شهد قطاع التعليم العالي في الدولة تطورات ملحوظة على مدى السنوات الماضية سواء على مستوى النوع أو الكم، حيث يحظى هذا القطاع باهتمام كبير من قيادات الدولة لما له من دور في الوصول إلى الاقتصاد المعرفي التي تعول عليه الدولة كثيرا في تحقيق التنافسية على المستوى العالمي.

ويحظى هذا القطاع باهتمام متواصل من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الذي يرى في التعليم « أهم ركائز البنية الأساسية في أي مجتمع حديث» كما أكد على ذلك أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة مشددا على أنه لا يمكن للمجتمع أن يتقدم أو يتطور دون أن تكون بنية التعليم قوية وفاعلة وقادرة على التعامل مع جميع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

ودعا معاليه في وقت سابق إلى ضرورة أن نتحاور وبجد واستمرار حول قضايا التعليم، كما أكد معاليه أن التعليم العالي في الدولة ومع أنه نجح نجاحا كبيرا في تحقيق مهامه إلا أن هناك مشكلات وتحديات وصعوبات مهمة لا تزال قائمة.

وفي هذا الإطار تطرح «البيان» أبرز قضايا التعليم العالي في الدولة للحوار مواكبة للتوجهات في الاهتمام بهذا القطاع وأثره الكبير على تحقيق التنمية المستدامة.

التطبيق العملي في البرامج التي تطرحها مؤسسات التعليم العالي وربط الجانب العملي بالجانب التطبيقي، قضية غاية في الأهمية كما ظهرت من آراء الأكاديميين.

وتباينت هذه الآراء حول من يجب أن يقدم هذا التدريب للطلبة. وفي حين ذهب البعض إلى أن عددا قليلا من المؤسسات نجحت في تخريج طلبة قادرين على التعامل مع متطلبات السوق، قال آخرون ان معظم الجامعات والمعاهد تعتني بهذا الجانب.

«البيان» بدورها استطلعت آراء طلبة 3 جامعات حكومية وخاصة في الدولة من خلال استبيان تقصى نظرة الطلبة إلى تخصصات المؤسسات التعليمية، ومدى ارتباطها بمتطلبات سوق العمل ومساحة التعليم التطبيقي في هذه المؤسسات، ومدى رضاهم عن مستوى الجامعات.

رسوم مرتفعة وشركات ربحية

وأظهرت عينة الاستبيان عدم اعتقاد الطلبة بوجود روابط مبنية على أسس صحيحة بين تخصصات ومناهج مؤسسات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، كما عكست النتائج النظرة السلبية لواقع التعليم الجامعي وما يحيط به.

وبينت العينة العشوائية التي تم اختيارها من تخصصات مختلفة عدم رضا الطلبة عن مستوى بعض الجامعات المحلية والعربية بشكل عام وإيمانهم الشديد وانبهارهم بما تقدمه الجامعات الغربية، وأظهرت بشكل واضح أيضا عدم منح التعليم العملي أهمية ومساحة بقدر ما تأخذ المساقات النظرية.

وطالب الطلبة بإيلاء التعليم المقرون بالتدريب العملي والاستناد إلى البحث والتقصي أهمية اكبر في مؤسسات التعليم العالي، وقالوا إن خلق بنية مستقبلية للاقتصاد الوطني الناجح لا يمكن لها أن ترى النور إلا إذا تم إكساب الطالب المهارات العملية خلال فترة الدراسة باعتبارها أول فرصة حقيقية يقترب فيها من سوق العمل.

فيما اجمع الطلبة على ان الرسوم الدراسية المرتفعة وتحول الجامعات إلى شركات ربحية «على حد تعبيرهم» أفقدهم الثقة في الناتج العلمي الذي يقدم لهم، مؤكدين أن اختيارهم للجامعات التي يدرسون فيها ليس بالضرورة أن يكون ناتجا لقناعتهم بها كمؤسسة تعليمية وإنما لأنها تتناسب مع دخولهم ليس إلا.

لاتوافق بين المخرجات وسوق العمل

السؤال الأول في الاستبيان كان حول مدى توافق التخصصات الدراسية ومخرجاتها مع متطلبات سوق العمل، وكانت النتيجة أن 80 بالمائة يعتقدون أن البرامج لا تواكب متطلبات السوق المحلي، إضافة إلى عدم حصول الطالب الجامعي على تدريب كاف يؤهله للعمل.

فيما أكد 20 بالمائة ان البرامج تواكب حاجة سوق العمل، لأنه سوق يبحث عن النمطية في الأداء وليس الإبداع، لافتين إلى ان الجامعات لا تدرس الاحتياجات المستقبلية للوظائف فيصبح هناك تشبع في مجالات معينة وعجز في مجالات أخرى.

ويرى 98 بالمائة من الطلبة أن الرسوم الدراسية مرتفعة وتشكل عائقا أمام الكثير منهم، مستغربين أن تصبح بعض الجامعات شركات تجارية تسعى إلى تحقيق عوائد ربحية دون النظر إلى مدى الضرر الذي يلحق بالطلبة ممن لم تمكنهم ظروفهم لدخول الجامعة أو الانقطاع لعجز في سداد الرسوم.

الغريب في الاستبيان إن 82 بالمائة أكدوا ان التدريب العملي حتى في التخصصات العملية كالهندسة لا يزال ضعيفا، وأن المساقات النظرية لها الحظوة والنصيب الأكبر في طرائق التدريس، فيما يرى 18 بالمائة أن التدريب في التخصصات العلمية كطب الأسنان والهندسة كاف والمختبرات مجهزة بصورة متكاملة، فيما يرى 77 بالمائة من العينة ان البيئة التعليمية غير قادرة على تخريج طالب مؤهل لان العلوم التي يتلقونها نظرية .

ولا تواكب متطلبات سوق العمل، لافتين إلى ان البيئة التعليمية لا تنظر إلى شخصية الدارس ولا تنميها كما أعادوا سبب عدم قدرة البيئة التعليمية على تخريج مؤهلين إلى الافتقار وضعف التدريب العملي.

وعدم مواءمة المناهج لبيئة العمل، أما 23 بالمائة من العينة فقد اعتبروا البيئة التعليمية في جامعاتهم مؤهلة لتخريج طلبة مؤهلين بسبب بنيتها التحتية وإمكانياتها، واعتبر جميع من استطلعنا آراءهم أن الجامعات الخاصة تحولت إلى مشاريع تجارية هدفها الربح المادي فقط والدليل الزيادة السنوية في الرسوم الدراسية دون أي مراعاة.

ضعف مزمن في البحث العلمي

وعن أسباب ضعف البحث العلمي أكد 98 بالمائة وجود ضعف مزمن في مجالات البحث العلمي، معللين ذلك بعدم الإيمان بجدوى البحوث العربية وفقدان الثقة بالمنتج العربي علاوة على ضعف الميزانيات المخصصة للدعم المادي، واعتبر 2 بالمائة ان هناك محاولات جادة من قبل الباحثين العرب لتحقيق امتيازات في هذا الجانب.

نتائج تتفق مع آراء الكثير من الأكاديميين، وتدفع في الوقت ذاته إلى البحث عن الأسباب، سواء فيما يخص نقص الربط بين التعليم النظري والتطبيقي أو حتى ضعف البيئة التعليمية ككل.

أول هذه الأسباب يتحدث عنها الدكتور عمر حفني رئيس جامعة دبي فمخرجات التعليم العالي في نظره تختلف بين جامعة وأخرى، ونجاح أو فشل أي مؤسسة تعليمية مرهون بنظامها الإداري والطريقة التي تدار بها المؤسسة، وعلى الرغم من أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تعتمد برامج وتخصصات الجامعات، إلا أن الإشكالية هنا في طريقة تنفيذ هذه البرامج، وترتبط جودة التنفيذ هنا بجودة مخرجات التعليم.

غياب الحافز الداخلي للطالب في التعلم

ويشير الدكتور الحفني إلى نقطة غاية في الأهمية تتعلق بالطالب نفسه فالطالب في بعض الأحيان لا يوجد لديه حافز داخلي للسعي على الحصول على أفضل تعليم ممكن، وهناك مجموعة من الطلبة يختارون الجامعات الأسهل، فالتخصص نفسه يختلف بين جامعة وأخرى وهذا يتعلق بجودة التعليم، والمطلوب وضع ضوابط تحقق حد أدنى من مخرجات التعليم، حتى نستطيع تخريج طلبة مؤهلين لسوق العمل.

الدكتور عصام نصر رئيس قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة، أشار بدوره إلى وجود محدودية للمصادر المعرفية داخل الدولة، حيث لا توجد قواعد معرفية مثل المكتبات الالكترونية وغيرها، ما يتسبب في محدودية الفرصة بالحصول على المصادر.

ويقول فيما يتعلق بالتدريس الجامعي «ليس كل استاذ يدرس في الجامعة قادر على الإيفاء باحتياجات الطلبة من التدريس، ولابد من وجود برامج لتأهيل اساتذة الجامعة على الاتصال والتواصل مع الطلبة بالشكل المناسب».

ويضيف إلى ذلك حاجة الاستاذ الجامعي للممارسة المهنية التي تسمح له بالربط بين الجوانب النظرية والتطبيقية، وفقا لما يتطلبه سوق العمل من احتياجات تختلف عن الجوانب النظرية التي تدرس في الجامعات.

وتشير الدكتورة بهجت اليوسف المدير المشارك في كلية دبي التقنية للطالبات إلى تحديات تواجه تخصصات بعينها، فأهم تحد يواجه تكنولوجيا المعلومات والعلوم الصحية والاتصال يتمثل في كيفية توفير الأجهزة المتطورة في ظروف التقنية الحديثة، فمثلا مختبرات العلوم الصحية بحاجة إلى تطوير مستمر ويكون ذلك من خلال صرف مبالغ باهظة.

التطبيق العملي يرتبط بالإمكانيات

وهذا بالضبط ما يشدد عليه الأستاذ الدكتور المهندس سامي محمود مدير جامعة الشارقة، فالتطبيق العملي يرتبط بالإمكانيات والجامعة التي لديها مختبرات علمية ومكتبات ومزودة بأحدث التقنيات يمكن لها إن تقدم أنشطة تدريبية متنوعة لطلبتها.

ويقول إن الجامعات التي تقدم تعليماً يضاهي التعليم الذي يتلقاه الطالب في جامعات العالم العريقة تكون حتما مدعومة حكوميا أو اجتماعيا لكي توفر الإمكانيات والبنية التحتية العلمية والبرامج التعليمية الحديثة والهيئات التدريسية المنتخبة، فيما أن الجامعات التي لا تحظى بأي دعم فتجدها متعثرة ولا تتوفر فيها بنية تحتية علمية أو بحثية أو لا صفية ولا مختبرات علمية وهيئاتها التدريسية تعمل في أكثر من جهة، وبأقل الإمكانيات المعملية.

وأكد أن الجامعة التي تواجه صعوبات اقتصادية لا يمكن لها أن تقدم رسالتها مطلقا، مشيرا إلى «أن جامعة تسعى إلى تحقيق الربح لا تقترب حتى مجرد الاقتراب من هذه الآفاق».

وفضل أكاديميون آخرون الابتعاد عن مقارنة البيئة التعليمية في مؤسسات الدولة بغيرها من الدولة، مشددين على أنها تعتبر من المؤسسات المتقدمة على مستوى المنطقة في هذا المجال.

تعليم عالي في مرحلة التطور

ويقول الدكتور طارق يوسف عميد كلية دبي للإدارة الحكومية إن نظام التعليم العالي بالامارات لا يزال في مرحلة التطوير، ومقارنته بالأنظمة في البلدان المتقدمة التي بنيت على أساسها نظم التعليم العالي في جميع أنحاء العالم لا يمكن أن تشكل مقارنة عادلة.

ومع ذلك، فقد حقق النظام التعليمي في الإمارات إنجازات تستحق الإشادة في فترة زمنية وجيزة، ولا زالت جهود تطوير التعليم مستمرة على قدم وساق لمواكبة الأساليب والممارسات الحديثة في العالم المتقدم، وقد تكون التحديات كثيرة ولكن الإمكانيات متوفرة والفرص المتاحة متميزة، ولذلك أستطيع أن أقول إن نظام التعليم العالي في الدولة يسير في الاتجاه الصحيح.

ويضيف: في دولة الإمارات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هي الجهة المسؤولة عن ضمان جودة البرامج التعليمية المقترحة التي تقدمها الجامعات وقدرتها على تحقيق مستويات عالية بغرض اعتمادها أكاديميا، وتواصل الوزارة المتابعة والإشراف على هذه البرامج لضمان الوفاء بجميع المعايير الاكاديمية، وبالتالي التأكد من أن التعليم المطروح في دولة الإمارات ذات مستوى أكاديمي عال.

ويوافقه الرأي الدكتور محمد عايش أستاذ الإعلام في كلية الاتصال في جامعة الشارقة، ويقول إن مؤسسات التعليم العالي في الدولة تتمتع ببيئات تعليمية متطورة، سواء على مستوى المرافق الدراسية والتدريبية أو أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، وجميعهم يحملون مؤهلات بمواصفات عالمية ولديهم خبرات واسعة ومتنوعة.

كما أن الجامعات قد استثمرت الكثير في بيئتها التعليمية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والمختبرات والقاعات الدراسية والمرافق الخدماتية المساندة، ونلاحظ أن أعدادا كبيرة من الطلبة المتخرجين من جامعات الدولة يعملون الآن في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يسهم في توطين الوظائف وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

سبب آخر بعيد عن البيئة التعليمية وراء قضية ضعف التأهيل العملي يتعلق بالطالب ذاته، وهو ما يتعلق بضعف مخرجات التعليم العام ما قبل الجامعة، وهو ما يتحدث عنه الدكتور عصام نصر رئيس قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة الذي يقول إن هناك حاجة إلى البرامج التأهيلية.

والتي يجب أن يكون جانب منها في مرحلة ما قبل الالتحاق بالجامعة، لأن مخرجات التعليم العام في الدولة ضعيفة ولا تتوافق مع متطلبات التعليم العالي ويحتاج الطالب إلى التأهيل قبل دخوله الجامعة.

ضعف مخرجات التعليم العام وعلاقتها بالتأهل لخوض غمار الدراسة الجامعية وايجابيات وسلبيات السنة التأسيسية ترصد «البيان» آراء الأكاديميين حولها في الحلقة المقبلة.

طلبة يتحولون عن رغباتهم لأنها مكلفة

أظهرت لقاءات خاصة مع عدد من الطلبة الذي يدرسون في كليات التقنية للتعرف عن قرب إلى أسباب اختيارهم لتخصصاتهم، أن بعضهم اختار التخصص لسماعه عن جدواه في سوق العمل، وأن آخرين تركوا التخصص الذي يرغبونه، لأن دراسته مكلفة ولا يطرح إلا في الجامعات الخاصة.

وقال عبد الرحمن أمين أحمد طالب يدرس في كلية دبي للطلاب في تخصص الهندسة الكهربائية إنه اختار دراسة التخصص من خلال منحة دراسية عن طريق هيئة كهرباء ومياه دبي، نظرا لأن التخصص مطلوب في سوق العمل.

وأنه كان يرغب في دراسة هندسة الميكانيك لكن الظرف المادي حال دون التحاقه بالجامعات الخاصة لدراسة الميكانيك، وعلى الرغم من ذلك فإنه اختار التخصص المناسب وفضل الدراسة في كليات التقنية العليا.

ويرى زميله صالح الطاهر الذي يدرس إدارة الاعمال وتقنية المعلومات أنه اختار هذا التخصص بتشجيع من الأهل وبسبب وجود فرص للعمل بعد التخرج، وكان يرغب في دراسة الإعلام وبعد سؤاله لأصدقائه الذين يدرسون الإعلام وجد أن وقت الدراسة طويل، وفيه ضغط كبير مما جعله يغير رأيه ويدرس الأعمال وتقنية المعلومات.

أما الطالب عبد العزيز ماجد يدرس سنة تأسيسية قال إنه يرغب في دراسة إدارة الاعمال وسبب اختياره لهذا التخصص توفر الفرص في سوق العمل بعد التخرج، وأنه لا يريد دراسة تخصص ما، وبعدها لا يجد وظيفة تتناسب مع مؤهله العلمي، وعلى الرغم من أنه كان يطمح لدراسة القانون لكن كلية دبي للطلاب لا يوجد فيها هذا التخصص الدراسي ففضل إدارة الأعمال.

ويقول الطالب مشعل المرزوقي إنه درس هندسة الميكاترونكس برغبة منه كونه خريج معاهد التكنولوجيا وعلى اطلاع بهذا التخصص، ويعزو سبب الاختيار إلى أن مجال الهندسة واسع ويتوفر له فرص عمل بعد التخرج، إضافة إلى ميزات الراتب الجيد مقارنة ببعض التخصصات الأخرى.

تحقيق ـ نورا الأمير ووائل نعيم - دبي ـ «البيان»