كانت المفاجأة عندما تلقت إخطاراً بمخالفة مرورية، تستدعي الحضور الشخصي لقسم دفع المخالفات المرورية، وغرامة بقيمة مئتي درهم، «هذي آخرة الليسن .. على آخر الزمن يخترب برستيجي وأوصل الشرطة! لا بالله كدينا خير، أموت وأعرف في شو أنا مخالفة؟»

عند العاشرة صباحاً كانت في حضرة الشرطة، البهو الواسع، الصالة تكتظ بالمراجعين، الممرات تشهد حركة صباحية معتادة، زي الشرطة يبدد المشهد السائد في ذهنها والرهبة التي سيطرت عليها منذ الطفولة عن رجال الشرطة.

دقائق مرت دخلت بعدها إلى مكتب الضابط المسؤول، اتبعت أقصر الطرق، بدافع أن أسهل وسيلة للدفاع هي الهجوم.. «ممكن أعرف شو سبب المخالفة؟».. «عدم الالتزام بخط السير».. «ومن اللي خالفني ؟ وكيف يعني ما التزم بخط السير؟»

بعد نقاش دام دقائق تجاوزت العشر ..

قررت صاحبتنا المضي في طلب التظلم، دون أن تدري هذه المرة أنها تتجه إلى النيابة، نيابة السير والمرور وستكون على موعد لمقابلة القاضي.. ونحو المزيد باتجاه مخالف للصورة التي تهيأت لها..

في طريق العودة .. تساءلت كثيراً عن جدوى تصرفها، هل تستحق المخالفة كل ذلك النقاش؟ وزيارة أماكن لم تشأ أن يراها أحد يوماً تدخلها؟ «يا سلام .. النيابة مرة وحدة» والله هذا الليسن طلع علي أغلى من بيع السوق !»

* * *

خرجت من تلك الزيارة بانطباع جديد، الصورة النمطية لمراكز الشرطة في أفلام السينما تكاد تكون قاتمة بالنسبة لما تشاهد، المكان يشبه أي دائرة أو مؤسسة حكومية، يمكن زيارتها لتخليص أي معاملة.. الموظفون يبتسمون، والمراجعون يألفون المكان جيداً.. والأمور طيبة.

بعد أسبوعين على تلك الزيارة، كان موعدها مع القاضي، ما زالت تأسف على قرارها بالمضي في طلب التظلم، بعد أن استلمت ورقة حضورها إلى النيابة، تصفها بالمتهمة، حينها أدركت أنها إلى مغامرة أخرى..

المكان بالنسبة إليها كان مألوفاً، ورغم قلقها الداخلي .. استمرت في التظاهر بأنها على حق دائماً .. القاضي بدا بشوشاً معها أكثر مما تخيلت، بعد أن تلا تهمتها، كانت هي قد مضت في طلب تفسير سبب المخالفة، «أنا أبغي أعرف سبب المخالفة، عشان أعرف خطأي .. وما أكرره، ما ينفع أكون مب مقتنعه .. وأكرر الخطأ، وتخالفوني مرة ثانية». بابتسامة رد القاضي مبيّناً ما ارتكبته من أخطاء مُسقطاً عنها الغرامة.. ودار حوار حضاري اقتنعت على إثره بخطأها .. وسردت التجربة بشيء من الضحك .. والدهشة، حيث كانت ابتسامته أكثر ما استوقفها.

تستحق بعض الأخطاء البحث عن سببها طويلاً .. وخوض تجارب مشابهة لتلك يُبدد صور نمطية، وانطباعات قاتمة فيها إقصاء للآخر ونكران لجهوده. في تلك الحكاية الشرطة مفهوم متقدم، وفي هذا الوطن .. هم صورة مشرقة، وصديقة للمجتمع، تجمع مفاهيم حضارية وإنسانية، قلما تصدف. شكراً للشرطة التي كسرت صورة نمطية كرسها الموروث الثقافي.

أمل الفلاسي