بعض المخرجين عندما يحاولون تقديم التاريخ في أفلامهم يتوقفون أمام الأحداث الضخمة والأبطال والمشاهير، أو يذهبون إلى مناطق الأحداث الساخنة ينقلون التفاصيل ويغوصون في الشوارع والبيوت، يترجمون ملامح الوجوه وبقايا الآثار، في صور تقطر حكاياتها ألماً ومعاناة، وتكتب صفحة في سجل الذكريات، أما حيدر رشيد.

الإيطالي من أصل عراقي، فالتاريخ بالنسبة له هو ما حدث للفرد العادي خلال عزلته في منفى الغربة بعيداً عن الوطن، يتجرع الخوف والضياع والفزع وهو يتابع ما يحدث داخل بلده عبر نشرات الأخبار في الراديو والتلفزيون.ولد المخرج العراقي حيدر رشيد في مدينة فلورنسا الإيطالية، من أب عراقي وأم إيطالية، لم يزر العراق إلى الآن، ويتمنى الذهاب إليها لكنه يخاف ألا يجدها كما رسمها والده له.يتكلم كثيرا عن بغداد وسحرها وطيبة أهلها، وهذا ما دفعه إلى أن يكون مشروع فيلمه الأول الذي يحمل عنوان «المحنة» ـ يشارك به في مسابقة الأفلام الطويلة لمهرجان الخليج السينمائي في دورته الثالثة ـ خليطاً بين مشاعر غارقة في الحزن على ما آلت إليه الأوضاع في العراق وظلام العواطف الباردة في وطن المهجر الذي اضطرته الظروف إليه.

ما أهمية هذه السيرة الذاتية للمخرج؟.

الإجابة تأتي على لسانه: (أعتقد بأن أي مخرج دائماً ما يقدم في أفلامه أحاسيسه وانطباعاته الخاصة، وهو شيء مهم، لأن الأجيال اللاحقة لن تعرف ما حدث قبل وبعد الحرب في العراق، وما أريد أن أؤكد عليه في هذا العمل هو البحث عن القوة الكامنة داخل كل فرد لمقاومة الانهزامية والتردد وتحديد مصيره بنفسه).

أشياء كثيرة أراد حيدر التعبير عنها في فيلمه وحواره مع «البيان»، بعضها صادم، والبعض الآخر مألوف، لكنه في كلا الأمرين يقترب من خط التماس في بحثه عن هويته، وقبل أن نتعرف إلى آرائه وتجربته في عالم السينما، ننقل لكم محنته ـ أقصد فيلمه «المحنة» ـ كما رأيناه.

محنة الحيرة

تتناول أحداث الفيلم قصة شاب عراقي يعيش صراع الحيرة مع نفسه، يسير من دون هدف متخبطاً في شوارع مدينة لندن التي تعج بالحياة والضوضاء، مدينة لا تنام، لكنها تفسح له مكاناً في مواقفها يركن فيه سيارته وينام بداخلها، ثم يستيقظ ليتسكع مرة أخرى.

في محاولة الخروج من عزلته التي أطال المخرج مشاهدها تعبيرا عن الضياع والفراغ اللذين يعكسان وحدة البطل وضعف شخصيته ورغبته في تجاوز محنته المتمثلة في اغتيال والده عرفان الزهاوي؛ وهو كاتب وأكاديمي عراقي اغتيل بعد عودته إلى بغداد إثر سقوط صدام حسين واحتلال العراق.

يقظة الضمير

يصور الفيلم حالة التوهان والتشتت اللذين عايشهما هذا الشاب العراقي، وإدعاؤه بكونه كاتبا، حيث تولدت لديه فكرة التأريخ لشخصية والده ونشر كتاب عنه، لذلك نراه دائما يسمع أحاديث والده الكاتب المشهور من خلال الأشرطة التي سجلها قبل اغتياله وتعبر عن حبه وعشقه وحنينه إلى بغداد.

وفي حوار يصيب الهدف تماما، خلال لقاء جمع الشاب العراقي مع آخر إيطالي في مطعم بعد أن قدم نفسه إليه على أنه كاتب، يسخر منه الإيطالي الذي يعمل في تنظيف المطاعم، حيث يرى أن الكاتب هو من كتب ونشر واعترف به الناس كاتباً، ودلل الشاب على منطقه بقوله: «أنا أيضاً كاتب أكتب خواطر جميلة، بغض النظر عن اعتراف الآخرين بها».

وكانت تلك الجمل بمثابة يقظة الضمير التي زادت من حيرة الشاب العراقي ودفعته إلى تغيير مسار حياته، فنراه يمزق نسخة العقد التي سعى صاحب دار نشر لأخذ موافقته عليها لاستغلال قضية العراق واغتيال الكاتب المشهور في طبع كتاب عنها.

علاقة عاطفية

ومن محنة الوطن تأخذنا الأحداث إلى حياة الشاب العراقي في لندن وحيرته في علاقاته العاطفية والتي سيطرت على الجزء الأكبر من مدة الفيلم (85 دقيقة)، وكان من المفضل أن تكون هامشية على خلفية محور الوطن الذي يحتاج إلى سرد وتفاصيل أكثر، دون الاكتفاء بمكالمات تليفونية مع الأم التي بقيت في بغداد وأظهرت مشاعر الشاب العراقي في غربته.

وتعكس قصة الحب المحور الآخر في الفيلم، مشكلة الشاب العراقي مع صديقته المقربة ـ تعمل رسامة تشكيلية ـ والتي يحبها في صمت منذ أربع سنوات، وعندما تحاول من جانبها إخراجه من وحدته بترتيب لقاء غرامي مع إحدى صديقاتها، تبدأ المواجهة التي تفصح فيها عن مشاعرها الحقيقية تجاهه كصديقة فقط، ويتعدى هو حاجز التردد وضعف الشخصية ويعبر لها عما يختلج في صدره، وتكون النهاية فراقاً يفقده الكثير من توازنه، ويدفعه إلى الرغبة في الخلاص من عالم غير قادر على مجاراة عادته وتقاليده.

ملاحظات فنية

هذا هو موضوع الفيلم، الذي يميل في سرد مشاهده إلى شاعرية دفعت المشاهدين أحيانا إلى الشعور بالملل من البطء الشديد في الإيقاع، وتقييد الحركة للبطل وكثرة التركيز (كلوز أب) على وجهه دون أن يكون هناك غرض درامي لذلك، هذا بخلاف التصوير المرتعش خلال سير السيارة ليلاً، ما أزعج وأرهق عيون المتفرجين، أما اللقطات الأخرى داخل الأماكن المغلقة فكانت الصورة رائعة وناقلة لأدق التفاصيل.

ثقافتان مختلفتان

وفي حوارنا الصحافي معه، قال المخرج حيدر رشيد: أنا إيطالي عراقي، ولدي طريقة خاصة في النظر إلى الأمور يمليها علي نمط حياتي وتفكيري بوصفي إيطالياً، وفهمي لما يدور انطلاقاً من غربتي كعراقي.

وعندما فكرت باختياري موضوع فيلمي احتشدت في رأسي أسئلة لا حصر لها من نوع هويتي، وطن أبي الذي لا أجيد لغته، لكنني بالتأكيد أتمثل ثقافته، لقربي من شخصية أبي وأصدقائه الذين أراهم حولي، وبالتالي موضوع الفيلم يمزج بين ثقافتين مختلفتين، وهذا ما يشكل مساحة واسعة تحتاج إلى الوقت لاستيعابها.

سألناه عن بغداد في الفيلم، والتي لا نراها ولا نجدها إلا في مذكرات والد البطل التي نسمعها في شرائط صوته، فأجاب: الحيرة والقلق لدى البطل انعكاس طبيعي لأزمته وهو يحمل فكرة كتابه بين دور النشر.

وفشله في إيجاد توصيف لعلاقته مع فتاته بعد أربع سنوات من علاقتهما، كل ذلك نتاج طبيعي لأزمة اكبر تطرحها الأسئلة، وأرى أن هذا الفيلم يتحدث بشكل حقيقي عن العراقي، وأيضاً عن معاناة الإنسان ممزق الهوية.

صعوبات الإنتاج

وعن الصعوبات التي واجهها في إنتاج هذا الفيلم، قال حيدر: في البداية كان مشروع الفيلم عن علاقة حب بين رجل وامرأة، وتم تطوير الفكرة لتأخذ منحى شخصياً في أن تكون التجربة العراقية ثيمة لأحداثه، ربما هو الإحساس بعراقيتي، الإحساس بنصفي الآخر من أبي، بوصفي من الجيل الثاني من المهاجرين العراقيين، وأيضاً لما حدث للعراق.

وفي هذا الفيلم واجهتني وفريق العمل صعوبات ليست مادية فقط، بل صعوبات روحية، كنا نسعى لخلق توتر، نحن لا نريد أن نجامل المشاهد، وبالتالي علينا أن نخلق نوعاً من التوتر لديه، لا نريد أن نثير عاطفته، بل أن نضعه أمام أسئلة شائكة.

وكارثة العراق كانت خلفية للحدث، شاهدة عيان على ما أفرزته داخل الإنسان من حيرة ومحن، وأخذ تنفيذ الفيلم الذي تدرج في مراحل مثل بناء البيت، أكثر من ثلاث سنوات حتى أصبح جاهزا كمنجز سينمائي يمكن للمشاهد رؤيته.

وحول رؤيته للعراق حالياً والأفلام السينمائية التي تصنع عنه، أكد حيدر قائلاً: الوطن المضاع لأب أو أم، يتحول إلى وطن مضاع للأبناء، وقد عشت هذا الوطن من خلال الحكايات التي كانت تروى لي أو أمامي، أما الأفلام التي تقدم عن العراق، فأحصن نفسي عندما أشاهدها.

وخصوصا تلك الأميركية أو التي يصنعها الغرب، ورغم أنني لم أعش في العراق وهو جزء مني، لكن من حقي أن أدافع عن هذا الجزء، وبالتالي ما أراه لا يعدو عن كونه مشاهد حرب للأميركان، قادتهم الظروف لأن يكون العراق مسرحا لها.

عازف جاز

وعن مشاريعه المقبلة، قال: فيلمي المقبل لن يكون عراقياً، بل يتحدث عن شخصية عازف جاز اختص بارتجال المقطوعات الموسيقية، وأتعامل مع الفكرة من منطلق أن الذي يرتجل الموسيقى ينجز من لا شيء شيئاً جميلاً، وهذا المشروع سيكون له علاقة مع شخصيات مركبة؛ مثل شخصيات فيلمي الأول.

تعيش في عزلة واضعة جداراً بينها وبين ما يحدث على الطرف الآخر، وتدور الأحداث في أكثر من مكان لفرق العزف الليلية، وأتعاون في هذا الموضوع مع عازف بيانو شاب مبدع ومختص بالارتجال الموسيقي.

دبي - أسامة عسل