كثيرون هم الذين لا يعرفون عالم المعاقين، ولم يفكروا مرة واحدة بالاقتراب منه، وبالتأكيد أنهم يختلفون عنا في كل شيء، حتى في طريقة تعاملهم مع بعضهم البعض، ولا أنكر أن أكثر ما فاجأني أثناء وجودي في الصف الرابع بمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة لمقابلة إبراهيم درويش، إنهم متعاونون فيما بينهم في كل شيء، فقد تزامن وجودي في المركز مع وقت إفطارهم، ليبدأ الطلبة بالتحرك في كل صوب، ومن الواضح أن كل واحد منهم يعرف دوره جيداً.
فقد تحلقوا جميعا حول طاولة واحدة وتناولوا الطعام بهدوء، جميعهم رددوا بصوت واحد «بسم الله الرحمن الرحيم»، بعد أن نطقها أحدهم بصوته الجهور، وما كادوا أن ينتهوا حتى أعادوا كل شيء إلى موضعه كما كان سابقاً.
إبراهيم ورفاقه لم يتركوا شيئاً وراءهم يدل على أنهم كانوا يتناولون إفطارهم، بل نظفوا المكان وأعادوا ترتيبه مرة أخرى، في تلك الأثناء كنت قد قابلت معلم التربية الخاصة المسؤول عنهم، محمد سلطان والذي شرح لي طبيعة العمل في المركز بالإضافة إلى المراحل التي يمر بها طلبة المركز عموما.
لم أكد انتهي من حواري مع محمد حتى أطل علينا إبراهيم درويش الذي بدا هندامه مرتبا، مد إبراهيم يده لمصافحتنا وابتسامته الواسعة تغطي وجهه. أشياء كثيرة وجدتها في إبراهيم الذي يعاني من صعوبات في التعلم، ولكن مع الإرادة الصلبة يتغير كل شيء، حيث تمكن إبراهيم بإرادته الصلبة من التغلب على إعاقته التي ولدت معه، ليجيد حاليا استخدام الكمبيوتر وكذلك العزف على البيانو والقيام بأشياء عدة تجعله قادرا على تحمل مسؤولية نفسه.
التعامل مع الآخرين
من خلال حديثنا معه، اتضح لنا بأن إبراهيم متعلق جدا بالكمبيوتر، رغم أن التعامل مع حالة إبراهيم (18 عاما) عادة تكون بحسب عمره العقلي وليس الزمني، ولذلك يجب إتباع العديد من الطرق لتوصيل المعلومة له، وقد يكون تعلقه بالكمبيوتر قد أفاده كثيرا، فقد قاده للعمل في شركة بترول الإمارات الوطنية «اينوك».
حيث يمضي فيها على الأقل ستة أيام شهريا ويبدأ دوامه فيها من الصباح وحتى الساعة الثانية عشرة ظهرا، ويقوم بمساعدتهم في إدخال البيانات التي عادة تكون بالإنجليزية إلى جهاز الكمبيوتر.
ويقول لنا: إنه يحب العمل كثيرا ويحب مديره في العمل كثيرا، إلى جانب إنه يحب التعامل مع الآخرين هناك الذين تفهموا وضعه جيدا وفتحوا أمامه المجال ليتطور. ولإبراهيم هوايات عدة أبرزها العزف على البيانو الذي تعلمه على يد أحد أساتذته في المركز، ويقول أن والده قد اشترى له واحداً وهو دائم العزف عليه في البيت، وكثيراً ما يطلب منه أهل بيته أن يعزف لهم بعضا مما يعرفه.
ورغم صعوبات التعلم التي يعاني منها إبراهيم إلا أن كافة التقارير المكتوبة عنه من قبل أخصائيين يتابعون حالته وأقرانه أثناء خروجهم إلى العمل الميداني، تشير إلى أن مستواه يتقدم بسرعة، وأنه طالب جيد رغم إعاقته التي قد تقف حاجزا في وجه الكثيرين من أمثاله، فقد دأب إبراهيم على الذهاب كل يوم خميس إلى فندق رمادا للعمل فيه في قسم خدمة الغرف.
حيث يتعلم هناك كيفية تنظيف الغرف وترتيب الطاولات وطي مناديل القماش التي عادة تكون موضوعه بشكل جميل على الطاولات، وطرق وضع الأطباق والسكاكين والملاعق على الطاولة، إلى جانب أنه يقوم بفرز الأطباق والأكواب غير النظيفة في الصناديق المخصصة لكل واحدة منها، والعمل على تنظيفها وترتيبها، وحول ذلك يقول إبراهيم إنه سعيد جدا بعمله هذا، وهو يطمح إلى العمل مستقبلا في فندق، وذلك لسهولة العمل فيه وبسبب الجو المرح الذي يخلقه موظفو الفندق أثناء العمل.
سريع التعلم
أما معلمه محمد سلطان فقال عن حالته: تندرج حالة إبراهيم تحت إطار «صعوبات في التعلم»، ويوفر لهم المركز برامج تكاملية خاصة تتراوح ما بين متوسطة وشديدة، تشمل التطور الإدراكي واللغة والتواصل، ومهارات العناية الذاتية، والتفاعل الاجتماعي واللعب، بالإضافة إلى المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة.
وقد أنضم إبراهيم إلى معظم البرامج التي يقدمها المركز إلى جانب أنه طبق عليه التجربة العملية التي تعطي الطالب الفرصة للخروج إلى سوق العمل، والتعرف على المهن المختلفة وتجربة بعضها، وقد وجدنا بعد التجربة أن إبراهيم محب جدا للكمبيوتر وهو سريع التعلم، وقد استطاع أن يثبت نفسه في شركة «اينوك».
وكذلك في فندق رمادا الذي يعمل فيه حاليا، إلى جانب أننا وجدنا أن لديه متعة خاصة في العمل وكذلك إحساس بالمسؤولية وهو ما يوضح بأن لديه هدف يسعى إليه مستقبلا، وبحسب التقارير التي تصلنا من الأخصائيين المسؤولين عن متابعته أثناء عمله في الخارج، فهي تشير إلى وجود تقدم واضح في مستواه، وهو ما يدل على أن قدراته أصبحت أعلى بكثير.
وهناك العديد من المؤسسات في الدولة يمكن لها أن تستوعبه للعمل فيها، خاصة وأن هناك العديد من الحالات التي تشبه حالة إبراهيم تعمل في بعض المؤسسات، وأعتقد أن إبراهيم قادر على استيعاب أي عمل يوكل إليه خاصة وأنه يعتبر من أكثر الطلبة في الصف عملاً وحباً للعمل.
غسان خروب
