ارتبكت المعايير يوم أمس أمام محكمة أمن الدولة العليا أمام أمومة سيدة، تجاوزت القوانين الرسمية إذعانا لقانون أمومتها، ولم يملك أي من الحضور إلا أن يتعاطف معها، حتى القاضي وقبل أن ينطق بحكمه ناداها لتقترب من المنصة، ليقول لها أنه يصدقها، وأن قصتها وإن كانت أحاديث مرسلة إلا أنه تعامل معها بمنطق التعامل مع الأدلة، تقديراً لظروفها والحالة النفسية التي تعانيها ، فخفض الحكم، وإن لم يستطع أن يبلغها إياه أمام الناس حتى لاتفقد أعصابها وتنهار أمامهم.

فالحكم وإن كان قد خفض من 3 سنوات إلى3 أشهر، و«هي قد امضتهم بالفعل»، إلا أنه تضمن الإبعاد، والإبعاد هنا، وإن كان بنص الحكم هو إبعاد عن أراضي دولة الإمارات، إلا أنه في حقيقته إبعاد عن أبنائها، وهي التي فعلت ما فعلت وخالفت قوانين دخول الدولة فقط لكي تتمكن من رؤيتهم والعيش بالقرب منهم.

القصة بدأت عندما كانت تعيش هذه السيدة مع زوجها وأطفالها في الدولة، ولظروف مادية كانت تستدين المال لتعين زوجها على الأزمات المالية التي كان يواجهها الواحدة تلو الأخرى، وكانت الديون تتراكم عليها حتى لم يعد هناك من جدوى مالية لعملها، الذي كان دخله يذهب بالكامل لسداد الديون، فما كان من الزوج إلا أن اقترح قضاء الإجازة في موطنهم الأصلي، في إحدى الدول العربية، وهناك طلقها، وبحجة أنه يريد أن يأخذ الأولاد في جولة للترويح عن النفس، أخذهم إلى المطار حيث ركبوا الطائرة قادمين إلى أبوظبي.

وما جعل الأمر أكثر سوءاً أن جواز سفر أم أولاده كان معه أيضاً، واحتفظ به ليقطع عليها طريق العودة إلى الدولة، ويمنعها من اللحاق بهم، خاصة وأن إقامتها على الجواز، ومعاملات استخراج أخر واثبات أن لديها إقامة ستأخذ من الوقت ما يحرمها من العودة إلى أراضي الدولة، خاصة إن الزوج عمد إلى إلغاء الإقامة، فلم تجد سبيلاً للحاق بأطفالها سوى استخدام جواز سفر شقيقتها لتدخل به أراضي الدولة.

وهو ما حدث، بل إن أجهزة المطار لم تشك بها ولم توقفها، فجواز السفر صحيح والشقيقتان بينهما شبه كبير، ولكن والد أطفالها ، رفض استقبالها، ورفض أن يعطيها أطفالها، ما دمر روحها ، فانهارت وأصيبت باضطراب نفسي، ارتبك معه شعورها وإدراكها، وذهبت بنفسها للشرطة وسلمت نفسها وجواز سفرها معترفة بما اقترفت، طالبة أخذ أبنائها والعودة إلى موطنها.

و القانون وإن كان لا يعترف إلا أن لكل جريمة عقوبتها، وهو يسير بخط مستقيم رياضي بين السبب والنتيجة التي تتناسب معه ، ومع ذلك فإن القضاء من المهن التي لا يمكن أن يمتهنها الحاسوب، فالعدالة اشترطت أن يكون القاضي إنساناً أولا، ليربط بين السبب والنتيجة بروح الإنسان التي نفخها الله فيه من روحه، ولكي يكون من الممكن التوفيق ما أمكن بين القانون والعدل عندما تفترق بينهما الدروب، والقاضي الدكتور شهاب عبد الرحمن، الذي أصدر الحكم في هذه القضية، وإن كان استطاع ما أمكنه أن يقوم بهذا الربط الصعب، إلا أنه لا يستطيع تجاهل القانون، لا قانون دخول الدولة والإقامة بها، ولا قانون الأمومة والإنسانية، فخفض الحكم من 3 سنوات إلى 3 أشهر.

ولم يتمكن إلا من تضمينه الإبعاد، وهو ما قدرته المتهمة، وقالت إنها تعرف ما حظيت به من رحمة وتقدير لظروفها، ولكنها تمنت لو تضمن الحكم أي عقوبة بدل الإبعاد، لأنه يعني فراق الأبناء والبعد عنهم، وهي التي فعلت ما فعلت لتراهم وتعيش قربهم، ولكن لا حيلة في الأمر فالقانون هو القانون.

أبوظبي- إيمان كلش