يقضي الليالي ساهرا منكبا على كتبه، ولا يخلد إلى النوم إلا بعدما يهزمه الإعياء، ويتمكن منه التعب والإجهاد.. يبذل كل ما في وسعه، ولا يركن إلى الدعة والكسل، وينكب على تأدية واجباته الدراسية، بكل همة ونشاط.
لكن.. رغم الجهد الخارق، دائما ما تفجر شهاداته الدراسية، الحزن والأسى في قلبي والديه، فدرجاته المتدنية لا تتناسب مع حجم ما يبذله من مجهود، والدوائر الحمراء تنتشر فيها، كما تنتشر حبيبات الجدري على بشرة رضيع مريض! يهرع الوالدان إلى المدرسة، وهناك يلتقيان بالمدرسين، حيث يصطدما بالعبارات المؤلمة: الولد يعاني انخفاضا ملحوظا في قدراته الاستيعابية.. عليكما التعامل مع هذا الواقع المر، وتحويله إلى فصول التربية الخاصة .. إنه أقل ذكاءً من أقرانه .. في فصول التربية الخاصة يمكنه التكيف مع من يضاهونه ذكاء.
تنهار الأم باكية، وتعقد الصدمة لسان الأب، لكنهما يرفضان الاستسلام ، ويعقدان العزم على عرض فلذة كبدهما، على أحد المختصين، في مجال قياس مستويات الذكاء، للتعرف بشكل علمي على حالة طفلهما، قبل أي قرار.
وبعد فحص الطفل، وإخضاعه لعدد من اختبارات الذكاء المصممة بشكل علمي، يكتشفان أن كلام المدرسين، كان كلاما مرسلا، فالطفل لا يحتاج لتحويل إلى فصول التربية الخاصة، وإنما يجب اتباع أساليب تعلم غير تقليدية معه.
فهل من الممكن أن يؤدي تغيير أساليب التعلم، في الأخذ بيدي طالب متأخر دراسيا، وتحويله إلى طالب متفوق؟ وكيف يمكننا أن ننمي القدرات والمهارات الإبداعية لدى أطفالنا، ومساعدتهم على التفكير المنهجي العلمي والمنظم؟
وهل انخفاض مستوى التحصيل الدراسي يصلح وحده لتحديد مستوى ذكاء الطفل، أم أن هذه العملية أكثر تعقيدا و تركيبا؟
كل هذه الأسئلة، وغيرها من الأسئلة المهمة، ألقيناها على الدكتورة جميلة خانجي، مدير إدارة خدمة المجتمع في مؤسسة التنمية الأسرية، والتي أجابت بقولها: من الشائع أن يكون طالب ما حاد الذكاء، لكنه يرسب في الامتحانات الدراسية، ومن الممكن أن يكون طالب ما متفوقا على أقرانه عقليا، لكنه متأخر عنهم دراسيا، فهناك مؤثرات مباشرة وغير مباشرة تتحكم في قدراتنا على الاستيعاب، وهذه المؤثرات مازالت بمنأى عن تفكير الكثيرين من التربويين.
فالناس ينقسمون من حيث القدرة على الاستيعاب إلى أشخاص قادرين على الاستيعاب بشكل أفضل عبر القنوات البصرية، وأخرين يستوعبون بشكل أفضل عبر القنوات السمعية أو الحركية، وعلى هذا الأساس فإن ما ينجح مع طفل، قد يفشل مع أخر، ومما لا شك فيه أنه قبل الحكم على طفل بتدني الذكاء لا يجب أن يكون حكما متسرعا غير مدروس.
عشوائية التطبيق
على هذا الأساس يمكن القول بأن هناك وسائل تعلم تصلح لإنسان ولا تفيد آخر؟
بالطبع.. فهناك 400 إستراتيجية مختلفة تؤثر في التعلم، ونحن في عالمنا العربي لا نطبق هذه الاستراتيجيات بشكل علمي، وإنما بصورة عشوائية، ومما لا شك فيه أنه في حال أبدينا شيئا من الاهتمام بتطبيق هذه الاستراتيجيات، لتمكنّا من تجاوز الكثير من مشكلات تدني القدرات الاستيعابية، لدى قطاع كبير من الطلبة المتعثرين في مدارسنا.
وبعيدا عن الاستغراق في التفاصيل العلمية، يمكن تبسيط الأمر بالقول: إنه لا توجد وسيلة واحدة، يمكن استخدامها لتدريس جميع الطلبة، ولا يمكن الاعتماد على طريقة بعينها، لتحقيق الاستيعاب الأمثل للجميع، إلا إذا استنسخنا طلابا متماثلين في كل شيء، وهذا هو المستحيل بعينه.
إن التعليم ليس عملية مركزها الدماغ فقط، فهي أكثر تعقيدا، والتحصيل الدراسي الجيد يتطلب أولا وقبل كل شيء، التعرف على سيكولوجية الطالب، ومن ثم تحديد الاستراتيجيات التي تصلح معه.
هل يعني ذلك أن نطالب المدرس المثقل بالأعباء بتحليل شخصية كل طالب متأخر دراسيا؟
مع التطور العلمي الكبير الذي شهدته الدراسات المتعلقة بأساليب التعلم، أصبح من المسلمات العلمية أن الطفل منذ الولادة وحتى سن الثانية عشرة، يكون أكثر استخداما لنصف الدماغ الأيمن، وهو الجزء المسؤول عن التخيلات والتصورات، وهذا معناه أن سيكون أكثر قدرة على الاستيعاب عبر الوسائل الحركية والتجريبية، وبناء عليه فإن أساليب التلقين التي تعتمدها أنظمة التعليم العربية، تظلم الطالب المبدع وتحد من مهاراته الفطرية.
وبعد سن الثانية عشرة، يبدأ الدماغ في التغير، ويصبح أكثر قدرة على التعلم بالطرق البصرية، وعلى هذا الأساس، على المدرسين أن يتفهموا الأسس العامة لأنماط التعلم، ومن ثم يسعون إلى تطبيقها على الطلبة حسب ما يتناسب مع مراحلهم العمرية بشكل عام، وفي حال وجدوا أن طالبا ما يعاني قصورا في الاستيعاب، فليس عليهم التسرع في إطلاق الأحكام، وليس عليهم الزج به في فصول التربية الخاصة، لأن قرارا كهذا يحتاج إلى متخصصين من ذوي الخبرة والمعرفة.
وتوجد معاهد أمريكية متخصصة، لجأت إلى الاعتماد على النظريات الخاصة بأساليب الاستيعاب ووسائل الإدراك مع طلبة وطالبات كانوا يصنفون على أنهم ضعيفو الاستيعاب، فكانت النتائج المبهرة هي أن قطاعا كبيرا من هؤلاء تمكنوا من تجاوز مشاكلهم الدراسية وأصبحوا من الطلبة المتفوقين.
فقط عندما تلقوا المعلومات عبر الوسائل التي تتناسب مع قدراتهم. ومن جانب آخر، إن الارتقاء بالعملية التعليمية، يتطلب النظر إلى حجم المجهود الذي يبذله المعلم، وعلى مسئولي التعليم، أن يهتموا بتخفيف الأعباء عن كاهله، والاهتمام بتدريبه وتسليحه بالمعارف الحديثة، لأن فكرة تطوير التعليم، لن تؤتي ثمارها من دون تطوير المعلم ورفع مستواه المعرفي.
الطفل العربي
لو تحدثنا بشكل خاص عن الطفل العربي، هل هناك دراسات حول الأساليب الأكثر جدوى معه؟
لا توجد معلومات علمية في هذا الصدد، إلا دراسة أجريت على 400 طالب وطالبة، حوالي 40% منهم إماراتيون، وكشفت الدراسة أن حوالي 42 %من العينة يتعلمون بشكل أفضل بالطرق السمعية، وأن 40 % بالطرق البصرية، بينما النسبة الباقية تحقق معدلات استيعاب أعلى بالطرق التجريبية.
ولاحظت الدراسة أن الفئة التجريبية تعاني صعوبات في التأقلم مع أنماط التعليم المتبعة في مدارسنا، وأن المنتمين لهذه العينة أقل تحصيلا رغم أنهم ليسوا بأقل ذكاء من أقرانهم، وأن الإصرار على التلقين والتلقين والحفظ يغبن حق الطلبة التجريبيين الأكثر ميلا إلى الإبداع والخلق.
بالإضافة إلى هذه الدراسة، هناك عدة دراسات عربية، حول مستويات ذكاء الأطفال، تؤكد أن الطفل العربي من أكثر أطفال العالم ذكاء، لكن مستويات ذكائه تنخفض بعد التحاقه بالمدرسة، لأن التعليم يصر على القناة البصرية، ويهمل التجريبية والحركية.
لكن العلوم تنقسم إلى نظرية وتجريبية، فكيف يمكننا تدريس علم نظري بطريقة تجريبية؟
كل العلوم ذات جانب تجريبي حتى النظرية منها، ففي حين يصر مدرسو اللغة العربية على الطرق التقليدية والتلقين والحفظ، يمكن لهم اللجوء أيضا إلى الطرق التجريبية، التي تساعد الطالب على تحرير طاقاته الإبداعية، وإكسابه مهارات نظم الشعر أو كتابة القصة والمقال.
البيئة السليمة
تقسيم الطلبة إلى بصري وسمعي وتجريبي يبدو غريبا.. فهل يعني ان الطالب التجريبي مثلا، ليس بوسعه التعلم بالطرق البصرية!
لا يجب فهم الأمر على هذا النحو، فالقول بأن الطالب تجريبي، لا يعني أن القناة السمعية أو البصرية لديه معطلة، لكن دورها أقل من دور التجريب... ومما لا خلاف عليه بين العلماء الآن، أن التعلم الأمثل يجب أن يستخدم كافة القنوات ويراعي الفروق الفردية بين الطلاب والطالبات في الوقت ذاته.
كما يحتاج الاستيعاب الجيد إلى البيئة الخارجية السليمة، ومن المعروف أن تلقي العلم في مساحات ضيقة، ومنع الطالب من الحركة وحرمانه من شرب الماء لفترة طويلة، يعوق قدراته الاستيعابية وينعكس سلبا على مستواه التحصيلي.
وفضلا عما سبق، فقد كشفت الدراسات أن عدم الإطراء على الطفل - بصورة تخلو من المبالغة - تشعره بفقدان الثقة في النفس، وتحرمه من الشعور بالرضا عن الذات، وهذه عوامل أيضا تنعكس سلبا على مستواه العلمي والتحصيلي.
ماذا عن دور الأسرة؟
الأسرة صاحبة الدور الأكبر في تنشئة الطفل نشأة سليمة، وبوسعها أن تساعده على أن يكون مبدعا، وجعله عنصرا صالحا في المجتمع، أو تحويله إلى معول هدم وتخريب، فالطفل الذي يلجأ في مرحلة المراهقة إلى السلوك الإجرامي مثلا، عادة ما يكون قد نشأ في أجواء مضطربة، محروما من الحنان والعطف.
وقد أظهرت الدراسات النفسية، أن نظر الأم بحنان إلى عيني طفلها، يشعره بالأمان النفسي والاستقرار الاجتماعي، وأن هذا الطفل قد يكون خارق الذكاء لكنه متأخر دراسيا، وإنما يوجه طاقاته نحو الهدم والتخريب، كما تؤكد الدراسات أن الأم هي الحاضنة التي يجب أن ينمو فيها الطفل المبدع، وأن دورها في دفع صغيرها إلى الأمام يتفوق بمراحل عن دور المدرسة.
لو رجعنا بالحديث عن أنماط التعلم، هل يؤدي استخدام وسيلة تعلم لا تتناسب مع طبيعة الطفل، إلى انعكاسات سلبية على مستويات ذكائه؟
العقل عضو بشري بالغ التعقيد، وآلية الربط بين المعلومات المختلفة، وتكوين العلاقات الشبكية بينها آلية غير مفهومة حتى الآن، لكن المؤكد أن العقل شأنه شأن كل الأعضاء، يزداد قوة بالتمرين الدائم.
والطبيعي أنه في حال شعر الطفل بالنفور من التعليم، فإنه سيهمل التعليم، وسيعزف عن استخراج وتنمية مهاراته العقلية، وهكذا ستنخفض مستويات ذكائه، وهذا ما يفسر أن الطفل العربي يفقد الكثير من مهاراته بعد التحاقه بالتعليم، وبعد إجباره على أساليب الحفظ والتلقين البالية التي لا تستطيع تخريج مبدعين، وإنما حفظة كتب.
د. جميلة خانجي
ـ حصلت الدكتورة جميلة على الدكتوراه في تخصص علمي نادر، وهو الأنماط الإدراكية والاستيعابية للدماغ، وهذا الموضوع المتشعب يتضمن دراسات من علم النفس الإدراكي.
وعلم اللغة العصبي والتطبيقي، وعلم الاجتماع، وتدريس اللغات لغير الناطقين بها، وتعد رسالة الدكتوراه التي تقدمت بها - حسب عدد من الجامعات الأمريكية المرموقة - واحدة من أبرز الإسهامات العلمية، التي تفتح المجال أمام الباحثين للتعرف على وسائل جديدة لتحسين القدرات الاستيعابية والإدراكية.
دراسة
تؤكد الدراسات العلمية أنه كلما كان الإنسان أكثر ارتباطا بالطبيعة، كلما كان دماغه أكثر نشاطا وفاعلية. وهناك دراسة مهمة أجريت على 4500 طفل في قارة أفريقيا، وقد أكدت أن لا أحد منهم يعاني من أمراض ضعف النظر، أو فرط الحركة أو التوحد أو انخفاض التركيز، ولم تسجل الدراسة ذاتها، تعرض أي من عينتها خلال مرحلة المراهقة، لمشكلات التخبط النفسي التي يعاني منها المراهقون من سكان المدن الحديثة.
وبطبيعة الحال، فإن هذه النتائج لا يجب أن تدفعنا إلى القول بنبذ حياة المدن ومستحدثات العصر، والعودة إلى الصحارى والقرى، لأن اقتراحا كهذا يعد المستحيل بعينه، ولكن ما يجب علينا أن نحرص عليه، هو أن نصطحب أطفالنا بين الحين والآخر إلى الأماكن الطبيعية والحدائق المفتوحة، لأن منحهم الفرصة للحركة يساعد على تحسين نشاطهم الذهني.
أبوظبي - محمد مصطفى موسى

