يعكس البحث العلمي طبيعة النهضة والتقدم في الدول ويرتبط بشكل كامل ومباشر باحتياجات المجتمع، وتعتبر الابحاث العلمية من أهم مؤشرات تطور الدولة، نظرا لأهمية دورها في تحفيز القطاعات الاقتصادية والإنتاجية ورسم سياساتها من خلال تقديم صورة واضحة لمختلف القطاعات في المجتمع حول الإشكاليات التي تتعرض لها وكيفية النهوض بها، وفقا لدراسات علمية تنعكس إيجابا على مؤسسات المجتمع الحكومية والخاصة كافة.

ويؤكد الأكاديميون أن عملية البحث العلمي تتطلب بنى تحتية ومراكز للأبحاث العلمية وتوفير موازنات بمشاركة من مختلف الجهات، وضرورة وجود الوعي الكافي في مجال أهمية البحث العلمي ومدى الحاجة إليه من قبل مختلف القطاعات الاقتصادية والمجتمعية عموما، مشيرين إلى غياب ثقافة البحث العلمي وأهميته وخاصة في العلوم الاجتماعية التي يعتبرها الكثيرون غير مقدرة، إلى جانب قلة المتخصصين في الأبحاث الاجتماعية بسبب النظرة العامة للشؤون الاجتماعية التي لم تنضج بعد.

غياب السياسات

ويقولون إن معظم الجامعات تفتقر أجندتها التعليمية إلى الابحاث العلمية، و غياب السياسات والقوانين والدعم المالي الذي يعرقل قيام الجامعات بدورها في عملية الابحاث العلمية التي لا يمكن أن تمولها الجامعات ذاتيا، وأن نسبة ما ينفق على البحوث العلمية ضعيف جدا ولا يمثل الطموح لخلق قاعدة بحثية ترتقي للمستوى المطلوب لتطور عمل الجامعات، إلى جانب عدم ربط البحث العلمي بالمجتمع واحتياجات التنمية والحرص بالبحوث الاكاديمية على أن تصب فقط في مصلحة الباحث أو مؤسسة التعليم العالي من دون أن يربط ذلك في احتياجات التنمية والتطوير في المجتمع .

ويشدد الدكتور عبدالله الشامسي مدير الجامعة البريطانية في دبي على غياب الدعم الحكومي للبحث العلمي في الإمارات، مشيرا إلى أن دور المؤسسات الخاصة والمجتمعية غائب تماما في هذا المجال وبالتالي فإن قضية الحصول على الدعم المالي من خارج الجامعات قضية شائكة وصعبة للغايةز

لذلك تعتمد الجامعات في الدولة على الدعم الذاتي بدرجة كبيرة ونحن في الجامعة البريطانية نشجع جميع أعضاء الهيئة التدريسية لدينا على التقدم بمقترحات لمختلف الجهات في الدولة للحصول على الدعم المالي للبحث العلمي، ونقدم لهم كل الدعم لأننا نعتبر أن البحث العلمي يشكل أولوية من أولويات الجامعة، كما نخصص 40 % من وقت أعضاء الهيئة التدريسية للبحث العلمي ويضيف: إن البحث العلمي في الدول المتقدمة يعتمد بشكل اساسي على الدعم الحكومي إلى جانب دعم المؤسسات الخاصة.

علاقة وثيقة

ويضيف أن هناك علاقة وثيقة ما بين ما تقدمه المجتمعات في المجال الثقافي والعلمي وبين البحث العلمي الذي يعكس طبيعة النهضة والتقدم في تلك المجتمعات، منوها بأن سياسات البحث العلمي في الدول المتقدمة لا تحددها الجامعات أو الجهات الخاصة وإنما تكون سياسة مركزية من قبل الحكومة وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الحكومة الاميركية تقدم الدعم للأبحاث العلمية في مجالات الفضاء وتقنية المعلومات والصحة والكثير من المجالات الأخرىز

وتقوم الحكومة بتحويل الأموال الضرورية لهذه الأبحاث من مواردها الذاتية التي قد تكون موارد طبيعية أو في بعض الحالات تقدم جزءا من أموال الضرائب التي تؤخذ من الجهات المختلفة وبالتالي فإن ضرائب الفنادق والمطاعم والسيارات يتم تحويل جزء منها لدعم ابحاث الفضاء وأمراض السرطان والعديد من المجالات الأخرى، وهذا الأمر يعكس حقيقة تقدم أميركا في مختلف المجالات العلمية .

ويشير إلى أنه لا توجد سياسات واضحة للبحث العلمي في الدولة لغاية الآن الذي لا يعتبر نبتة برية تنمو بشكل عشوائي منعزل وإنما ترتبط بشكل كامل ومباشر باحتياجات المجتمع، فما الذي يمنع في أن يكون لدينا مراكز أبحاث في التركيبة السكانية وقضايا التربية والتعليم التي توليها دولة الامارات أولوية في استراتيجيتها، ودراسة تأثير تعدد المناهج واستخدام اللغات الاجنبية على تحصيل الطلاب والمستقبل التعليمي لمجتمع الامارات.

وما الذي يمنع وجود مراكز ابحاث اجتماعية للمشكلات التي يعاني منها مجتمعنا المحلي، وأن يكون لدينا مراكز أبحاث في الصناعات البترولية والبتروكماوية أو مراكز أبحاث للبنى التحتية في الدولة. ويشير الدكتور الشامسي إلى أن الجامعات تضم هيئات تدريسية لديها الامكانات الفنية والمؤهلات العلمية للقيام بمختلف الأبحاث لكن غياب السياسات والقوانين والدعم المالي في هذا المجال يعرقل قيام الجامعات بدورها في هذا المجال .

بنى تحتية

من جانبه يقول الدكتور مثنى غني عبد الرزاق رئيس الجامعة البريطانية في دبي إن عملية البحث العلمي تتطلب بنى تحتية إضافة إلى مراكز البحث العلمي والباحثين وجميعها يحتاج إلى رصد موازنات كبيرة يصعب توفيرها بدون المشاركة من كافة الاطراف حكومية أو خاصة أو حتى اشخاص، ويضيف إلى ذلك عدم وجود الوعي الكافي في مجال أهمية البحث العلمي وضرورته من قبل مختلف القطاعات الاقتصادية ناهيك عن غلق الابواب مابين المؤسسات التعليمية وضعف التعاون فيما بينهم،وهذا ما يفسر غياب البحث العلمي .

وبالنسبة لمخصصات البحث العملي من ميزانية الجامعات في الدولة وهل تفي هذه المخصصات بالأهداف المطلوبة من البحث العلمي، يقول «الحقيقة لا تتوفر مثل هذه الارقام على مستوى الدولة إلا أنه و بشكل عام نسبة ماينفق على البحوث العلمية ضعيفة جدا ولا تمثل الطموح لخلق قاعدة بحثية ترتقي للمستوى المطلوب لتطور عمل الجامعات.وفيما يخص مجالات الابحاث العملية لا تتوفر لدي مثل هذه المعلومات بالنسبة للجامعات الخاصة والحكومية في الدولة» . ويرى الدكتور مثنى عبد الرزاق أن البحث العملي يعتبر أحد أهم معايير الاعتماد الاكاديمي للمؤسسات التعليمية، وهناك مساق دراسي يركز على طرق ومنهجية البحث العلمي يدرس في العديد من الجامعات .

ميزانية سنوية

ويؤكد سالم يوسف القصير نائب مدير الجامعة الأميركية في الشارقة للشؤون العامة أن تشجيع البحث العلمي هو جزء من استراتيجية الجامعة، باعتباره عاملاً رئيساً في التطور العلمي والأكاديمي لافتا إلى أن الجامعة تسعى لدعم حركة البحث العلمي في المنطقة، من خلال تعزيز علاقات التعاون بينها وبين مختلف القطاعات الإنتاجية والصناعات.

ويشير إلى أن الجامعة تدعم مشاريع البحث العلمي للأساتذة والطلاب فيها في مواضيع ومشاريع ذات أبعاد عالمية تشمل مجالات مختلفة، وذلك من خلال تخصيص ميزانية سنوية لذلك،حيث يعكس هذا الاهتمام بالبحث العلمي سعي الجامعة نحو تعزيز ارتباطها وتفاعلها مع المجتمع وتكريس خبراتها الأكاديمية العالمية في إيجاد الحلول الملائمة للمشكلات التي تواجه مختلف قطاعات المجتمع. ويوضح أن الجامعة أنشأت صندوقاً لدعم الأبحاث الأكاديمية لأساتذتها الجدد تشجيعاً لهم على الاستمرار في البحوث العالمية التي تركز على إيجاد حلول للمشاكل الميدانية في منطقة الخليج.

ويلفت إلى السمعة الأكاديمية المتميزة التي وصلت إليها الجامعة الاميركية في الشارقة كرائدة للتعليم العالي على النمط الأميركي في المنطقة، أبدت الجامعة الأميركية في الشارقة اهتماماً متزايداً بالبحوث العلمية لأساتذتها وطلبتها، وباجتذاب أعداد متزايدة من العلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم لحضور المؤتمرات العلمية المتخصصة التي تعقدها في حرم الجامعة على مدار العام.

وللدلالة على الأهمية التي توليها لتطوير البحث العلمي لديها خصصت الجامعة ميزانية لدعم مشاريع البحث العلمي للأساتذة والطلاب فيها في مواضيع ومشاريع ذات أبعاد عالمية تشمل مجالات مختلفة منها تعليم الإنجليزية، والإعلام العربي، والطاقة البديلة والسيطرة المرورية في الشارقة والطائرات التي يتم التحكم بها عن بعد وغيرها.

ويعكس هذا الاهتمام بالبحث العلمي سعي الجامعة نحو تعزيز ارتباطها وتفاعلها مع المجتمع وتكريس خبراتها الأكاديمية العالمية في إيجاد الحلول الملائمة للمشكلات التي تواجه مختلف قطاعات المجتمع. كما أنشأت الجامعة صندوقاً لدعم الأبحاث الأكاديمية لأساتذتها الجدد تشجيعاً لهم على الاستمرار في البحوث العالمية التي تركز أيضاً على إيجاد حلول للمشاكل الميدانية في منطقة الخليج.

كما تهتم الجامعة بالتأهيل الأكاديمي للطلبة، وتوليه أهمية خاصة لصقل مواهب الطلبة في مختلف المجالات، الأمر الذي أسهم في إبراز مكانة الجامعة الأميركية في الشارقة على المستوى المحلي والخارجي على الصعيد الحضاري والثقافي، ويدرس في الجامعة طلبة من أكثر من 80 جنسية مختلفة وتعكس نشاطاتهم اللاصفية المعالم الحضارية للدول التي يمثلونها، وتسهم هذه النشاطات في تنمية التفاعل الاجتماعي بين الطلبة وتعكس صورة واقعية للجامعة وما تقدمه وتهتم به من حياة طلابية غنية.

نوع من التجني

وفي معرض تعليق للدكتور عبدالله النجار رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجية حول غياب البحث العلمي في المؤسسات التعليمية في الدولة، يشير إلى أنه لا يمكننا القول ان البحث العلمي غائب في دولة الامارات فهذا نوع من التجني، ولكن يمكننا القول بأنه لا توجد استراتيجية تعبر عن أغراض واضحة للبحث العلمي في الدولة ،ومشكلتنا دائما تتمثل في عدم ربط البحث العلمي بالمجتمع واحتياجات التنمية والحرص بالبحوث الاكاديمية التي تصب فقط في مصلحة الباحث أو مؤسسة التعليم العالي من دون أن يربط ذلك في احتياجات التنمية والتطوير في المجتمع.

ويضيف ان جميع الجامعات المتقدمة اسست لخدمة المجهود العسكري أو المجهود الصناعي والتنموي ، أما جامعاتنا في الوطن العربي فقد اسست لضخ أعداد كبيرة من الخريجين تلبية لاحتياجات المجتمع من الكفاءات الماهرة وهي تقوم بهذا الدور، بينما الغرض الحقيقي من تأسيس الجامعات والذي يتمثل في الإطار المتكامل للتنمية ، فللأسف يغيب عن جامعاتنا.

ونلاحظ، والكلام للدكتور النجار، أن هناك رغبة واضحة في الامارات لتصحيح هذه المعادلة إلا أن ذلك سيتطلب تعديلا أو تحويرا في ثقافة ممارسة الأداء الأكاديمي، والأداء البحثي إضافة إلى توفير الموارد والامكانات اللازمة لذلك.

و المعلوم أن الاستاذ الجامعي الباحث يواكب التقدم العالمي والعصري في تخصصه مما يساهم في تهيئة خريجين متناسقين ومتطلبات العصر، أما الاستاذ غير الباحث فما هو إلا ناطق يكرر ما تلقاه قبل عشرات السنين من العلوم البائتة والتي لا تساير التقدم الحاصل في العالم.

والحقيقة أن الاعتماد على الدعم الحكومي للبحث العلمي ليس هو النقطة المحورية هنا، وإنما على الجامعات والمؤسسات البحثية أن تثبت صلاحيتها وقدرتها على خدمة القطاعات الأخرى في المجتمع،حينها ستسهم هذه القطاعات في تشجيع ودعم البحث العلمي، فإذا اقنعناهم أننا كباحثين عبارة عن قوة مناسبة وداعمة لهم لن يترددوا في الإقبال على بحوثنا ودعمنا، لكن إذا وجدوا أنهم يقدمون الدعم المادي الكامل للباحثين وأن الأبحاث المقدمة ليست سواء بحوث نظرية غير فاعلة فإنهم لن يغامروا في تبديد أموالهم على أشياء فاضية لن تفيدهم.

قلة التعاون

ويعتقد الدكتور بشير شحادة نائب رئيس جامعة عجمان لشؤون المتابعة والتحديث والتطوير أن كافة الجامعات الحكومية والخاصة في دولة الإمارات تضم أساتذة من خريجي أعرق الجامعات في العالم، وهم في الأصل أساتذة باحثون ناجحون لهم إنتاج منتظم في مختلف حقول البحث العلمي يتم نشرها وعرضها في الملتقيات العلمية والمجلات العالمية ، وأن أغلب الجامعات تشجع على البحث العلمي ونشره وتشجع أساتذتها على المشاركة في المؤتمرات المتخصصة، علاوة على هذا، فإن معايير هيئة الاعتماد الأكاديمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تشدد على ضرورة التزام الجامعات بتخصيص ميزانية لأنشطة البحث العلمي، غير أن الملاحظ هو قلة التعاون المشترك بين الجامعات وبين الشركات والمؤسسات الاقتصادية بهدف دعم الجهود البحثية وتوفير الموارد والخبرة اللازمة لها.

ويضيف إن الإمارات دولة فتية وعمر الاتحاد لا يتجاوز أربعين عاما، وقد ركزت قيادة البلاد الحكيمة منذ البداية على بناء مؤسسات الدولة الحديثة، فاحتلت مؤسسات التعليم العام والتعليم العالي مكانا محوريا ضمن استراتيجية الدولة الرامية إلى بناء دولة عصرية ومنتجة، وفي غضون سنين معدودة أصبحت في الإمارات 66 مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي كلها معتمدة من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأصبحت محط أنظار الطلبة في كافة أنحاء العالم، لذلك أرى بأنه من المبكر الحكم بأن البحث العلمي في الدولة ليس بذلك المستوى، وأعتقد بأن المبادرات المختلفة على مستوى الدولة تبشر بحركة نشطة في البحث العلمي في المستقبل القريب.

ويشير إلى أن البحث العلمي هو أحد الركائز المهمة في اعتماد الجامعات في الدولة على مستوى درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه وهذا وارد في كتاب معايير هيئة الاعتماد الأكاديمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، حيث تركز لجان تقييم الجامعات والبرامج الأكاديمية على خطط الجامعات في البحث العلمي وعلى نشاط أعضاء هيئة التدريس والطلبة في مجال البحث العلمي.

ويذكر أن معظم الجامعات، إن لم تكن جميعها، تدرس مساق مناهج البحث العلمي، والذي يتم فيه تدريس مفهوم البحث العلمي وخصائصه ومناهج البحث المختلفة وفلسفة البحث العلمي وإعداد مخطط البحث، وكيفية جمع البيانات واستخدامها، ومفهوم البحوث النظرية والبحوث التطبيقية والبحوث التجريبية. ويلفت إلى أن هناك علاقة وثيقة بين البحث العلمي وجودة التعليم العالي، حيث ان البحث العلمي الناجح ما هو إلى ترجمة ملموسة لتعليم عالي الجودة، فلا يمكن لأي جامعة أن تطور من أداء برامجها الأكاديمية وجودة مخرجاتها إن هي لم تهتم بمجال البحث العلمي، كما أن كل جامعة تفرط في هذا الميدان فإنها تفوت على نفسها فرصة حقيقية للتطوير وتحسين جودة برامجها ومخرجاتها.

ثقافة غائبة

الدكتورة إيمان جاد استاذ التربية الخاصة في الجامعة البريطانية في دبي تقول إن سبب ندرة الأبحاث العملية في الدولة يرتبط بغياب ثقافة البحث العلمي وأهميته وخاصة في العلوم الاجتماعية التي يعتبرها الكثيرون غير مقدرة ، إلى جانب قلة المتخصصين في الأبحاث الاجتماعية بسبب النظرة العامة للشؤون الاجتماعية التي لم تنضج بعد، حيث يعتقد ان البحث العلمي يقتصر على مجالات الطب والهندسة وغيرهما من التخصصات العلمية في وقت نحن في أمس الحاجة إلى البحث في قضايانا الاجتماعية مثل التشرد، العنف المدرسي أو الاسري .

ويرى الكثير ممن يتكلمون عن المجالات الاجتماعية ومع ذلك نجد أن الأبحاث في هذه المجالات غائبة، ونعتمد على ابحاث معلبة وجاهزة جاءتنا من بيئات مختلفة عن بيئتنا والشريحة التي تمت عليها الدراسة مختلفة، ولا تنطبق تلك الدراسة على أي شريحة من مجتمعنا وتختلف مشكلاتنا كليا عن مشكلات المجتمع الذي استوردنا منه البحث. والحقيقة أننا بدأنا نرى مؤخرا بعض الجهات الداعمة للأبحاث ولكنها لا تزال دون مستوى الطموح وثمة غياب شبه كلي لدور المؤسسات الخاصة في دعم الأبحاث العلمية، رغم أن البحوث العملية مهمة جدا في أي مجتمع كونها تعطي دلائل وقرائن للمشكلة التي يتطرق لها البحث وتسهم في رسم سياسات معينة نتيجة لتلك الدلائل.

تحدٍ قيادي

ويشير الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الالكترونية إلى أن التحدي القيادي والريادي للجامعات هو أحد التحديات التي تواجه التعليم العالي في الدولة، إذ مع كثرة مؤسسات التعليم العالي في الدولة لا توجد لدى معظم الجامعات في الدولة أجندة للبحث العلمي الذي يعتبر معيار التقدم الريادي والقيادي لجامعاتنا، لافتا إلى أنه مؤخرا وبعد الجهود الكبيرة التي بذلها معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التعليم العالي والبحث العلمي، رأت اللجنة الوطنية للبحث العلمي النور، وعلى الرغم من ذلك فإن المشوار أمامنا لا يزال طويلا في عملية نشر ونقل المعرفة من وإلى جامعاتنا، فالريادة في الجامعات تأتي بعدد الدوريات العلمية التي تمتلكها ومقدار المخزون المعرفي التي تصدره إلى العالم.

ويتساءل الدكتور العور، أين أعضاء الهيئات التدريسية في جامعاتنا من الجهود البحثية في مسألة البحث العلمي، ولماذا الوثيقة الوطنية لمجلس الوزراء لا يعطى تنفيذها والإشراف على تنفيذها لتحالف الجامعات الوطنية بما تمتلكه من عقول ومهارات، ولماذا أعضاء الهيئات التدريسية في جامعاتنا أصبحوا خبرات متراكمة داخل الجامعات، ونأتي بشركات استشارية من خارج الدولة وجامعاتنا فيها عقول استشارية كبيرة تستحق الالتفات إليها والأخذ برأيها؟ .

والحقيقة لم أسمع حتى الآن أن مؤسسات التعليم العالي لدينا شاركت في تطبيق الوثيقة الوطنية لمجلس الوزراء، وأين مساهمتها في تطبيق هذه الوثيقة، التي تعتبر وثيقة محفزة وتتضمن أجندة وطنية وتحتاج إلى الكثير من العقول الموجودة في الجامعات الوطنية لتنفيذها.

ويدعو العور إلى قيام تحالف للجامعات الوطنية للمساهمة في تطبيق الوثيقة الوطنية لمجلس الوزراء كونها تمتلك كوادر بشرية لديها امكانات فكرية وعلمية تسخرها في تطبيق هذه الوثيقة، إلى جانب التجديد في أساليب التعليم العالي في الدولة. وينوه إلى أن التعليم الالكتروني والانفجار المعرفي وضع الجامعات أمام مفترق طرق في تشكيل صورة مغايرة لجامعات المستقبل، ونحن أمام تحديات حقيقية، فجامعات المستقبل يقدوها من يجلس في كرسي القيادة وهو الطالب،ولا تزال جامعاتنا تقليدية في تعليمها، والطالب بعيد كل البعد عن المشاركة في التخطيط ووضع الاستراتيجيات ،ففي جامعات المستقبل الطلاب يحددون تشكل الجامعة التي يريدونها ،وعلى الرغم من أن البيئة التعليمية في الدولة تمتلك المقومات أن يتجه لها الناس وأن تكون قبلة تعليمية تحتاج إلى جهود حثيثة لتخطي هذه التحديات الأنفة للذكر حتى نكون مركز اشعاع تعليمي يقصده الجميع .

أداء سلبي

أشار تقرير المعرفة العربي للعام 2009 الذي اصدرته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والمكتب الاقليمي للدول العربية ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تدني نسبة ما تنفقه الدول العربية على البحث العملي والتطوير يؤثر سلبا على الأداء الابداعي العربي كما وكيفا فضلا عن ضعف تأثيره ومحدودية نتائجه التطبيقية، كما أنه وعلى الرغم من التوصيات الرسمية العربية المتكررة لتجسير الفجوة بين نظام البحث العملي والمشروعات التنموية، إلا أن الواقع يشي بضعف ترجمة هذه التوصيات إلى واقع عملي.

ووفقا للتقرير فان القضايا المطروحة حول البحث العلمي في الوطن العربي لا تقتصر على غياب البنى المؤسسية أو ضعفها، أو نقص العاملين فيها، وإنما تشمل ضعف التنظيمات الإدارية والأطر القانونية ذات العلاقة، الأمر الذي ينعكس على كفاءة وفعالية هذه المؤسسات ،وأنه تبقى معوقات التمويل وعدم توافر فرص العمل المحفزة للباحثين من أسباب ضعف منظومة البحث العملي في أغلب الدول العربية إلى جانب ندرة الدعم الذي تقدمه قطاعات الانتاج والخدمات العامة والخاصة .

إنفاق

3.0%

ذكر تقرير المعرفة العربي للعام 2009 أن معدل الانفاق على الابحاث العلمية في معظم الدول العربية لا يتعدى 3. 0 % من الناتج الاجمالي، باستثناء تونس والمغرب وليبيا التي يصل فيها معدل الانفاق إلى 7. 0 % ،بينما يصل إلى 8. 3 % في السويد و68. 2 % في الولايات المتحدة الاميركية و51. 3 % في فنلندا و18. 3 % في اليابان، ومن النادر أن يقل عن 8. 1% في الدول الأوروبية أو الآسيوية الناشئة.

د.سامي محمود : مخصصات البحث العلمي تعود إلى الدول في شكل عوائد استثمارية

أكد الأستاذ الدكتور المهندس سامي محمود مدير جامعة الشارقة أن البحث العلمي في الوطن العربي ما زال ضعيفا ويحتاج إلى توفير بنية تحتية وتفرغ من قبل الهيئات التدريسية وبيئة مشجعة، وأكد أن بعض الدول الناجحة اقتصاديا تخصص نسبة مهمة من ميزانياتها لدعم البحث العلمي لتعود عليها على شكل عوائد استثمارية، وأن في كثير من الدول الغربية هناك تفعيل حقيقي لنتائج البحث العلمي يثمر عوائد اقتصادية تعود لتضخ في البحث العلمي بمبالغ أكبر مشيرا إلى أن هذه حلقة مغلقة في العالم المتقدم ومفقودة في عالمنا العربي وتحتاج إلى وعي صناع القرار في هذا الجانب.

وقال الدكتور سامي محمود إن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الرئيس الأعلى للجامعة يولي البحث العلمي اهتماما كبيرا لأنه رجل علم وفكر ومعرفة بالمقام الأول، وفي هذا امتياز خاص لجامعة الشارقة التي يحقق لها صواب التوجيه والإرشاد ودقتهما واستراتيجيتهما وحكمتهما، فضلا عن سعة الدعم والرعاية، لذلك وعندما أطمأن سموه إلى البنية التحتية الحديثة والمتكاملة للبحث العلمي التي أنشأها بسخاء في جامعة الشارقة، ووجه بإعداد اللوائح والنظم التي تدعم البحث العلمي فيها، لم يقف سموه عند هذا الحد بل طاف دولا عديدة في العالم وتعاقد مع أهم الجامعات والمعاهد والمراكز العلمية العالمية العريقة ومنها بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكندا وأستراليا ، وغيرها الكثير.

وأجرى معها التعاقدات العملية والمحكمة على تنفيذ البحوث العلمية المشتركة مع جامعة الشارقة بمعظم ما تطرحه من علوم وخاصة التطبيقية منها، وفي جميع هذه التعاقدات هناك ثمة نصوص تحفظ حق العلماء والباحثين في جامعة الشارقة الأدبي والإبداعي في أية إنجازات علمية يتم التوصل إليها جراء هذه البحوث، كما أشار إلى اتفاقيات في مجالات البحث العلمي أنجزتها الجامعة مع مؤسسات علمية وطنية كبرى مستشهدا باتفاقية الجامعة مع مصانع جلفار للأدوية.

والتي قال ان من شأن عائداتها من الإنجازات البحثية العلمية أن تؤدي دورا وطنيا على درجة كبيرة من الأهمية في تقديم الأدوية أو الحلول الطبية لبعض الأمراض التي باتت تشكل ظاهرة مقلقة في مجتمع الإمارات كمرض السكري، مشيرا إلى ان الجامعة تقدم خدماتها البحثية في مجالات الأسرة والمجتمع والطاقة والقانون وغيرها من العلوم الإنسانية الأخرى، وأكد بأن جامعة الشارقة تشجع وتعوّل وإلى حد كبير على دعم الأبحاث العلمية الطلابية وخاصة في برامج البكالوريوس والماجستير.

2 مليون درهم سنويا لدعم الأبحاث من جائزة حمدان للعلوم الطبية

أكد عبد الله بن سوقات المدير التنفيذي لجائزة الشيخ حمدان للعلوم الطبية على أهمية دعم الابحاث العلمية، وتشجيع الباحثين العاملين في الجامعات وغيرها من المؤسسات الصحية في الدولة، لافتا الى جائزة العلوم الطبية وبناء على توجيهات سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية تقوم بتقديم 2 مليون درهم سنويا لدعم الابحاث العلمية، لافتا إلى أن اجمالي ما قدمته الجائزة منذ انشائها عام 1999 ولغاية الدورة السابقة وصل إلى 20 مليون درهم .

وحول طريقة وآليات اختيار ودعم الابحاث قال الدكتور سهام الدين كلداري رئيس لجنة دعم البحوث بجائزة حمدان للعلوم الطبية،ومساعد عميد كلية الطب بجامعة الإمارات لشؤون الأبحاث والدراسات العليا إن اختيار الابحاث يتم من قبل لجنة من المحكمين الدوليين وفقا للمعايير الدولية،لافتا إلى أن اللجنة لديها الشفافية والحيادية الكاملة في الاختيار والتحقق من إمكانية تطبيق تلك الابحاث على أرض الواقع، حتى لا يتحول البحث بعد إنفاق الكثير من المال والجهد والوقت عليه إلى مجرد أوراق ملقاة في الأدراج بلا فائدة تعود منه على المجتمع.

وأضاف بمجرد اختيار البحوث تقوم الجائزة بتمويل كافة النفقات التي يطلبها الباحث بداية من رواتب المساعدين، والمواد الكيمائية، والأدوية، والمعدات، وصولاً إلى الأجهزة اللازمة لإجراء البحث.

وأوضح الدكتور كلداري أن الجائزة تمول البحوث العلمية الطبية بحد أقصى مائتي ألف درهم للبحث الواحد لضمان إجراء أكبر عدد ممكن من الأبحاث والخروج بالنتائج المرجوة منها لتشكل هذه النتائج فيما بعد البنية التحتية التي ستبنى عليها العديد الأبحاث الطبية في المستقبل القريب والبعيد.

وفي هذا العام تناولت الأبحاث المختارة العديد من الأمراض المنتشرة في دولة الإمارات بالبحث والتحليل، ومنها بحث خاص بالآثار الصحية للتلوث الجوي على الجهاز الرئوي والقلب والدورة الدموية بالإضافة لبحث خاص بابتكار أسلوب علاجي جديد لعلاج مرض السكري وذلك من خلال استخدام مكونات جديدة مماثلة للبريدميدين كمنشط لمستقبل الأنسولين.

وأشار إلى أن الفائدة من إجراء البحوث لا تقف عند هذا الحد بل تتعداها إلى أبعد من ذلك بكثير، فالباحث لا يعمل بمفرده بل يتعاون معه فريق من الطلبة والممرضات والأطباء والذين يحصلون من خلال عملهم في تلك الابحاث على قدر لا بأس به من التدريب والخبرة كل في مجاله، وهذا ما تدعو إليه ثقافة التطوير والابتكار التي تنتهجها دولة الإمارات.

تحقيق ـ وائل نعيم - الشارقة ـ نورا الأمير