أصبحت تخصصصات العلوم الانسانية أشبه بأبراج عاجية مهجورة بعد أن التفت عنها غالبية الطلبة مقبلين على التخصصات التي تؤمن لهم لقمة العيش. وهذه حقيقة يمكن تبينها بسهولة من نظرة سريعة على احصائية صدرت عن هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي تكشف فيها أرقاما مهمة حول قطاع التعليم العالي في الامارة للعام الدراسي الحالي، ويمكن قراءاتها كنموذج عن بعض أوضاع التعليم العالي على مستوى الدولة بشكل عام.
1% فقط هي النسبة المفاجئة للطلبة الذين يدرسون تخصص التربية من بين مجموع الطلبة الاجمالي الملتحقين بالتعليم العالي في دبي.. وعددهم، أي الملتحقين بالتربية، 290 طالبا ينتسب 219 طالبا منهم لمؤسسات تعليم تابعة للحكومة سواء المحلية أو الاتحادية و71 طالبا لفرعي جامعتي اكستر وميدكس الدوليتين بينما لا تطرح أي جامعة خاصة هذا التخصص نهائيا، وهذه النسب مفاجئة على وجه الخصوص لأن هذا التخصص من التخصصات المطلوبة في سوق العمل المحلي.
وبالنظر إلى تخصصات أخرى ضمن العلوم الانسانية مثل تخصصات المجتمع والدين والقانون نجد أن نسبة المنتسبن لها تبلغ 15% من المجموع الاجمالي للطلبة، ويدرس الـ 5819 طالبا وطالبة هذه التخصصات في جامعات حكومة اتحادية ومحلية ( 2481)طالبا وطالبة، وفروع لجامعات دولية (100 )، و كلية الدراسات الاسلامية والعربية (3227) ، وكلية الامارات للادارة وتكنولوجيا المعلومات(11)، بينما لا تطرح الجامعات الخاصة الأخرى هذه التخصصصات.
كما ترصد الاحصائية 1814 طالبا وطالبة يدرسون تخصصات الإعلام والتصميم والفنون الإبداعية ويشكلون 5% من مجموع الطلبة الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي، وتحظى الجامعة الأميركية في دبي بنصب الأسد من هؤلاء الطلبة (678) طالبا وطالبة، ويدرس »304« طلاب وطالبات في 3 جامعات خاصة أخرى تطرح التخصص،في حين يتوزع الباقون وهم (832) طالبا وطالبة على المؤسسات التعليمية الحكومية وفروع الجامعات الدولية.
وبالتأكيد فان هذه النسب المفاجئة لبعض تخصصات العلوم الانسانية وغياب تخصصات مهمة في هذا المجال، وخصوصا عند مقارنتها مع مجالات أخرى، يهدد بـ (مأساة مستقبلية حقيقية)، كما تصفها الدكتورة حصة لوتاه استاذ مساعد في قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الامارات، وتشدد على أنها ستحدث ما لم يتم الالتفات اليوم في الدولة إلى العلوم الإنسانية، لأن من يعمل ويخطط ويقود المجتمع غالبا هم خريجو العلوم الانسانية، ولو استعرضنا قادة العالم.
فنجد أن معظمهم من خريجي العلوم الانسانية. وتزيد الدكتورة حصة في شرحها للمأساة نقطتين مهمتين لما سيحدث مستقبلا فإذا نظرنا إلى الجامعات التي تخصصت في مجالات التقنية أو التي تهتم في انشاء كادر تعليمي متوسط تحتاجه حركة العولمة، هذه المخرجات ستكون معرفتها ضحلة في العلوم الانسانية، كما أنه لو استمر الحال كما هو عليه الآن في جامعاتنا سنصل إلى فائض من خريجي التخصصات العلمية المتوسطة الذين لا يمتلكون خلفيات نظرية يستطيعون من خلالها التحرك في مساحات أكبر.
وتشير في هذا الصدد إلى نموذج الولايات المتحدة الاميركية موضحة أنه عندما طرح تقليص التخصصات في العلوم الانسانية هناك تبنت الفكرة دول وضعت نفسها في الدائرة الاميركية، واليوم هناك نقاش دائر هناك حول مدى الحاجة إلى دراسة هذه التخصصات. وفي جميع الأحوال فان الدولة، كما تقول الدكتورة حصة، تحتاج إلى كل التخصصات في مختلف العلوم ولا يجوز إهمال أي تخصص لصالح تخصص أخر فنحن بحاجة إلى علماء ومخططين ومعالجين لمشكلات مجتمعنا.
ويؤيدها في ذلك غالبية الأكاديميين، وفي مقدمتهم الدكتور عبدالله الخنبشي رئيس جامعة الامارات الذي يعتقد أنه من المهم جدا أن تتوفر في الامارات كليات لدراسة العلوم الانسانية في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة لان هذه الكليات تطور شخصية أفراد المجتمع من الجوانب الانسانية مثل دراسة التاريخ واللغات والفلسفة وعلم النفس.
ويتفق الدكتور الخنبشي والدكتور عصام العجمي نائب مدير جامعة الشارقة على أن الجامعات الخاصة لا تلفت إلى هذه التخصصات التي لا يقبل عليها الطلبة لأن مجال التوظيف فيها بعد التخرج محدود جدا، وإنما تدرس التخصصات المطلوبة في سوق العمل. وهذا أيضا ما تؤكده احصائية هيئة المعرفة.
وهو الأمر الذي لا ينفيه الدكتور عبد الرحيم الأمين رئيس جامعة الغرير الخاصة، ويقول معربا عن أسفه (لو نظرنا إلى طلابنا اليوم نجدهم يقبلون على التخصصات التي تؤمن لهم لقمة العيش بعد التخرج وعندما يختارون التخصص الذي سيدرسونه في الجامعة ربما يتعارض مع رغباتهم لكنه التخصص المجدي لهم في المستقبل، ولهذا نجد أن الإقبال على تخصصات العلوم الإنسانية يضمحل شيئا فشيئا كونها لاتفي باحتياجات الخريج بعد انهاء دراسته والتحاقه بالعمل، في ظل عدم وجود فرص لخريجي العلوم الانسانية).
أما الجامعات الحكومية، كما يقول الدكتور العجمي، فتعمل على خدمة سياسة التعليم في الدولة وتعتبر نفسها مسؤولة عن تعدد التخصصات لخدمة التنمية في الدولة لذلك تطرح جميع التخصصات. واذا كان من الصحيح أن توجهات الإمارات تركز على الاقتصاد والتكنولوجيا وتحتاج الى التخصصات العلمية، كما يذكر عيسى الملا المدير التنفيذي للكوادر الوطنية في هيئة المعرفة والتنمية البشرية، فان الدولة بحاجة كذلك إلى جميع التخصصات ومنها الأدبية والانسانية حتى ولو بحجم أقل، وفق ما يؤكد ويتفق معه بقية الأكاديميين.
ولكن في النهاية قد يكون السؤال الأهم الذي يطرحه الملا (ماذا نريد أن نعمل بعد التخرج من التخصصات الأدبية؟ وكيف يمكن الأستفادة من الوظائف المتوفرة في سوق العمل بحيث يمكننا الافادة مما درسناه بطريقة ايجابية؟). وقد تجيب التجربة المتميزة لجامعة الشارقة عن جزء من هذا السؤال، فهي كما يشير مديرها الأستاذ الدكتور المهندس سامي محمود، قامت بتطويع التخصصات النظرية وربطها بجوانب تدريبية كتخصص التاريخ الذي تم ربطه بالسياحة لتأهيل خريجي التخصص كمرشدين سياحيين.
وعلى الرغم من أن العلوم الإنسانية إذا نظرنا لها من ناحية الجدوى الاقتصادية، كما يقول الدكتور عبد الرحيم صابوني مدير جامعة الحصن، فهي غير مجدية، ولكنه يستدرك أن ثمة عوامل ترتبط بشكل كبير بمخرجات التعليم العالي مثل التطور الفكري والثقافي للأجيال المقبلة ويجب عدم اقتصار ربطها على سوق العمل، لافتا إلى حاجة الدول إلى الفلاسفة والعلماء في التاريخ واللغة العربية والرياضيات والجغرافيا وغيرها من التخصصات.
ومع أن الدكتور صابوني لا ينكر أن التعليم خاضع للعرض والطلب إلا أنه يشدد على أهمية البحث عن حلول تحافظ على بقاء الدراسات النظرية ضمن دائرة الضوء حتى لا يصبح معظم الخريجين من العلوم التطبيقية، فمن من دون علماء نظريين لن يطور التعليم أبدا وعملية النهوض بالتعليم مرهونة بوجود علوم إنسانية وليس علوما تطبيقية. إذن في رأيه لا بد من توفير موارد تعليمية للعلوم الإنسانية في الجامعات الحكومية ودعم تلك التخصصات في قطاع التعليم الخاص لتصبح برامج مجدية للطرح.
دبي ـ «البيان»
