«قل للزمان ارجع يا زمان».. عبارة نواجهها كلما طُلب منا رصد حال ما هو موجود في حياتنا، فنضطر إلى عقد المقارنة بين ما هو فائت، وما هو كائن.

وباعتبار السينما جزءًا من حياتنا فهي ليست بعيدة عن هذه المقارنات، خاصة حين يدعونا حالها المليء بالشتائم المبتذلة والعبارات النابية إلى المقارنة بينها وبين سينما زمان، التي كانت شتائمها دمها خفيف ومحترمة.. فنحن بهذه المقارنة كأننا أمام بحث في تاريخ الشتائم السينمائية.. «الحواس الخمس» يرصد مؤشر الشتائم بين سينما الأمس واليوم، ويحاول تفسير أسباب هجر الأسر للسينما، بعد أن صارت دور العرض السينمائي ساحات معارك للألفاظ الخارجة.

لا حيلة أمام الرقابة وهي بين نارين، إما أن تمنع أفلامًا حماية للمجتمع وتقاليده، ووقتها ستتهم بالرجعية وتهديد صناعة السينما، وإما أن تترك الحبل على غاربه، تماشيًا مع وجهة نظر صناع السينما الذين يرون أن الواقعية بمفهومهم هي الفن الحقيقي، أما الجمهور فلايزال مستمرا في احتفاظه بصورتين متناقضتين.

فصورة أفلام زمان لدى مخيلته تتسم بالرصانة، خفة الروح، المسؤولية الحقيقية، أما حاليًا فتلتصق بها تُهم البذاءة، الابتذال، الاستخفاف بالمشاهد، بينما النقاد وعلماء الاجتماع حائرون بين مبررات واهية لصناع هذه الأفلام التي سميت ب«الواقعية».

وبين اقتناعهم بأن ما تعبر عنه السينما غريب وبعيد كل البعد عن المجتمعات العربية، في حين تحاول الرقابة اتباع سياسة الوسطية ومسك العصا من المنتصف، وذلك بتمرير بعض من هذه الأفلام، وإلا اندثرت السينما وصارت من حفريات التاريخ.

شتائمنا في الميزان

انتقادات حادة لصُناع السينما نتيجة ما يطرحونه على أبناء هذا الجيل والأجيال المقبلة، خاصة بعد أن أصبحت السينما تأتي إلى المشاهد في بيته عبر قنوات رسمية أو خاصة، بينما كانت في الماضي تسكن دور العرض السينمائي فقط، ما قد ساعد الأسر على حماية أبنائها.

السينمائيون يقولون إن البيئة هي التي تحكم اختيار الألفاظ المستخدمة، فقديمًا لم تكن السينما مثالية - حسب رأيهم - لكن كانت بها ألفاظ نابية، وإن كانت قليلة، والسبب في هذا أن البيئة وقتها كانت هي الحاكمة، وليس صُناع السينما.

كما أن بيئة اليوم هي التي فرضت واقع السينما، لكن إذا وُجِّه إليهم سؤال: هل ما نسمعه من ألفاظ خارجة في السينما يعبر عن مجتمعات عربية إسلامية؟ تأتينا إجابتهم سريعًا:

«إن الفن يعبر عمَّا هو موجود، لا عمَّا يجب أن يوجد»؛ لذا فإن هناك أفلامًا ظلت محفوظة في الأدراج خشية حذف الرقابة بعض مشاهدها، ما يسبب خللا في بنائها الدرامي.

لغة سينمائية

لقد غيَّرت الرقابة مسمى فيلم من «ندل بميت راجل» إلى «ولاد العم»، والفيلم بطولة كريم عبدالعزيز، شريف منير، منى زكي، والمنطق في أي مجتمع.

وليس العربي فقط، لا يمكنه أن يقبل أن يكون «الندل» بمئة رجل، كذلك فإن ما شهده فيلم «دكان شحاتة» الذي أخرجه خالد يوسف، من عبارات السب التي أطلقتها هيفاء وهبي في حق الأئمة، ومشاهد الغرام داخل مسجد الحسين على خلفية إنشاد ديني.

وعمليات اغتصاب بشكل لا يتناسب مع الواقع أو على الأقل بشكل غير معهود يعد أمرًا غريبًا، وتطول قائمة الأفلام المتجاوزة كل الحدود مثل فيلم «بوبوس» للفنان عادل إمام، فقد رفضت الرقابة السماح بالعديد من المشاهد والألفاظ التي وصفتها بالجريئة والخادشة للحياء، مشهدان منها لعادل إمام، وآخر للممثلة ميسرة.

وإذا استعرضنا بعضًا من شتائمنا «المودرن»، فنجد لغتنا السينمائية نزلت إلى قاع المجتمع لتغترف منه عبارة تقول: «يا واطي ياللي أمك ما قالتش لأ»، وفي فيلم «بحب السيما» شتمت الفنانة عايدة عبدالعزيز أهل عريس ابنتها، وهم يحتفلون داخل الكنيسة:

«يا ولية يا شرشوحة ياللي أجعص جعيص فيكو مش لابس لباس». أما شتائمنا قديمًا فكانت بالغلاف الأنيق وسط الدراما، حين قال الفنان عبدالفتاح القصري لعبدالمنعم إبراهيم في فيلم «سكر هانم»: «إيه الحُرْمة المتْلخْفنة دي.. ده أنا جنبك أبقى مارلين مورنو».

كذلك في أفلام السبعينيات، ففي فيلم «خلي بالك من زوزو» كانت الشتيمة القاسية فيه «يا تخينة يا فشلَّة يا شوال المورتديلا»، وعندما شتمت الفنانة لبلبة الفنان نور الشريف في أحد الأفلام، وهو يقود سيارته: «مش تفتح يا أعمى القلب»، فرد عليها نور الشريف:

«أما إنك ست ناقصة صحيح»، ونفس الأمر للفنان رياض القصبجي وشتائمه للفنان الكوميدي إسماعيل ياسين فلا حاجة بعد هذه الأمثلة إلى المقارنات، إلا أن د.عزة كُريم، أستاذ علم الاجتماع، تقول: «من المفترض أن تكون السينما عاملا مهمًا في تربية الأجيال.

لكنها بما تقدمه من موضوعات سطحية خالية من المضمون، جعلها مليئة بالألفاظ الخارجة بقصد الإثارة، ما يترك تأثيرًا سلبيًا في شبابنا لمحاكاة ما يشاهد».

أضافت: «ما يطرح ليس واقع المجتمع المصري والعربي، وكل ما يحدث نتيجة السينما البذيئة يكون سلوكًا سلبيًا مثل حالات الاغتصاب، التحرش، العري غير المبرر، الألفاظ الخادشة للحياء التي أصبحت القاسم المشترك لكل الأعمال السينمائية في الأعوام الأخيرة»، وأشارت إلى أنه من الضروري أن يفهم الجميع أن للسينما دورًا مؤثرًا في الارتقاء بالمجتمعات والتنوير والتوثيق لكل ما هو مفيد.

اختراع شتائم

وشاركتها الرأي د.سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، التي وصفت الألفاظ المبتذلة والسوقية التي تتضمنها هذه الأفلام بأنها لا يمكن أن تندرج تحت الواقعية، وقالت إن معظم الألفاظ التي تتناولها الأفلام تصبح عبارات محفوظة يرددها الكل في مواجهة الآخر؛ لأنها غريبة.

وجديدة عليه، والغريب أن هذه الأعمال اخترعت شتائم لم يكن يسمع بها أحد، وإذا قررنا عقد مقارنة بين سينما زمان وحاليًا، فسندرك أنها في الماضي كانت أكثر واقعية من خلال قيادة المجتمع لفضائل الأعمال، كما كانت تطرح قضايا حقيقية من عمق المجتمع بموضوعية،.

بينما نجد السينما اليوم سوقية تقوم على أساس حسابات الربح والخسارة، ولا أريد أن أورد بعض العبارات الخادشة التي تصدر من سينما اليوم، ورددها الأطفال والشباب كأمر عادي لا يحرك فيهم أي إحساس بخطورة ما يرددونه، بينما يسكت المجتمع وينظر إلى الأمر كأنه لا يعنيه بدلاً من أن يصرخ ويضغط لتغيير هذا الواقع الذي فرض علينا في غفلة من أمرنا.

استسهال الانحراف

أما الناقد السينمائي أحمد الحضري فيؤكد أن ما يحدث اليوم من موضوعات ضحلة وألفاظ منحرفة يعبر عن أزمة حقيقية تعيشها السينما، وألقى باللائمة أولا على المنتجين والموزعين الذين اعتقدوا أنه دون هذه الألفاظ والأعمال الهابطة لن يحقق العمل إيرادات.

وسيقل توزيعه في العالم العربي، وفي الوقت نفسه اعتقدوا خطأ أن هذه الأعمال هي مستوى الجمهور الذي لا يستجيب إلا إلى التفاهات، ولم يدركوا أن وعي الجمهور أعلى مما يتخيلون، وما يؤكد ذلك انصراف الجمهور عن هذه النوعية من الأفلام بعد أن يكون قد تورط في دخولها في الأسبوع الأول للعرض.

أضاف الحضري أن بعض المؤلفين يستسهلون الانحراف، ويكتبون بلغة ظنوا أنها تعبر عن الشارع، أو أنها تهم الشارع، وهذا يؤكد أننا أمام محنة كبيرة لا بد من الالتفات إليها.

ألفاظ نابية بشروط

الناقد طارق الشناوي يختلف بعض الشيء عن السابقين، فقد أكد أن وجود بعض الألفاظ الخارجة إذا وُظفت دراميًا فإنها تخدم العمل.

وقال: «في الأفلام القديمة كانت هناك ألفاظ خادشة وشتائم غير لائقة، لكنها تأتي موظفة دراميًا، إلا أنني ضد الإفراط في مثل هذه المفردات والألفاظ؛ لأنها ستفرغ الفيلم من مضمونه الأساسي، خاصة إذا كان يعالج قضية محددة؛ ولذلك هناك العديد من الممارسات تحدث في أفلامنا، وهذا يحتاج بالفعل إلى إعادة نظر وحوار جاد».

ويضيف: «إن لجوء الكتَّاب والمنتجين إلى إنتاج مثل هذه الأعمال التي تتضمن ألفاظًا خارجة وعبارات إيحائية خادشة برز خلال فترة التسعينيات بالتحديد، فأفلام الثمانينيات وما قبلها نجد شتائمها متحفظة، على الرغم من قسوتها أحيانًا.

وبنظرة سريعة إلى مجتمعاتنا العربية التي يحكمها المنطق الديني، سنجد أن ما يفعله صُناع السينما من خلق أكبر قدر من الإثارة بالإيحاءات الجنسية والعبارات غير اللائقة يتعارض مع طبيعة هذه المجتمعات.

لكن عندما بدأت السينما العمل بهذا الأسلوب أثيرت ضجة اعتبرها صُناع السينما خير دعاية للمنتج الجديد من خلال إعلام مفتوح، فاعتقدوا أن هذا هو الطريق الأمثل للسينما، وللكسب في آن، واستمرت الحال حتى أصبح الأمر وكأنه شيء عادي.

ولا يمكن الحد من هذه الظاهرة إلا من خلال كُتَّاب ملتزمين ليعيدوا الأمور إلى نصابها، بدلاً من ترك الساحة لكُتَّاب المقاولات، وتحويل السيناريوهات إلى مسخ مشوّه، بعد إضافة مشاهد تجذب المراهقين، كذلك فإنه يجب على الرقابة أن تكون أكثر حزمًا.

ويمتد سلطانها حتى قرار إيقاف العمل نهائيًا إذا رأت أنه لا يعبر عن الواقع المحافظ الذي يعيشه المجتمع المصري، لكن هذا لا ينفي ضرورة أن تكون هناك عبارات وألفاظ في بعض المشاهد التي تتطلب ذلك.

وأن يتم ذلك وفق الممكن والمقبول؛ لأن الشارع المصري يتجادل ويتحاور أحيانًا بمفردات وعبارات وشتائم، لكنها لم تكن خادشة، فأي فيلم يخلو من هذا التوجه الفني يعني خروجه بعيدًا عن الواقع».

الحكم على الشتائم قديمًا وحديثًا في يد المشاهد، فهو إما أن يقبل على هذه السينما المنفتحة إلى آخر مدى، وبذلك يروّج لها ولفكر صناعها، أو يحجم عنها، ويغلق أمامها النوافذ، فيضيق تنفسها وتضطر إلى العودة إلى المسار المعتدل الذي كانت عليه قديمًا، فأمر البذاءة السينمائية يحتاج إلى حوار، بدلا من الاستمرار في استثمار الغفلة الفنية.

القاهرة - دار الإعلام العربية