جيلالي فرحاتي مخرج وممثل وسيناريست مغربي من مواليد 1948 يتمتع بخبرة تزيد على 32 عاماً في مجال السينما، أثبت خلالها دقته في الاختيار وهذا يتبين من إصراره على كتابة وإخراج أعمال أكثر التصاقاً بالحياة اليومية المغربية وتركيزه على الجوانب الإخراجية وإفساح المجال للكاميرا وتوفير مواقع تصوير تضفي على الفرجة عمقاً وجمالاً.
تجربته كرئيس لجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثالثة لها مذاق خاص، فهو كما في أفلامه يعمل ويبدع ويثير الإعجاب ويفجر المتعة بملاحظاته وتعليقاته التي تحوي مزيجاً من اللغتين العربية والفرنسية، وقبيل ساعات من إعلان جوائز مسابقات «الخليج السينمائي» خصّ «البيان» بلقاء فتح فيه أوراقه، كاشفاً عن تفاؤله تجاه السينما الخليجية التي يرى أنها لا تزال في مرحلة المخاض وتحتاج إلى الوقت والدعم، ولم يتردد في الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها عليه في الحوار التالي:
من المؤكد أن تجربتك رئيسا للجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي أعطتك بعداً وإلماماً بتفاصيل السينما الخليجية، فكيف تراها؟
هذه هي المرة الثانية التي تتاح فرصة مشاهدة أفلام من الخليج، فمنذ سنوات عديدة شاهدت الفيلم الكويتي (بس يا بحر) للمخرج خالد الصديق وبعدها انقطعت صلتي بهذه المنطقة، وبالتالي لم تكن هناك معايير أو مقاييس أستطيع من خلالها تقييم ما يحدث حالياً، فالكلام عن سينما يعني وجود إرث لها مثل السويدية أو المصرية، أما الخليجية فليس لديها معطيات كافية في الوقت الحاضر، ولكنني اكتشفت أهمية المواضيع التي تطرقت إليها خصوصاً الاجتماعية والتي نقلت نبض الشارع الخليجي وعرفنا من خلالها أشياء لم يكن لدينا دراية بها، وان هناك أفكارا جميلة لكن بلورتها في النهاية يعطي مدلولات إلى عدم وجود إمكانيات مادية ومعرفة بقواعد السينما.
بعد ساعات سنتعرف على نتيجة لجنة التحكيم وملاحظاتها، فما نقاط ضعف الأعمال التي شاهدتموها؟
نقطة الضعف هي عدم التحكم في الأدوات السينمائية كما قلت، أما عنصر السيناريو فأرى أنه ليس مشكله الفيلم الخليجي فقط بل هو سمة عامة للفيلم العربي، فالسينما فيها مكونات متعددة مثل الإيقاع والتركيب والحكاية والتمثيل والصورة التي هي منبع الأساس للعملية كلها، وبطبيعة الحال تنويه الصورة يعني أن يكون الحوار قصيرا، لكن ملاحظتي على الأفلام الخليجية أنها وقعت في فخ الثرثرة التي يجب التخلص منها والاهتمام بالصورة ثم الصورة التي تعتبر اللغة الأولى في صنع أي سينما.
كيف كان شكل المنافسة في مسابقة الفيلم الروائي الطويل؟
قبل ان أتناول هذا المحور أؤكد على أن الدور الأساسي للجنة التحكيم الديمقراطية والنزاهة وبالتالي كان هناك إجماع على الأفلام الفائزة وركزنا في اختيارها على نوعية العمل الذي يعطي حركة أكثر في الجانب الإنساني ويجعلك تتحاور معه وتفكر فيه نتيجة إلى وجود مصداقية به، ومن ثم لم نأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المادية لكل فيلم ولم نتعرف منذ البداية على جنسيته أو دولته، وتعاملنا فقط مع عناوين الأعمال وموضوعاتها والفائز في النهاية هو الذي جمع أكثر المكونات السينمائية.
وكيف تعاملتم مع الجائزة الخاصة بلجنة التحكيم؟
نعطيها إلى الفيلم الذي يفرض وجوده وله خصوصية مقارنه مع الأفلام الأخرى ونراه يخرج من تصنيف الجائزة الأولى والثانية وهو بالفعل يستحقها ولا يحتاج إلى كثير من النقاش حوله.
وماذا عن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة؟
كان عددها أكثر باعتبارها قصيرة ووضح فيها عدم الانضباط في سرد المعلومات وتحليل الفيلم، ومن ملاحظاتنا أن أصحابها يريدون وضع أفكارهم فيها دفعة واحدة وهي عادة تم اكتسابها من فكرة الكرم العربي عندما تذهب إلى زيارة صديق ويضع أمامك كل أنواع الطعام وفي النهاية لن تستطيع التعاطي إلا مع صنف واحد أو اثنين، بالإضافة إلى أن بعض الأعمال جاءت فكرتها قوية في البداية ثم تتوه وتتشعب وهذا راجع إلى عدم الخبرة والإلمام بأن السينما ليست حكي بل هي كيفية الحكي.
ما الذي استوقفكم في مسابقة الأفلام الوثائقية؟
للأسف مفهوم السينما الوثائقية ليس مفهوما، وأرى أن هناك دائما صعوبة تتمثل في الاختيارات عندما يكون عدد الأفلام كبيرا وأراها متفاوتة في مضمونها، بل إن هناك أفلاما روائية كان يفضل لها أن تعرض كوثائقية لأنها قدمت معلومات عن أماكن وأحداث بقصد أو من دون، وبالتالي يصبح السؤال هل كان المخرج يريد هذه المعلومات أم أنني قمت بمجهود وحصلت عليها؟، ومن ثم فهناك توصيات كتبناها وستعلن خلال توزيع الجوائز ويجب على صناع الأفلام الانتباه إليها.
وماذا عن تنويهات لجنة التحكيم؟
كانت فرصة للتنويه عن الصورة أو التعامل مع الموضوع أو الأداء، ومن ضمن التنويهات السلبية التي يجب على صانعي الأفلام الالتفات إليها، قيام شخص واحد بأكثر من مهمة (الإخراج، كتابة السيناريو، التصوير، المونتاج) وهو موقف صعب يعبر عن عدم وجود التخصص الذي يضفي على العمل أكثر من مهارة.
ما الذي خرجت منه من تجربة رئاستك للجنة تحكيم «الخليج السينمائي»؟
تعرفت على هذه السينما التي تلمست من خلال الأعمال نقاط قوها وضعفها، ومتفائل بشأن مستقبلها ويجب الشروع في عمل بنية تحتية لها ودعمها من الشركات والهيئات الخاصة والحكومية، كما يجب الصبر عليها وإعطائها الفرصة كاملة ووجود المهرجانات يعززها وينميها.
ما آخر مشاريعك السينمائية؟
أنهيت في شهر يناير الماضي فيلمي الأخير (عن الفجر) والمتوقع عرضه في مهرجان دبي السينمائي المقبل، يتناول حكاية «عمر» و«كلثوم» الزوجان اللذان يعيشان في منطقة جبلية نائية، هو كاتب مسرحي وهي ممثلة غائبة منذ سنوات عن الخشبة بسبب مرض كلوي، يضطرها إلى الخضوع لعلاج أسبوعي في المستشفى، وتحت وطأة الاحتياج المادي والفشل في إطلاق مشروعه المسرحي، يحتفظ «عمر» بحقيبة خضراء تحتوي على المخدرات، فالمنطقة الجبلية التي يقطنها تشتهر بعمليات التهريب الليلية، وهكذا يصبح الرجل مطارداً من قبل عصابة التهريب التي تهدد أيضا ابنته الشابة التي تعمل مغنية في ملهى ليلي.
كيف ترى مشكلة اللهجة المغربية التي تشكل عائقا أمام انتشارها عربيا؟
اللهجة المغربية ليست فقط الغير صعبة على الفهم، بل يربط الأمر بأسباب أخرى غير اللهجة فهناك كذلك لغة العمل السينمائية التي ربما لم يستوعبها المشاهد العربي بعد وأرفض إخراج أفلام باللغة العربية الفصحى لأنها تصلح فقط للأعمال التاريخية أكثر منها للأفلام الاجتماعية التي تتناول مواضيع بسيطة وقريبة من هموم المواطن العادي، لأنها في تلك الحالة ستفتقد إلى الواقعية المطلوبة وأرى أن الدبلجة وسيلة سهلة لعرض أفلامنا في صالات السينما العربية وحلا لهذه المشكلة المستمرة منذ سنوات.
نبذة
جيلالي فرحاتي مخرج وممثل وسيناريست مغربي من مواليد 1948، درس الأدب والاجتماع بفرنسا، له تاريخ مشرف من الرصيد الإبداعي الجريء وبصمة خاصة في أفلام تطرقت إلى مواضيع إنسانية وقضايا اجتماعية، منها (جرح في الحائط) 1978، (عرائس من قصب) 1981، (شاطئ الأطفال الضائعين) 1991، (خيول الحظ) 1995، (ضفائر) 2000، ثم (ذاكرة معتقلة) 2004، و(عند الفجر) آخر أعماله.
حوار ـ أسامة عسل

