لا يحتاج المرء سوى إلقاء نظرة سريعة على اختيارات المسابقة الرسمية للدورة (63) من مهرجان كان السينمائي الذي يبدأ فعالياته اليوم ويستمر إلى 23 من الشهر الجاري، ليكتشف أنها ـ كالعادة ـ دورة الكبار.
وربما يتجلّى ذلك أكثر في دورة هذا العام، الذي تمّ الاكتفاء بـ (19) فيلماً فقط بعد إضافة فيلم بريطاني قبل الافتتاح بيومين، في حين تراوحت الأفلام المشاركة في الدورات السابقة ما بين (20 إلى 22) فيلماً. هذه الصرامة التي تنتهجها إدارة تيري فيرمو المدير الفني، هي بلا شك محاولة لإشعال المنافسة وتجميع الأسماء العريقة في خانة واحدة، وهي أيضاً محاولة لترويج تلك الأسماء التي ستعود على المهرجان بسمعة هي بحاجة لها بعد دورات عصيبة مرّ بها المهرجان في السنوات القليلة الفائتة، ولا بأس أيضاً من ضخ اسم أو اسمين جديدين في المسابقة الرسمية كل سنة، والبقية تذهب إلى القسم الأخلص للسينما الفنية «نظرة ما».
روبن هود
لن يحيد المهرجان كثيراً عن اختيار فيلم هوليوودي للافتتاح، وهذه المرّة من نصيب ريدلي سكوت (كيان من الأكاذيب، مملكة السماء، هانيبال) الذي يعود مع ممثله الأثير راسل كرو في خامس فيلم مشترك بينهما بعد أن تعاونا أولاً في «المصارع» عام 2000. خيار الافتتاح هذا يبدو أكثر أناقة للمهرجان بعد سنوات من العثرة في إيجاد فيلم هوليوودي يُحقق التوازن الفعلي ما بين الصيغة الفنية، وبين الضجيج الهوليوودي.
«روبن هود» إذن يعود في نسخة جديدة، بعد أن قُدّم في السينما مرّات كثيرة، كان أوّلها في عام 1908، وألهب خيال الكثير، يذهب بنا هنا إلى إنجلترا القرن الثالث عشر، حيث يواجه «روبن» مع زمرته من القتلة الفساد المستشري في قرية محلية، ويحرّض على انتفاضة ضد تاج الحكم، ما يؤدي إلى تغيير موازين القوى والعدالة.
المسابقة الرسمية
حشد من الأسماء التي اعتادت على مسابقة كان، بل وفازت بسعفتها الذهبية: البريطاني العريق مايك لي للمرة الرابعة في المسابقة الرسمية، حاصداً جائزتين، منها السعفة الذهبية لفيلم «سرار وأكاذيب» في (1996)، وأفضل إخراج عن «عُري» في (1993). في فيلمه الجديد «سنة أخرى»، ينتقل ما بين الفصول الأربعة للسنة في علاقات متشابكة بين الأسرة والصداقة، يختلط فيها الحب والدفء، الفرح والحزن، الأمل واليأس، الرفقة والوحدة، وبالتأكيد: الولادة والموت.
المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو للمرة الثانية في المسابقة، والرابعة في المهرجان. سبق وأن حصل على أفضل إخراج في عام 2006 عن فيلم «بابل»، وهو هنا مع « بيوتفل»، حكاية «أوكسبال»: أب ملتزم وعاشق معذَّب. ابن مدهش، ورجل أعمال سّري. صديق مرتبك يفتّش عن الأشباح، ورجل هامشي يحيا على تخوم «برشلونة» اليوم. يستشعر الموت، ويحاول عن طريق الحب التوفيق بين حياته، ومهمة الحفاظ على أطفاله. حكاية بسيطة، وسط تعقيدات الحياة المعاصرة.
نسخة مصدّقة
الإيراني عباس كياروستمي يعود بفيلم «نسخة مصدّقة». هو ليس جديداً على كان؛ فهو هنا للمرة الحادية عشرة متجولاً بين أقسام المهرجان المختلفة، وحائزاً على سعفته الذهبية في 1997 عن «طعم الكرز». هذه المرّة بإنتاج إيطالي فرنسي مشترك، ومع نجمة ملصق كان 2010 جوليت بينوش، حيث يلتقي كاتب بريطاني انتهى من محاضرة قدّمها في مؤتمر، بامرأة فرنسية تمتلك معرضاً فنياً في قرية إيطالية صغيرة جنوب «توسكاني». حكاية إنسانية بسيطة بين اثنين.
المخرج والممثل الفرنسي إكزافييه بوفوا للمرة الثانية في المسابقة، حيث نال في مشاركته الأولى عام 1995 جائزة لجنة التحكيم عن فيلم «لا تنسى أنك ستموت». في فيلمه الجديد «عن رهبان ورجال» يعود إلى التسعينات في دير تقع فوق جبال المغرب الشاهقة، حيث يتعايش ثمانية رهبان مسيحيون مع إخوتهم من المسلمين، غير أن العنف والإرهاب يتغلغلان شيئاً فشيئاً إلى المنطقة؛ وعلى الرغم من الخطر المتنامي الذي يحيط بهم، يقرّر الرهبان البقاء.
خارج القانون
في مشاركته الرابعة في أقسام كان، والثانية في المسابقة الرسمية، يعود الجزائري ـ الفرنسي رشيد بوشارب بفيلم «خارج القانون»، ليكمل سلسلة فتح الملفات الفرنسية في حق الجزائريين بعد أن قدّم في 2006 فيلمه الرائع «بلديون» وحاز عليه جائزة التمثيل الجماعي الذين يحضر أغلبهم هنا أيضاً: جمال دبوس، رشدي زم، أسعد بواب، وبرنان بلانكان. الفيلم يتتبع قصة ثلاثة أخوة وأمهم تفرّقوا بعد فقدان بيت الأسرة في الجزائر. «مسعود» ينضم الى الجيش الفرنسي في الهند الصينية.
«عبد القادر» يترأس حركة الاستقلال الجزائرية في فرنسا؛ بينما يتوجه «سعيد» إلى باريس ليجرّب حظه في النوادي الليلية، وحلبات «بيغال» للملاكمة. تدريجياً يجمعهم القدر في العاصمة الفرنسية؛ حيث الحرية هي معركة لنيلها.
الإيطالي دانييل لوكيتي للمرةّ الثانية في المسابقة الرسمية بعد أن قدّم في 1991 فيلم «التوابع»، وللمرّة الرابعة في المهرجان بعد أن شارك مرتين في قسم «نظرة ما». هو هنا مع فيلم «حياتنا»، ومع «كلاوديو» الذي يعمل في موقع في ضواحي روما، ومغروم جداً بزوجته الحامل بطفلهما الثالث، غير أن أحدثاً درامية تقع لتعصف بهذه الحياة البسيطة والسعيدة. يحارب «كلاوديو» بقوّة وغضب ضد الظلم الواقع عليه مدعوماً بحب الأسرة والأصدقاء.
أميرة مونتبنييه
المخضرم الفرنسي برتران تافيرنييه في ثامن حضور، أوّله في العام 1976، وسبق أن حاز على جائزة الإخراج عن فيلم «يوم أحد في البلد» عام 1984، هذه المرّة هو مع فيلم «أميرة مونتبنييه» الذي يعود بنا إلى فرنسا العام 1562، حيث الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتوستانت في أوجها، بينما يفرض والد الأرستقراطية الجميلة «ماري دي ميزييه» زواجها من أمير مونتبنييه، فيما هي واقعة في غرام واحد من أبطال المملكة.
في ثالث مشاركة وجائزتين، يبحر التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيثاكول بنا في فيلم «العم بونمي الذي يتذكّر حياته الماضية » مع «بونمي» الذي يعاني من فشلٍ كلوي؛ فيقرّر قضاء أيامه الأخيرة بصحبة أحبائه في الريف، لنفاجئ بأن شبح زوجته المتوفاة يظهر من جديد لرعايته، بينما يعود ابنه المفقود منذ زمن بعيد في شكلٍ ممسوخ.
الممثل والمخرج الياباني العريق تاكاشي كيتانو في حضوره الخامس مخرجاً، إضافة إلى ثلاث مرات أخرى ممثلاً. لم ينل فيها أية جائزة، وربما يكون «انتهاك» مفاجأة جميلة في هذه الدورة. هنا تتنافس عشائر «الياكوزا» على السلطة في معارك شرسة لصالح الأسر الرئيسية في عالم الجريمة الأرضي. عالم فاسد لا أبطال فيه سوى الخيانة والانتقام.
مشاركة كورية
من كوريا الجنوبية يعود الروائي والوزير والمخرج لي تشانغ دونغ بفيلم «شِعر» بعد أن شارك في مسابقة 2007 بفيلم «شروق سرّي»، وفي قسم «نظرة ما» بفيلم «حلوى النعناع» عام 2000. ينتقل بنا دونغ إلى عالم الجدّة «ميجا» التي تعيش مع حفيدها في الضواحي الواقعة على نهر «هان». هي ذات طابع غامض، وترتدي قبعات مزيّنة بالزهور، ولا يمكن التنبؤ بشخصيتها، ولديها عقل فضولي.
بالصدفة، تشترك في درس لكتابة الشّعر، وأمامها الآن تحدٍّ لكتابة قصيدة للمرّة الأولى في حياتها؛ فتبدأ في مراقبة الحياة اليومية التي لم تعرها اهتماماً قط باحثة عن الجمال والوحي. عندما تصطدم بالواقع، تكتشف أن الحياة ليست جميلة كما توقعت.
الكوري الجنوبي الآخر في المسابقة هو إيم سانغ سو بفيلم «الخادمة»؛ هو هنا للمرّة الأولى؛ ويستعرض حكاية عائلة ثرية تقوم باستئجار «لي يوني» خادمة في المنزل، ولكن سرعان ما يقع رب الأسرة في غرامها، لتنهار العائلة شيئاً فشيئاً.
بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم في 2005 عن «أحلام شنغهاي»، ومشاركته في قسم «نظرة ما» مرتين، يأخذنا الصيني وانغ زياوشواي في «تشونغكن بلوز» إلى القبطان «لين» العائد من رحلة استغرقت ستة شهور، حيث قيل له أن ابنه قُتل من قبل الشرطة. وفي محاولة لفهم ما حدث، يُدرك أنه يعرف القليل جداً عن ابنه؛ فيعود إلى مدينة «تشونغكن» التي عاش فيها ذات مرّة، ويُدرك تأثير غيابه المتكرّر على حياة ابنه.
متفرقات سينمائية
الأوكراني سيرغي لوزنيتسا للمرّة الأولى في المسابقة بفيلم «مرحي» حول «جورجي» سائق شاحنة يترك بلدته محملاً بالبضائع، ويضطر إلى تحويل وجهته بسبب التفاف خاطيء على الطريق السريع ليجد نفسه تائهاً وسط اللامكان. يحاول جاهداً العثور على منفذ، ولكن تدريجياً، ورغماً عنه، ينساق إلى الحياة اليومية لقرية روسية... إنه يتجه بالضبط إلى طريق مسدود.
من هنغاريا، المخرج كورنيل موندروزو للمرة الثانية في المسابقة الرسمية بعد «دلتا» في 2008، ومرّة بـ «نظرة ما» مع «جوانا» في 2005. «مناقصة الابن - المشروع فرانكنشتاين» هو جديده حول رجل أصبح أباً في صباه دون علمه، حينما يعود الابن «رودي» الآن آملاً في توحيد الأسرة بعد سنوات أمضاها في مؤسسة إصلاحية، ومتوقعاً القبول والترحيب، ينصدم بعكس ذلك.
وبالصدفة المحضة، يتقدّم «رودي» إلى بروفة فيلم يَعتقد فيها المخرج أنه وجد ضالته في هذا الشاب الصامت، ليفاجيء بعدها أنه معتوه وقاتل، وتزداد الصدمة أكثر عندما يكتشف أنه ابنه، وأنه نتيجة صنعته!
الممثل والمخرج الفرنسي ماتيو أمالريك هنا في المسابقة الرسمية مخرجاً للمرة الأولى بعد عشر مرّات شارك فيها ممثلاً منذ العام 1996. «في جولة» هو عنوان فيلمه الذي يدور حول منتج تلفزيوني باريسي يترك خلفه كل شيء: أطفاله، أصدقاؤه، عشاقه، وأعداءه، ويستعد لبدء حياة جديدة في أميركا؛ لكنه يعود مع فرقة رقص لديها ذلك الحلم الرومانسي حول جولة في باريس. من مدينة لأخرى، تصنع الفرقة الدفء أينما تحل... فهل تستطيع تحقيق ذلك الحلم الباريسي؟
محمد صالح هارون التشادي للمرّة الأولى في المسابقة الرسمية بفيلم «رجل يصرخ»، ينتقل بنا إلى تشاد اليوم مستعرضاً قصة «آدم»، السبّاح الستيني السابق، الذي يعمل مدرباً في مسبح فندق الآن.
عندما تنتقل ملكية الفندق إلى تجار صينيين، يُجبر على ترك وظيفته لصالح ابنه «عبدل»، ويشعر باستياء شديد ومهانة فائقة. البلد في خضم حرب أهلية، وقوات التمرّد تهاجم الحكومة. تُطالب السلطة من السكان المساهمة في «المجهود الحربي» عن طريق التبرع بالمال أو التطوّع، غير أن «آدم» مفلس، ولا يملك سوى ابنه!
الروسي نيكيتا ميخالكوف للمرّة التاسعة هنا سواء أكان ممثلاً أو مخرجاً منذ العام 1964. سبق له أن فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في العام 1994 عن فيلم «حرقته الشمس»، والذي يحضر هذه السنة بجزئه الثاني.
تدور أحداث الفيلم في العام 1941، بعد مرور خمس سنوات على تغيير جذري في مصائر الجنرال «كوتوف» وأسرته. في بداية الحرب، يهرب الجنرال من المخيم الذي حَكَم عليه بالسجن، تَعتقد الإدارة السوفياتية بأنه لقى حتفه، بينما يزحف هو في الكتيبة الطوعية متقدّما إلى الصف الأمامي في القتال ضد الألمان.
المسابقة بالأرقام
ـ (19) فيلماً في المسابقة الرسمية.
ـ الدول حسب جنسية مخرجيها: فيلمان من كوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة، وفيلم واحد لكلٍ من: المكسيك، الولايات المتحدة، الجزائر، إيطاليا، تايلاند، اليابان، الصين، أوكرانيا، هنغاريا، تشاد، روسيا.
ـ (8) أفلام تشارك بها فرنسا بالمسابقة؛ إما بإنتاج كامل، وإما مشترك.
ـ (3) مخرجين سبق وأن حصدوا السعفة الذهبية.
ـ عدد الأفلام الأميركية المشاركة في المسابقة: (1)، وهي الأضعف منذ سنوات.
ـ عدد المشاركات العربية (1)، بمساهمة جزائرية وتونسية.
ـ (4) أفلام يخرجها ممثلون.
أقسام المهرجان
6
يتكون مهرجان «كان» من ستة أقسام: ثلاث مسابقات للأفلام الطويلة والأفلام القصيرة وأفلام طلبة معاهد السينما، وثلاثة برامج من دون مسابقات (خارج المسابقة ونظرة خاصة وكلاسيكيات كان).
كان ـ مسعود أمر الله آل علي

