ملامح سينما جادة ومختلفة تظهر واضحة في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان الخليج السينمائي خلال دورته الثالثة، قد يراها البعض تحتاج إلى تكثيف الجهود ويعتبرها الآخر لا تزال متعثرة، لكن يجب أن يعي الجميع أن السينما في العالم بدأت بهدوء وبطء قبل أن تسير عجلاتها بالسرعة المطلوبة، وبالتالي في ظل ظروف فنية واجتماعية واقتصادية لهذه الصناعة الحديثة خليجيا، تعتبر هذه الأعمال جريئة وتنهض بتجارب تتطور وتحتاج إلى الصبر والانتظار.
ومن تلك الأعمال يقترب فيلما «حنين» البحريني و«ضربة بداية» العراقي إلى واقع الحياة في المجتمعات العربية، حيث يطرح وسط مشاهد العنف والدمار والحرائق والتفجيرات وكوارث الحرب والفتنة الطائفية، هموم الناس وأحلامهم المصحوبة بفواجع ما آل إليه الحال في بعض الدول.الفيلم الأول يحمل توقيع المخرج البحريني الشاب حسين الحليبي وإنتاج الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي، وهو من تأليف خالد الرويعي وبطولة هيفاء حسين، مريم زيمان، علي الغرير، ياسر القرمزي، خالد الرويعي، أحمد مبارك، قحطان القحطاني ومجموعة من الفنانين البحرينيين.
فيلم حنين
يشكل فيلم «حنين» التجربة الإخراجية الثانية للحليبي بعد فيلمه الأول «أربع بنات» الذي شارك به في الدورة الأولى لهذا المهرجان وتعرض خلاله إلى قضية خاصة عن عمل المرأة ورد فعل المجتمع تجاهها، بينما يأتي الفيلم الثاني بقضية عامه عن التحولات الاجتماعية على العائلة البحرينية بتنوع أطيافها الدينية وتأثير تلك المتغيرات على النواحي السياسية في المنطقة خلال فترة تاريخية تمتد بين عامي 1983 و2001، حيث يصبح الناس في شوق إلى عودة صفاء المجتمع الذي بدأ يفقد ألفته وتكاتفه.
تحكي أحداث «حنين» قصة تعايش عائلتين من الطائفتين السنية والشيعية في حي واحد، وهي مثال صادق لصورة المجتمع البحريني خلال ثمانينات القرن الماضي، يتوفى رب إحدى هذه الأسر ويشاء القدر أن تجتمع العائلتان بعد زواج «أم علي» و«أبو جاسم» في منزل واحد يظلله الحب والوئام.
وبعد مرور الوقت تنشأ مشكلة الطائفية التي تزحف مع الحرب الإيرانية العراقية ثم حرب روسيا على أفغانستان، ويبدأ الشارع البحريني في الاحتقان نتيجة توترات بين الطائفتين بسبب وجود «الجماعات المتطرفة»، حيث تنعكس أفكارها على تشدد «علي» و«عيسى» الأخوين غير الشقيقين، وتلقي بظلالها على تفكك باقي أفراد الأسرة بعد أن أصبحوا عائلة واحدة.
خطوط حمراء
جرأة الفكرة المعروضة تدفع إلى الحديث عن قوة المواضيع التي تتناولها الأفلام البحرينية واختراقها خطوطا حمراء كثيرة وهي ميزة تواكب كل إنتاجاتهم المتواصلة من الأعمال الطويلة، لكن للأسف يأتي المنتج النهائي مليئا دائما بالثغرات الفنية ومنها، عدم إقناع السيناريو بتدخل «علي» لإفساد علاقة أخته «مريم» بحبيبها «جاسم» وكتابة خطابات لها من دون أن تكتشف من الخط والأسلوب والورق أنها دسيسة على «جاسم» وعلاقتها بمن أحبته منذ الصغر.
وكذلك أزمة سقوط الطائرة التي يرجع عليها جاسم من القاهرة ومناحة البكاء لموته، ثم تبرير أن الوزن الزائد منعه من ركوب الرحلة ليعود سالما، هذا بخلاف حكاية «عائشة» وحبيبها المضيف الجوي وانهيارها لموته في حادث الطائرة لدرجة التفكير في الانتحار.
وفي المشهد التالي مباشرة نجدها وسط عائلتها بملابس ومشاعر مختلفة تماما عن حالة التأزم التي اجتهد المخرج في إبرازها لكن ضحالة الماء في المنطقة التي أرادت الانتحار فيها أفسد المشهد، بالإضافة إلى الحوارات المطولة خصوصا بين ضابط الأمن وصديقه الثوري العاشق لعبد الناصر وجيفارا وتكرار السيناريو لمعنى واحد أكثر من مرة في خلاف الطوائف.
ذاكرة السينما
ومن الأمور التي يجب على المخرج الالتفات إليها جيدا، أن معظم اللقطات المصورة ضيقة والقليل منها واسع وهي صيغة تتماشى مع دراما التلفزيون أكثر من السينما، كما برزت مشكله دائمة داخل بيت الأسرة في طريقة وقوف الممثلين عندما يزداد عددهم أو جلوسهم في صف واحد أو بزاوية مائلة من دون اجتهاد في تحريك الكاميرا أو الاستفادة من الانفعالات بتقطيع المشاهد، وجاء اختلاف المشهد الافتتاحي للفيلم الذي ينظر إلى البحرين من أعلى، عن مشهد النهاية وسط جموع الناس دون تمهيد لذلك، فظهرا بدون رابط بينهما سوى «أم علي» و«أبو جاسم».
وأخيرا يأتي عنصر التمثيل الذي اجتهد فيه الجميع حيث نجحوا في جعل المتفرج على مدار 112 دقيقة يعيش الأحداث بحلوها ومرها ويرصد مع الفيلم مرحلة مهمة في تاريخ البحرين ستبقى في ذاكرة السينما بعمل يستحق المشاهدة.
ضربة بداية
«ضربة بداية» عمل روائي طويل آخر يتميز أيضا بقوة قضيته واحتراف لغته السينمائية وهو للمخرج الكردي شوكت أمين كوركي، في تجربته الثانية له بعد«عبور الغبار» الحائز على عدة جوائز في مهرجانات دولية.
ومن المعروف أن فيلم «ضربة بداية» نال في أول مشاركة له في الدورة الرابعة عشر لمهرجان أفلام بوسان في كوريا الجنوبية، جائزتين منها جائزة «المسيرة الجديدة» «30 ألف دولار» وجائزة «الفيلم المختار من قبل إتحاد نقاد الفيلم الدولي»، وشارك أيضا في مهرجان دبي السينمائي السادس ونال جائزة تقديرية كما عرض في مهرجان «سانتا بار بارا» في أميركا، وقبل أسابيع شارك في مهرجان مسقط السينمائي ونال جائزة الخنجر الفضي وبذلك تزداد فرص فوزه بالجائزة الكبرى لمهرجان الخليج السينمائي في دورته الحالية.
ملخص القصة
تدور أحداث الفيلم خلال 81 دقيقة في ملعب عراقي لكرة القدم يعاني من الدمار، تعيش فيه 300 عائلة من اللاجئين، قاموا ببناء بلدة صغيرة من أكواخ الصفيح، يقيم معهم «آسو» وهو الابن الأكبر لإحدى العائلات الكردية، شاب مثالي يؤمن بالقيم النبيلة، يقوم بتنظيم مباراة لكرة القدم بين الصبية الأكراد والعرب من العراقيين الذين يعيشون في المخيم وذلك سعياً للترفيه عنهم وعن أخيه الصغير المعاق من ناحية، ونيل إعجاب جارته الجميلة «هيلين» من ناحية أخرى ومع حلول الموعد المنتظر تتحول حياة هؤلاء إلى فوضى رهيبة إثر حادث مأساوي.
دلالات الصورة
تسيطر على هذا العمل الصور السينمائية ودلالاتها في أبلغ تكويناتها، من خلال معادلة تؤكد تمازج لوني رائع بين الأبيض والأسود يسود كل الألوان وهي رؤية ناضجة وواعية تعكس حالة الأبطال ورؤيتهم للواقع البائس الذي يعيشون فيه وللأسئلة التي يطرحها الفيلم عبر مشاهده الواحدة تلو الأخرى، كما أن لقطاته المأخوذة بعناية كاملة تبوح بكل شيء وتنزح تحت كاهل خط الفقر لتنوء بالألم والديون والمعاناة ولكن في صمت يعكسه فراغ الملعب الرهيب.
علامات استفهام
في حالة الفوضى التي يعيشها العراق حاليا ونتيجة لتوتر الأوضاع، يترقب الجميع وضعا أفضل ينشدونه لكنه لا يأتي، وإن جاء فلا يكون إلا من خلال أشخاص يمثلون الحكومة التي ترفض وجودهم داخل الإستاد الكبير .
وتسعى جاهدة إلى طردهم منه، ومع تتابع الأحداث يلقي الفيلم علامات الاستفهام حول الطفل الذي يصبح عاجزا نتيجة فقد ساقه في حقل ألغام ويفكر دائما في الانتحار لعدم مقدرته على لعب كرة قدم مع الأطفال، بخلاف حالة الحرمان من أبسط متع الحياة والتي يعبر عنها أهل المخيم خلال مشاهدة التلفزيون لمتابعة مباراة كرة قدم بين السعودية والعراق في بطولة كأس آسيا.
هذا بالإضافة إلى طرق التعليم البدائية واستغلال صفوف مدرجات الملعب بدلا من المقاعد في الفصل الدراسي، والأكواخ المبنية من الصفيح الذي يستخدم جدران وأبواب للطرق عليها، مع ندرة المياه ووسائل المواصلات وكشف الخبايا التي يجهلها العالم وتفتك بذلك المجتمع.
ابتسامة ساخرة
ويبقى القول، إن فيلم «ضربة بداية» أعلن الحقيقة بابتسامة ساخرة وهذا بالتأكيد من جمالياته، فالذي نضحك عليه هو بعض جراح وهموم أهل لنا يكابدون الواقع في مكان ليس ببعيد، أي أننا نضحك وكاميرا السينما تغوص في أعماقنا وعندما نتوقف عن الضحك نكتشف أننا كنا نضحك من فرط الألم.
دبي - أسامة عسل

