، مزجت بين الشرقي والغربي، فأطربت العرب والأجانب على حد سواء.

أبوظبي- ابراهيم توتونجي