الشيخ عمر السبيعي إمام وخطيب مسجد زعبيل الكبير التابع لدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي يبلغ من العمر 72 عاما، ومع ذلك فإن همته للتعلم والازدياد من العلم الشرعي والديني لم تفتر، فبدأ في دراسة العلوم الشرعية بالانتساب لكلية الإمام الأوزاعي بلبنان وحصل منها على درجة الليسانس ثم الماجستير في الدراسات الإسلامية والتي اختار لها موضوعا حيويا، وهو المقاهي وأثرها في المجتمع الإسلامي واتخذ مدينة دبي نموذجا للدراسة.

ويقول الشيخ عمر السبيعي: «بدأت بحفظ القرآن الكريم في سن الثلاثين وبعد أن حصلت على دبلوم ميكانيكا سيارات عملت معلما في أحد المعاهد الصناعية ببلدي سوريا لتصليح السيارات، ثم حضرت إلى الإمارات منذ 31 عاما وبالتحديد في العام 1979، وتم تعييني في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بوظيفة أمين صندوق وواعظ، إلا أن حبي للعلوم الإسلامية ورسالة الخطابة والإمامة جعلتني أبحث عن جامعة لمواصلة مسيرة العلم والتعلم ».

وأوضح أن اختياره لموضوع المقاهي وأثرها في المجتمع الإسلامي كان ضمن الأربعة بحوث التمهيدية التي يجب انجازها تمهيدا لرسالة الماجستير، وأشار عليه المشرف بأنه من الممكن التوسع في أحد هذه الأبحاث لتكون رسالة الماجستير، وفعلا وقع اختياره على موضوع «المقاهي» بسبب حيويته وانتشار ظاهرة المقاهي في بلدان العالم الإسلامي ودورها الإيجابي والسلبي على أفراد المجتمع.

وأضاف الشيخ السبيعي أن المقاهي انتشرت بشكل كبير في دبي وفي الدول العربية والإسلامية، واشتد الإقبال عليها في الآونة الأخيرة من جميع فئات المجتمع من الرجال والنساء والشباب والفتيات، وهي وسيلة لجمع الأصدقاء والشعراء والمثقفين والمفكرين، إلا أن لها أضرارها أيضا ومفاسد دينية مع «الشيشة والمعسل» الضيفان الدائمان فيها والتي حذر الأطباء من مخاطرها على الصحة.

وقال:« إن الدراسة فقهية واجتماعية وصحية وتوعوية للمجتمع المسلم ، وتتحدث عن شريحة من شرائح المجتمع التي اعتادت الجلوس على المقاهي، مع بيان لماذا أنشئت المقاهي وأغراضها وما الفئات التي ترتادها وماذا تقدم لهم المقاهي».

ويتذكر الشيخ عمر السبيعي وهو صغير السن وضع الناس الذين يجلسون في المقهى على كراسي من القش وأمامهم طاولات خشبية مستطيلة الشكل، ويتناولون الشاي والقهوة ويدخنون وتبدو عليهم علامات الفقر، وكان أغلبهم من كبار السن ، ويقول إن هذا المشهد حرك في نفسي الدافع لدراسة هذه الظاهرة والكتابة عنها خاصة وأن من أدمن الجلوس فيها يترك بيته وأولاده من أجل أصدقائه ويتحول ارتباطه بالمقهى إلى ارتباط شبه يومي ما يؤثر على عمله وضياع الساعات في أشياء غير مفيدة.

وقال:« إنني بدأت الرسالة بلمحة عامة عن ظهور المقاهي عند اليونان وعند المصريين وعند العرب في الجاهلية، والمقاهي في العصور الإسلامية وزمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين، والمقاهي في زمن الأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين والمماليك، ثم دراسة تطبيقية على المقاهي في إمارة دبي».

وأضاف:« أنه في الجاهلية وإذا اعتبرنا أن المقهى هو مكان اجتماع الناس لشرب القهوة واللعب والتسلية، فقد كانت هناك لقاءات عند العرب قبل الإسلام تشبه في ظاهرها لقاءات الناس في المقهى مثل لقاءات الناس في الأسواق والمجالس والأماكن العامة، وكان سوق عكاظ معروفا عند العرب يجتمع فيه الناس لتبادل السلع والمواد الغذائية والألبسة والمنافع، كما كان مركزا لنشر الثقافات ومسرحا للشعر سواء كان مدحا أو هجاء أو رثاء».

وعن المقاهي في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ السبيعي إن المقاهي لم تكن معروفة بالشكل الحالي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الناس يجتمعون في أماكن العبادة والأسواق وفي أماكن أخرى حسب الحاجة والمناسبات، فمنهم من كان يجتمع حول الكعبة المشرفة يطوفون بها ويقدسونها، وكانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم يطوف حول الكعبة ويقرأ القرآن عند البيت ويعيب على الناس عبادتهم للأصنام.

وكانت مجالس الصحابة رضوان الله عليهم محفوفة بالأدب والاحترام وحافلة بالخير وهم يعيشون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجواء الوحي وفيض الرسالة وعبق الدعوة إلى الله، ليترجموا تلك المجالس علما وحكمة يذكرون الله تعالى ويتقربون إليه بطاعته، وملتزمين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: مجلس يسفك فيه دم حرام، ومجلس يستحل فيه فرج حرام، ومجلس يستحل فيه مال من غير حق».

وقال إن المقاهي ظهرت على شكلها الحالي في زمن المماليك وبعد أن هزم قائد الجيش الإسلامي الظاهر بيبرس المغول في معركة عين جالوت، وأصبح سلطانا على مصر والشام وانتشرت المقاهي في عهده حيث كان الناس يتحدثون فيها عن سيرته الطيبة، وعرفت هذه المقاهي بالمقاهي الظاهرية وكانت قريبة من مسجدي الحسين رضي الله عنه والأزهر الشريف.

وكان القصاص يروون سيرته في المقاهي ويعتبرونها وسيلة من وسائل الترفيه في ذلك العصر، وتحول الظاهر بيبرس إلى بطل شعبي أسطوري له سيرته التي تحكى في المقاهي ويتداول الناس سيرته ليس في مصر وحدها وإنما في أرجاء البلدان العربية، وكان هذا دور المقاهي في نشر سيرة الشخصيات الإسلامية.

ويستطرد الشيخ السبيعي بقوله إن المقاهي ظهرت في العصر العثماني عندما اكتشفت القهوة وبدأ الناس يحضرونها من شرقي آسيا، ويصنعون منها البن ومشروب القهوة، ثم اتخذ البعض من الناس مكانا لشرب القهوة وتحولت المجالس العلمية والأدبية إلى مجالس للهو والتسلية، وانتشرت المقاهي في تركيا.

وتعتبر استانبول عاصمة الدولة العثمانية من أوائل المدن التي عرفت هذه الظاهرة وافتتح فيها مقهيان على يدي رجلين سوريين، وانتشرت منها إلى انحاء الدولة العثمانية ثم إلى تونس وعدن وبغداد والقاهرة، وبعد ذلك انتشر التبغ وانتقل شرب النارجيلة في عدة أماكن بتركيا ومنها استنبول وأنقرة، وفي القدس بسبب توجه السياح من المسلمين والمسيحيين إليه.

وعن المقاهي في دبي قال الشيخ السبيعي إن عددها وصل إلى 635 مقهى في نهاية عام 2007م، ما بين مقهى مرخص بمقهى فقط، وبعضها «مقهى ومطعم» والآخر «مقهى وكافيتريا»، ومشيرا إلى أنه ومن الدراسة الميدانية فإن فئة الشباب هي أعلى نسبة بين رواد المقاهي، وان نسبة الرواد من العزاب هي أعلى من نسبة المتزوجين، ويشكل الجامعيون أعلى نسبة بما يدل على أن نسبة الفئة المثقفة عالية.

دبي- السيد الطنطاوي