يرن هاتف المنزل المركون في زاوية الصالة، تلتفت كل منهن للأخرى يعلو الرنين، يطغى على صوت التلفاز، ولا يد تمتد لإسكاته، تطل إحداهن على الرقم الظاهر على الشاشة الصغيرة، «ردي فكينا من صوته»، «ردي انتي ..»، «أنا ما يخصني .. مب حقي .. إنتي ردي»، «أكيد حق أمج، يوم بتي بتشوفه..»، «اف ما لي مزاج أرد على أسئلة ربيعتها .. وين سرتوا؟ ووين ييتوا؟ ومنو ياكم؟ وشو غداكم؟ صدق متفيجه»..

تعود إلى أذهانهن صورة الهاتف وحكايات الصديقات، الحديث الممتد لساعات وحجج نقل الواجبات، والتعذر بالامتحان لاستراق أحاديث عن عوالم البنات، وطابور انتظار الخط المشغول، ورنين الخط الثاني، باتت صوراً تستدعي الضحك، «الحمد لله صدق ان الموبايل نعمة».

يبدو «الهاتف» الأرضي في المنزل كائناً غريباً هذه الأيام غير محبب في ظل اقتحام الموبايل لحياة الأفراد كباراً وصغاراً، فقد اقتصر استخدامه على مكالمات ضرورية، لطلب غرض من الدكان مثلاً، أو ثرثرة نسائية تستأثر بها الأمهات والجدات، غياب هاتف منزلي يلبي رنينه أفراد العائلة، باعد المسافات، وراكم مفهوم الاستقلالية المبكرة لهم، وأصبح من الضروري حتى يستجيب أحدهم، إجراء مكالمة على رقمه الخاص، أو الاكتفاء ب«المسج»، بينما هاتف المنزل جهاز لا يُلبي عصر السرعة.

* * *

تبقى العودة إلى حضن الذكريات عادةً لا بد من ممارستها بشكل دوري، لعل الوجوه أو الأشياء الغارقة في التفاصيل هي ما يوقظ تلك الرغبة، ويدفعها نحو المزيد من التساؤل عن غياب المشاعر، واختفاء الهيئة النضرة.

«المشط» رمز آخر لسلوك انحسر، فلا شيء يوحي بجدوى استخدامه هذه الأيام، بعد أن كانت جلسة تمشيط الشعر أساسية في صباحات الانطلاق إلى المدرسة، فمراهقات اليوم لا يُجدن تصفيف الشعر أو ترتيبه، أو حتى استخدام زيت الشعر، بالمحلي «مكشكشات»، في شيء يشبه التسريحة العشوائية، لا شرائط ولا مشابك، ولا حتى «عقوص»، البنات استغنين عن المشط، واستعضن عنه بالسشوار، والاستريتر، والحياة حلوة، و«مشي حالج».

* * *

في زحام الحياة تنسحب صور قديمة، وتختفي طويلاً.. ولا نشعر، نكتشف غيابها صدفة، وعلى عتبة الغياب، تنحني أحاسيس الطفولة والفرح كلها، وكأنها عادت للحياة من جديد.

الفريج في تلك الحكاية طرف، فوحده يشهد بعد عصر كل يوم مرور سيارة «المخبز»، وتهافت الصبية والبنات على شراء الكعك والمعجنات والعصائر.. أولاً، ثم الكبار ممن أراد الحصول على الخبز.. «واللي ما عنده فلوس .. يحط عالحساب».. راعي المخبز يحفظ الوجوه والبيوت، فهو جزء في نسيج العلاقات، التي يغزلها الفريج، وعليه الامتثال لقوانينها وأعرافها.

اليوم تغيب سيارة المخبز .. ولا يكتشف ذلك أحد، فالصور تتبدل على عجل، فصغار الأمس كبروا، وأبناء اليوم لا يعرفونها.

الهاتف .. والمشط .. وسيارة المخبز .. أشياء ساكنة، تختفي خلفها تفاصيل وحكايات متحركة، مليئة بالأصوات والمشاهد، غابت بمجرد اختفائها.

أمل الفلاسي