أرجع الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق الرئيس الفخري لمؤسسة «بيردانا للقيادة» أبرز أسباب «الأزمة المالية العالمية» إلى ابتعاد الحكومات عن التدخل في ما يجري في السوق مؤكدا أن هذا يعدّ في حد ذاته من الأخطاء الفادحة، فالسوق يجب الا تترك لأولئك الذين لا يهمهم الرفاه الاقتصادي للمجتمع بقدر ما يتسابقون إلى جني الأرباح الضخمة التي تهمّهم، خاصة من خلال سوء استخدام قوانين السوق المالية والنقدية التي أتيحت لهم.

جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها أمس الأول في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي بحضور سمو الشيخ ذياب بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة «هيئة مياه وكهرباء أبوظبي والدكتور جمال سند السويدي، مدير عام «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول «الأزمة المالية العالمية: الدروس المستفادة والفرص المتاحة».

وأكد أن «الأزمة المالية» التي شهدها العالم مؤخراً ما كان لها أن تكون لو أن السياسيين والاقتصاديين والباحثين على اختلاف دولهم، بحثوا في أسباب «الأزمة المالية» التي عصفت بالبلدان الآسيوية ومنها ماليزيا في التسعينيات من القرن الماضي، واستلهموا الدروس والعبر.

وشدّد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق على ضرورة أن تتدخّل جميع الحكومات في التشريعات والقوانين والآليات التي تتعلّق بالسياسات النقدية والمالية، وفي المقدمة منها «صندوق النقد الدولي»، مشيراً إلى أن عدداً من البلدان الآسيوية خلال «الأزمة المالية» في التسعينيات من القرن الماضي راحت تطبق نصائح «البنك الدولي» و»صندوق النقد الدولي»، ولم تنجح أي منها في تجاوز الأزمة، باستثناء ماليزيا التي تركت هذه النصائح على جانب وذهبت تتدخل في آليات السوق وتضخّ مليارات الدولارات للشركات والمؤسسات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، وتشرف على آليات إقراض البنوك والمصارف للشركات والمؤسسات وللأفراد وأسعار صرف العملات، وبشكل مباشر وبتحديدات شرعتها لهذا الغرض أيضاً.

قروض مفتوحة

وأضاف: ليس من المعقول أن تمنح البنوك والمصارف المالية القروض لأفراد وشركات بشكل مفتوح يفوق طاقة المستثمرين على سداد الديون، من جهة، ومن دون وجود ضوابط تؤكد قدرة الأفراد والشركات على السداد من جهة أخرى، مشيراً إلى أن المعضلة الكبرى في هذه الأزمة أيضاً نجمت عن عدم وجود شفافية كافية توفر قدراً من المعلومات الدقيقة عن رؤوس الأموال العاملة في الاستثمار وإخفاء الحقائق والكشوفات عن الصناديق لديهم ورساميل الاستثمار الحقيقية، لأسباب عدة، من أبرزها التهرب من دفع الضرائب، بل إنهم اليوم ما زالوا يمارسون أعمالهم من أجل كسب مزيد من الأرباح.

أسواق الأسهم

وأكد أن أسواق الأسهم أسهمت أيضاً وبدرجة كبيرة في هذه «الأزمة المالية»، بسبب فتح أبوابها لجميع المستثمرين من دون تحديدات وضوابط، تعتمد على المضاربة فقط، وكان هدف النخبة المسيطرة على أسواق المال والأسهم هو الأرباح على حساب صغار المستثمرين الذين كانوا أكثر الشرائح تضرّراً من هذه «الأزمة المالية».

وقال إن الوقت حان لأن نعيد التفكير جميعاً في سوء استخدام القوانين والتشريعات الخاصة بالأنظمة المالية والنقدية الذي يمارس في السوق، وفي قوانين التجارة العالمية الحرة، التي كشفت عن أن الدول الفقيرة تتضرّر دائماً وبشكل أكثر بكثير من البلدان الغنية، مشيراً إلى أن كثيراً من الغش والمضاربة يتمّ باسم هذه القوانين وباسم المنافسة، وباسم «دع السوق يعمل»، متسائلاً، لم إذن تدخّلت الحكومة الأميركية في منع الملياردير المعروف روكي فيلر قبل عقود عدة، من الاستحواذ على شركات النفط؟ بسهولة كان ذلك لمنعه من الاحتكار والتحكم في الأسعار، ولم إذن لجأت الحكومات الأميركية والأوروبية إلى تطبيق قوانين الاشتراكية الآن؟ إذن علينا الا نسمح للشركات أن تكون أكبر من حجمها في السوق.

الاعتماد على الذهب

ودعا مهاتير محمد الدول إلى التفكير جدياً في ضرورة الاعتماد على الذهب في تحديد صرف العملات وفق معايير أسعار الصرف للذهب، بدلاً من العملات المعروفة في العالم، مثل الدولار واليورو، التي تتزايد مخاطر التعامل بها أكثر فأكثر، داعياً في الوقت ذاته أيضاً الحكومات الوطنية إلى أن تولي اهتماماً خاصاً بأصحاب المشروعات صغيرة الإنتاجية ومتوسطتها، ودعمهم من دون تردّد، لتحقيق عدالة في توزيع الاستثمارات وإيجاد فرص عمل، وزيادة معدلات الناتج المحلي الإجمالي لدولهم وتعزيز الرفاه الاجتماعي.

أبوظبي ـ ماجدة ملاوي