«العمل ليس عيبا أو حراما»، هكذا يرد المواطن إبراهيم شير جمعة المازم عليك إن سألته عن أسباب جلوسه في بقالة صغيرة تقع في أحد الأحياء السكانية، ولا أدري إن كان هو الحظ أم أنها المصادفة أن تقع بقالة إبراهيم التي أطلق عليها اسم «بقالة الصفوة» بالقرب من نادي الشعب في الشارقة، فحلم إبراهيم في الصغر كان مرتبطا بحراسة المرمى.

لكن القدر حال بينه وبين ذلك الحلم الذي انتهى في غمضه عين بعد تعرضه لحادث سير، لينقله إلى عالم لم يتوقع أن يخوضه يوما ما، فإلى جانب أنه عسكري متقاعد فقد عمل في صيد السمك، وكذلك سائق تاكسي أجرة، ومن ثم بائعا في بقالة يمتلكها.

يبدأ إبراهيم حكايته مع الزمان بالقول: «توفي والدي وأنا بعمر الخامسة، وتولت أمي رعايتي وإخوتي، لم تقصر معنا أبدا ولم تدعنا نحتاج لشيء أو نمد أيدينا لأحد، فقد حافظت علينا من ذل السؤال، في صغري كنت أحب لعب الكرة كثيرا واعتدت لعبها مع أقراني في الفريج وفي أحد الأيام دعاني أحد الأصدقاء للتسجيل في نادي الشارقة الرياضي لتطوير مهاراتي الرياضية وكان ذلك في عام 1988 وبقيت في النادي حتى 1990، وأثناء توجهي إلى النادي للتدريب وقع معي حادث سير أصابني بانزلاق في فقرات الظهر»

ويضيف: «دخلت السلك العسكري أثناء وجودي في النادي، وعملت في المنطقة العسكرية بدبي، ولكن لم أستطع البقاء فيها نتيجة لآلام ظهري التي بقيت أتعالج منها طوال سبع سنوات.

حيث كنت أضطر بين الفينة والأخرى للسفر إلى الهند لمتابعة العلاج، لأني كنت أرفض طوال هذه الفترة إجراء العملية، وبعد تقاعدي من العمل العسكري قمت بإجراء العملية بعد أن نصحني بها العديد من الأطباء».

أعمال مختلفة

بعد تقاعده من الجيش وتوقفه عن ممارسة الرياضة بدأ إبراهيم يشعر بأن جسمه بدأ يثقل، وهو ما دعاه إلى البحث عن عمل مناسب له هربا من الجلوس في البيت ولتأمين مصاريف بيته، وحول ذلك قال:

«بعد التقاعد عملت في مجالات عدة منها سوق السمك، حيث اشتريت سيارة «بيك أب» وزودتها بثلاجة وكنت أذهب بها إلى دبا الفجيرة ورأس الخيمة لشراء السمك من هناك وبيعها في دبي.

ولكن للأسف لم أستطع المواصلة فيه بسبب سيطرة الآسيويين على سوق السمك، فهم يحاولون عبر ممارسات عديدة إخراج أي مواطن يريد الدخول إلى هذا السوق، وفي هذه الأثناء كنت أعمل مع أحد الأصدقاء في صيد السمك، وما زلت أعمل معه حتى الآن ولكن في الإجازات فقط، رغم أن عملي في سوق السمك لم يتجاوز العام.

بعد ذلك قررت العمل على سيارة تاكسي وقد شجعني على ذلك امتلاكنا للرقم (البيرمنت)، وكنت أتوقع بأنها ستكون أسهل بعض الشيء، ولكن فوجئت بعد عملي على التاكسي بأن الجميع لا يتقبلون الركوب معي بسبب ارتدائي للكندورة التي استبدلتها ببنطلون وقميص، وقد لاحظت فرقاً بسيطاَ بعد ذلك ولكن الحال لم يدم كثيراً، واضطررت لاستبدالها بزي أسيوي وأطلقت لحيتي.

وحاولت بقدر الإمكان التشبه بهم في كل شيء لدرجة أنني تركت لهجتي المحلية واستبدلتها بلغتهم العربية الركيكة حتى استطيع العمل على التاكسي، وبالفعل وجدت فرقا واضحا بعد قيامي بذلك، وكثير من الشباب المواطنين كانوا يعرفون من شكلي بأنني مواطن ولكن برغم ذلك كانوا يسألونني بلغة ركيكة «أنت وين بلاد رفيق؟»، وكنت أضحك كثيرا على ذلك، لأنني اضطررت إلى تغيير لكنتي ولهجتي لذلك».

التزامات مالية

لم يتمكن إبراهيم من المواصلة في عمله كسائق تاكسي وذلك بسبب ألم ظهره، إلى جانب إنشاء شركات المواصلات بالشارقة والتي سحبت جميع الأرقام الخاصة، فضلاً عن ازدحام الشوارع الذي كان يجبر إبراهيم على الخروج من بيته في ساعات متأخرة بالليل.

يقول ابراهيم: «أنا مضطر للعمل في أي مجال، وقد طرقت باب العديد من الدوائر الحكومية ولم تنجح محاولاتي، فراتب التقاعد لا يكفي التزاماتي، فطوال الفترة من 1997 وحتى 2007 كنت أحصل على راتب قدره 4941 درهماً، وفي عام 2007 حصلنا على زيادة 2500 درهم، ولكنها ذهبت مع ارتفاع الإيجارات، وأحاول بقدر الإمكان التعايش مع هذا الراتب، وكمحاولة لرفع دخلي الشهري فتحت بقالة صغيرة الحجم في بيت والدي، وقد شجعني على ذلك امتلاكنا للرخصة منذ زمن طويل».

يؤمن إبراهيم بأن الرزق على الله ولذلك فهو لا يجد غضاضة من الجلوس في بقالته التي مر عليها شهر تقريبا، ويقول في ذلك: «لقد شجعتني والدتي وأخوتي على خوض هذه التجربة.

ولا أرى فيها عيبا طالما أنها باب رزق بالحلال وتكفي مصروفنا اليومي، فأنا أحتاج إلى تأثيث بيتي الذي انتهى في نوفمبر الماضي، بعد أن حصلت على منحة برنامج الشيخ زايد للإسكان، ولكنها لم تكف واضطررت إلى اقتراض 300 ألف درهم من البنك وأنا أعمل حاليا على سدادها من خلال راتب التقاعد».

فرخ البط عوام

لإبراهيم ولد وبنت وهما يدرسان حاليا في المرحلة الإعدادية، وهو يعمل على توفير كل ما يحتاجانه لضمان تفوقهما واستمرارهما في الدراسة وعن ولده قال إبراهيم: «محمد يحب الكرة كثيرا، ويطمح لأن يكون حارس مرمى وحاليا يتدرب في النادي، وأتمنى أن يتمكن من تحقيق حلمه وحلمي السابق».

قبل خروجنا من بقالة إبراهيم أو «الصفوة»، أخبرنا إبراهيم الذي تمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة بعد انضمامه «للمنازل» بأنه حاصل على جائزة التطوع في فئة التبرع بالدم، فقد دأب على التبرع بدمه طوال عشر سنوات، لينقذ به حياة أناس يعرفهم ولا يعرفهم، ولكنه توقف عن ذلك بسبب تناوله لدواء القلب، حيث أخبره الأطباء بأن عضلة القلب لديه ضعيفة، ولولا ذلك لاستمر إبراهيم في تبرعه السخي بدمه.

غسان خروب