فتح النوافذ لتجديد هواء الغرف المغلقة ليس معناه دائما دخول الهواء النقي، فهناك احتمال دخول التراب والذباب واللصوص، الشيء نفسه في المجتمعات المغلقة عندما تقرر أن تفتح أبوابها للتغيير والانفتاح فهناك أيضا احتمال دخول النصابين والسماسرة، يقدمون الأحلام والهدايا الملفوفة في ورق لامع جذاب وما إن تقترب منها حتى تكتشف مدى الخداع والسموم بداخلها، وليس هذا معناه غلق الأبواب والنوافذ بل اليقظة والحرص والحكمة.

وهذه تجربة حقيقية منقولة من مذكرات الصحافي البريطاني (لين باربير) في فيلم روائي طويل بعنوان «آن إديوكيشن ـ An Education» وترجمته تعليم، إنتاج العام الماضي ومدته (ساعة و40 دقيقة) يعرض حاليا في صالات السينما بالإمارات ورشحت بطلته كاري موليجان عن دورها فيه للحصول على أوسكار أفضل ممثلة لهذا العام، تدور أحداثه في عام 1961 حول الفتاة المراهقة «جيني» التي تبلغ من العمر 16 عاما، ذكية ومجتهدة في دراستها تحاول أن تتفوق لتحقق حلمها ورغبة والدها في أن تلتحق بجامعة أكسفورد، تلتقي ذات يوم مع «ديفيد» رجل أعمال من أصل يهودي يبلغ من العمر ضعف سنها، يعشق الموسيقى.

ويعرض عليها أن ينقذها وآلتها الموسيقية من هطول الأمطار الشديد، حيث تشتعل شرارة الإعجاب بينهما وتنطلق معه إلى عالم كانت تحلم به من معارض الفن والمزادات وموسيقى الأوبرا الكلاسيكية والبارات، وتسافر معه إلى باريس لتستمع إلى أغانيها الفرنسية المفضلة وتنغمس في شتى أمور الحياة وتجرب كل ما كانت تسمع وتقرأ عنه بالكتب أو من حكايات زميلاتها بالمرحلة الثانوية.

وشيئاً فشيئاً يتحول الإعجاب بينهما إلى حب يتخطى كل القواعد في ظل مجتمع محافظ وصارم وملتزم بقوانين ومحظورات، حيث تعكس المشاهد ما كان عليه المجتمع الإنجليزي في ستينات القرن الماضي وما حدث له من تغيرات ما زالت آثارها تاركة بصمتها إلى اليوم.

هل هذا هو كل موضوع الفيلم؟، أبدا.. فجرأة وقضية ما يطرحه يتعدى مفهوم الحب وبالتوالي مع ما يقدمه يفجر السؤال المهم عن مدى أهمية التعليم في صفوف الدراسة وهل تغني عن التعليم في مدرسة الحياة؟.

الفيلم ـ بنفس أسلوب السينما الواقعية ـ يتابع ما حدث ويستعرض نظرة متفحصة للمجتمع البريطاني، من خلال أداء كاري موليجان التي لعبت دور الفتاة الصغيرة وأجادت تمثيل جميع الانفعالات والحوارات للمراهقة التي تملك حس التمرد والبراءة معا، فرشحها صدقها للمنافسة على الأوسكار لكن ساندرا بولك اقتنصت منها الجائزة بفيلم «الجانب المظلم»، كما كان والد جيني (الممثل ألفريد مولينا) بأدائه الرائع مثال لشخصية الأب المتردد القاسي والمتزمت أحيانا نتيجة ظروفه المادية وانتمائه للطبقة المتوسطة والخائف على مستقبل ابنته.

لكنه يتغير تماما عندما يتقدم «ديفيد» ابن الطبقة البرجوازية للزواج من ابنته، فيضرب عرض الحائط برغبته وحلم ابنته في الالتحاق بجامعة أكسفورد، كما كانت الممثلة العملاقة (إيما تومبسون) معبرة في لقطاتها القصيرة كمديرة مدرسة صارمة، تعرف كيف تتعامل مع كل مشهد باحترافية عالية، خصوصا في مواجهتها لجيني عن جدوى التعليم والحصول على شهادات عالية، هذا بخلاف الصياغة الذكية للسيناريو في بناء الشخصيات وكل ما يتعلق بالحديث عن الثقافة والفن، أو عندما أخبرت جيني معلمتها أنها أصبحت أكبر ولكنها لا تشعر بالحكمة.

أو خلال مشهد ذهابها للمعلمة في بيتها طالبة منها مساعدتها في العودة مرة أخرى إلي صفوف الدراسة بعد اكتشافها حقيقة أن ديفيد متزوج وله ابنه. ويكمن أيضا سر جمال هذا الفيلم في صورته التي نجحت المخرجة الدنمركية (لون شيرفيج) في نقلها عن مرحلة الستينات داخل المجتمع البريطاني، فجاءت الملابس والديكورات والأغاني والمناخ العام متناسقا إلى أقصى درجة في مشاهد متلاحقة رصدت أدق التفاصيل في علاقة جيني بمن حولها من صديقاتها في المدرسة ومعلمتها ومديرتها ووالدها وحبيبها الذي يكبرها عمرا.

فيلم «آن إديوكيشن» أحد أهم وأجمل الأفلام المتبقية من عام 2009 والمتأخرة في وصولها إلي صالات السينما المحلية، هو عمل كلاسيكي ناعم عن قصة حب شائكة ومضمون جديد حول التعليم المكتسب من المدرسة والحياة وأيهما الأجدى والأكثر تأثيرا، يستحق بالفعل المشاهدة لأنه يذكرنا بما يحدث حولنا الآن.

أسامة عسل