بقيت وحيدة في بيت والدها، تطالع دولاب ملابسها الذي احتوى على عباءتين وقطع معدودة لبستها مراراً وتكراراً حتى تغير لونها ولم تعد صالحة للاستخدام، وحذاء اسود قديم مغبر، وعلى المنضدة القريبة من سريرها ملف ضخم يزخر بشهادات التقدير ورسائل الشكر والمشاركات تراكمت لسنوات عدة.
ورصيد في البنك يفوق الملايين، ماذا عساها أن تفعل بملابس رثة وأوراق طالما حرصت على الحصول عليها وتجميعها فخرا واعتزازا بتفوقها على زميلاتها، والمبالغ التي نسيت كيف تتعامل معها، فهي لم تعهد الصرف لشراء حاجياتها سوى مرات قليلة تستخدم بطاقتها لسحب مبالغ تدفعها كرسوم انضمامها لدورات تدريبية.
جلست وحيدة تسترجع شريط ذكرياتها منذ طفولتها، كانت متفوقة وتحصل على المرتب الأول على مستوى المدرسة والمنطقة وأحيانا الدولة، استثمرت العطلة الصيفية على الانتساب لدورات في مختلف المجالات.
ولما وصلت إلى المرحلة الثانوية دأبت على استغلال الإجازات في التطوع للعمل في المؤسسات لتثبت مهارتها في التعامل مع الآخرين، حصلت على عروض وظيفية وهي لم تكمل تعليمها الجامعي بعد، فهداها تفكيرها الذي لا يتطلب تدخلا من الآخرين حتى وإن كانت والدتها، في الحصول على فرصة للدراسة صباحا والعمل مساء وواظبت على ذلك، حتى تدرجت في عدة وظائف بعد تخرجها من الجامعة.
وبالرغم من صغر سنها، إلا أنها نافست الكثير من الموظفين الأكفاء وتغلبت عليهم، لم تكن لديها اهتمامات سوى العمل والإخلاص في الوظيفة، فوقتها ثمين ولا مكان للترفيه أو الراحة في يومها، وبعد الانتهاء من العمل تتوجه إلى مراكز التدريب لتتعلم شيئاً مفيداً، وكثيراً ما كانت تترشح للانخراط في دورات تدريبية خارج نطاق محيطها، ولم ترفض أبداً.
الراتب الشهري عال جدا، تضطر أحيانا لصرف القليل منه، ليتجمع ويتراكم شهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة ليصل إلى الملايين، لم تبالِ في الاستفادة من الإجازات السنوية فالعمل يتطلب مهام كثيرة، كان لها الفضل في تطوير آلية العمل ووضع الخطط والأنظمة الجديدة وتنقلت إلى مناصب عدة .
ولم تحظَ بصديقة واحدة خلال السنوات التي كرستها في العمل، بل الجميع ينفرون منها لشدة اهتمامها بالعمل والتدقيق على كل شيء، كانت تحضر الحفلات التي تقيمها العائلة والأعراس أحيانا، ولكن مظهرها لا يختلف عن ما هو عليه في العمل، العباءة ذاتها والحذاء ذاته والوجه يخلو من مساحيق التجميل، بل لا تملك شيئا من ذلك.
وبعد أن بلغت الأربعين، لم تعد قادرة على العطاء والاستمرار في الوظيفة، فجاء قرار إحالتها للتقاعد بعد سنوات طوال انكبت فيها على العمل والإخلاص فيه، حتى نسيت نفسها.
نادية إبراهيم
