تكثف دائرة القضاء في أبوظبي جهودها في المرحلة المقبلة على الحلول البديلة لحل النزاعات، وذلك بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها إدارة الحلول البديلة في الدائرة خلال عام 2009، حيث بلغ إجمالي المعاملات المنجزة في لجان المصالحة في التركات نحو 832 معاملة، منها 819 معاملة عرضت خلال عام 2009، و22 معاملة من العام السابق.

وبالنسبة للجان التوجيه الأسري، فقد بلغ عدد الحالات المحكوم فيها 5591 معاملة، من إجمالي 6175 حالة متداولة ومعروضة، وذلك من خلال عدة آليات أهمها التفاوض، والوساطة، والتقييم الحيادي المبكر، والتحكيم.

المستشار البشري الشوربجي، مدير إدارة الحلول البديلة لفض النزاعات، أكد في حوار مع «البيان» أن توجه الدائرة في الفترة المقبلة سيكون مركزاً على إنهاء النزاعات بالطرق الودية، بعيداً عن ساحات المحاكم، بهدف التخفيف عن الجهاز القضائي بقدر ما يمكن، وتوفير العدالة بأقصر الطرق، من خلال تسوية المنازعات بسرية وخصوصية، ما يساعد على صفاء العلاقات الاجتماعية، ويتيح لجميع الأطراف استثمار مالهم وجهدهم ووقتهم، في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من إهداره في الخصومات والدعاوى.

وأشار الشوربجي إلى سعي الإدارة من خلال تراكم خبراتها، إلى وضع قانون يكون بمثابة مدونة تشريعية شاملة لأحكام هذه الوسائل، مع استحداث نظام جديد للوساطة بأنواعها المختلفة في المنازعات التجارية، بالإضافة إلى نظام التقييم المبكر والمحايد للنزاع، بتوفير المشورة الخالصة، والتوعية النزيهة التي تغني عن إقامة الدعاوى القضائية، على أن يتم ذلك في جوّ من السرية والثقة، إذ يحظر استخدام ما يدور في هذه الجلسات أمام أية محكمة.

تفعيل الحلول الودية

وحول طبيعة إدارة الحلول البديلة وأقسامها أوضح الشوربجي، أن اختصاصها يتمحور حول تفعيل الحلول البديلة للنزاعات، وتعزيز الإقبال عليها والأخذ بها، وتنمية إنجازاتها في مواقعها المختلفة، وتتمثل الإدارة من خلال لجان التوفيق والمصالحة، والتوجيه الأسري، والوساطة والتحكيم والتسوية الودية للمنازعات أياً كانت.

وهي تهدف إلى سرعة تحقيق العدالة، مع المحافظة على صفاء العلاقات الاجتماعية، بإزالة الشقاق والخلافات بينهم أطراف النزاع والتخفيف عنهم، بالإضافة إلى التخفيف عن أجهزة القضاء من خلال حل ما يمكن حله من النزاعات خارج إطار المحاكم التقليدي، ما ينعكس بالضرورة ايجابياً على النشاط الاقتصادي والاستثماري في المجتمع، مشيراً إلى أن الادارة تستقبل مراجعيها في مقرها المؤقت، كجهة إشرافية ورقابية في مبنى دائرة القضاء، بالإضافة إلى تخصيص عدد من الأفرع التابعة للإدارة.

وهي لجان التوفيق والمصالحة في أبوظبي والظفرة وبني ياس والعين، وتنظر في تسوية المنازعات التجارية والمدنية والعمالية (جزئي وكلي)، ولجان التوجيه الأسري في أبوظبي وبني ياس والعين والظفرة والرويس واليحر والوقن.

ولجان المصالحة في أبوظبي والعين والظفرة، فضلاً عن مراكز التحكيم المدني والتجاري في مواقعها المختلفة في الإمارة وخارجها والتي يؤمل أن تتعاون مع الإدارة في تحقيق غاياتها ومنها الترويج للتحكيم كأحد أهم وسائل الحلول البديلة المنظمة بقانون الإجراءات المدنية الاتحادي.

وأضاف الشوربجي أن الحلول البديلة لفض النزاعات، هي إدارة جديدة في دائرة القضاء، جاء استحداثها وفقاً للخطة الاستراتيجية 2008-2013، ونص عليها الهيكل التنظيمي للدائرة، وقد أنشئت هذه الإدارة لتعزيز الأخذ بالحلول البديلة، حيث تقوم بالإشراف والرقابة على عمليات وخدمات الحلول البديلة وتيسيرها وتطويرها.

ومن أهم اختصاصاتها ودواعي إنشائها ما نصت عليه المادة (13) من قرار سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، رئيس الدائرة رقم (14/2008)، والخاصة بتيسير المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، لإيجاد حلول مقبولة من الطرفين.

وتيسير عقد الجلسات لتوفيق الاختلافات بين الأطراف قبل اللجوء للمقاضاة، وإدارة خدمات الوساطة لمساعدة الأطراف في الوصول لحل مقبول، وتطبيق إجراءات مفصلة تراعي متغيرات القضية واحتياجات الأطراف عند التوسط، وتوفير خبراء من ذوي الخبرة والاختصاص، والتعاون مع قضاة الأحوال الشخصية في الإرشاد الأسري المتعلق بالقضايا .

كما أن الادارة هي الجهة المشرفة على تعيين هيئات مختلفة من الوسطاء، القادرين على استيفاء الاحتياجات استنادا على تقييم لجنة الاستشارة، في مجالات مثل الاستشارات المدنية والتجارية والعمل والأسرة وغيرها، وتوفير الرقابة الإدارية على عمليات الحلول البديلة لفض النزاعات، وضمان تطبيق نهج الممارسة المثلى للحلول البديلة لفض النزاعات، وإعداد ومتابعة تطبيق القواعد القياسية لسلوك الوسطاء، وتقديم تقارير دورية للرئيس والمجلس عن عمل الإدارة.

إحصاءات

وحول نجاح الإدارة في تحقيق أهدافها، قال الشوربجي إن إدارة الحلول البديلة سجلت إنجازاً كبيراً خلال عام 2009، فقد بلغ إجمالي المعاملات المنجزة في لجان المصالحة في التركات نحو 832 معاملة، منها 819 معاملة عرضت خلال عام 2009، و22 معاملة من العام السابق، وبالنسبة للجان التوجيه الأسري.

فقد بلغت جملة الحالات المحكوم فيها 5591 معاملة، من إجمالي 6175 حالات متداولة ومعروضة، كما تم إنجاز قاعدة معلومات شاملة عن مواقع الحلول البديلة والعاملين فيها بهدف تيسير المتابعة والرقابة الإدارية على أعمال اللجان وعمليات الحلول البديلة، بالإضافة إلى إعداد هيكل الإدارة بالتنسيق مع التطوير المؤسسي.

كما أكد أن إدارة الحلول البديلة لفض النزاعات، بدأت التوسع في أعمالها، وتنفيذ متطلبات الخطة الاستراتيجية 2008-2013، التي تهدف إلى تعزيز مبدأ التوفيق والمصالحة والتسوية الودية للمنازعات، باعتبارها أحد أهم المراحل الرئيسة التي يجب المرور بها كحل استباقي، يوفر على المتخاصمين الدخول في عملية التقاضي وإجراءات المحاكم والخصومات القضائية.

واعتبر أن هذا التطور هو النقلة النوعية، ستعمل على تفعيل إدارة الحلول البديلة، ودورها الحيوي في تحقيق العدالة، واستقرار المجتمع المبني على مبدأ التوفيق والتسامح، خاصة أن الإدارة تتميز بكفاءات قضائية ذات مهارات مهنية عالية في مجالات التوفيق والمصالحة ومقدرة قانونية وإدارية متميزة في تسيير المفاوضات بين الأطراف المتنازعة لإيجاد حلول مقبولة منها.

سياسة الإدارة

وفي إجابته عن سؤال حول آليات عمل الإدارة قال الشوربجي، إن إدارته تنتهج سياسة مبدئية لتحقيق أهدافها والقيام برسالتها، تتضمن عدة محاور أهمها، التوعية العامة بمناهج الحلول البديلة في داخل وخارج دائرة القضاء وترويج ثقافة الحلول البديلة لدى الجمهور والمتقاضين، والإعلام الخارجي والداخلي بمزايا الحلول البديلة وفوائدها، في إقرار العدالة وفض المنازعات دون كلفة ولا تعقيد في الإجراءات، بالإضافة إلى تدريب الكوادر المختلفة، الفنية والإدارية العاملة في الادارة، على النهج المثالي لهذه الحلول.

وذلك بالتنسيق والتعاون مع أكاديمية الدراسات القضائية والتدريب المختص، كما يحرص المسؤولون في ادارة الحلول البديلة، على إجراء زيارات تفقدية لمواقع العمل الميدانية، بقصد دفع وتطوير الأداء في كل منها، وعقد اجتماعات دورية وطارئة مع المسؤولين بمواقع الحلول البديلة، لمناقشة المشكلات العارضة ووضع حلول لها.

وتحسين الأداء ورفع معدلات الإنجاز تباعاً وإلى أقصى ما يمكن، بالإضافة إلى العمل على إعلاء روح جديدة للعمل، تستهدف أن يكون الأصل الغالب في تطبيق وسائل الحلول البديلة، هو فض المنازعة بواسطتها دون غيرها، وأن يقتصر الاستثناء وهو إحالة المنازعة إلى المحاكم على أضيق نطاق.

ولا يكون إلا بعد استنفاد كل الجهود الممكنة للتسوية الودية والمشورة والتوفيق والمصالحة، وقد وضعت الإدارة معياراً للأداء المنشود من لجان التوفيق والتوجيه الأسري، بنسبة ما تنجح في حله لا في ما تحيله إلى المحكمة، مع النظر في تقدير حوافز للعاملين في مواقع الحلول البديلة، وجزاءات خاصة تناسب طبيعة عملهم ومستوى الأداء، والاهتمام بالشكاوى المتعلقة بممارسة عمليات الحلول البديلة.

وخاصة التوجيه الأسري والتوفيق والمصالحة، وسرعة فحصها لإزالة أسباب الشكوى ومجازاة المتسبب، وتلقي إحصاءات تفصيلية شهرية عن خدمات الحلول البديلة وتحليل الإحصاءات، وتكليف كل من العاملين في الحلول البديلة بتقييم ذاتي نصف سنوى عن كفاءته وأدائه، ووضع هذا التقييم تحت المراجعة والتمحيص.

والسعي إلى سن تقنين جامع لوسائل الحلول البديلة لفض النزاعات، أي وضع قانون يكون بمثابة مدونة تشريعية شاملة لأحكام هذه الوسائل، مع استحداث نظام جديد للوساطة بأنواعها المختلفة في المنازعات التجارية، فضلاً عما تقوم به لجان التوفيق والتوجيه الأسري من وساطة حالياً،.

وكذا نظام التقييم المبكر والمحايد للنزاع، بتوفير المشورة الخالصة والتوعية النزيهة التي تغني عن إقامة الدعاوي القضائية، والتشجيع على نظام الصلح في المواد الجزائية، والمعاونة على زيادة تطبيقاته، وإضافة وسائل مماثلة في المجال الجزائي، كالأوامر الجزائية أو كالعمل للمنفعة العامة بديلاً عن بعض العقوبات التقليدية.

آليات العمل

وحول ماهية هذه الحلول البديلة لفض النزاعات في دائرة القضاء في أبوظبي، أجاب الشوربجي بأن الحلول البديلة بشكل عام، هي مجموعة من الآليات يلجأ إليها الأطراف عوضاً عن القضاء العادي عند نشوء خلاف بينهم، بغية التوصل لحل ذلك الخلاف.

ويخرج التقاضي عن إطار هذا التعريف، إذ لا يعد وسيلة بديلة لحل النزاعات بل وسيلة أصيلة، إذ إن الأصل في الأطراف اللجوء إلى المحاكم ومحاولة حل النزاعات التي بينهم عبر التقاضي في حال نشوء خلاف بينها، أما أكثر الحلول شيوعاً من ضمن الحلول البديلة لحل النزاعات في دائرة القضاء بأبوظبي، فهو التفاوض القائم على الحوار المباشر بين الطرفين المتنازعين سعياً لحل الخلاف.

ولا يحتاج التفاوض إلى أي طرف ثالث، بل يعتمد على الحوار بين الطرفين مباشرة، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من تمثيل المتنازعين بواسطة محامين أو وكلاء لهم، إذ لا يغيّر ذلك من طبيعة التفاوض، ما دام الوكلاء يملكون سلطة اتخاذ القرار عن موكليهم، أما الحل عن طريق الوساطة فهو مرحلة متقدمة من التفاوض تتم بمشاركة طرف ثالث (وسيط)، يعمل على تسهيل الحوار بين الطرفين المتنازعين ومساعدتهما على التوصل لتسوية.

ولا يجوز للوسيط اتخاذ قرار بات في أساس النزاع، بل إن دوره ينحصر في محاولة تقريب وجهات نظر الطرفين (أو الأطراف) وردم الهوة بينها، وفي طرح الحلول البديلة أمامهم دون فرض أي منها عليهم، وإن كان بعضهم يرى أنه يمتنع على الوسيط القيام بطرح حلول بديلة على الأطراف، إذ إن دوره في هذه الحالة ينقلب لدور الموفّق.

وتنقلب العملية إلى التوفيق، وأشار الشوربجي إلى أنه لا يوجد ما يلْزم المتنازعين على السير في عملية الوساطة حتى نهايتها، إذ يستطيع أي طرف الانسحاب من العملية في أي وقت يشاء، ما لم يتم الوصول لتسوية.

ودون أن يترتب عليه أية نتائج قانونية، إلا أن التسوية الناشئة عن عملية الوساطة فيما لو تم التوصل إليها تصبح ملزمة لأطرافها، وما يميز عملية الوساطة أيضاً السرية، إذ يحظر على الوسيط أو الأطراف إفشاء ما دار فيها أو استعماله أمام أية محكمة.

التقييم الحيادي المبكر أحد آليات التحكيم المتقدمة

أشار مدير إدارة الحلول البديلة في دائرة قضاء أبوظبي إلى أن أحد وسائل الحل في الوساطة هي التقييم الحيادي المبكر، والذي يتم من خلال عرض الأطراف أو محاميهم، لنزاعهم أمام طرف محايد ذي ثقافة قانونية واسعة (محام أو قاضِ سابق)، يكلف بتقييم القضية المعروضة، وبعد أن يلتقي الطرف المحايد بالطرفين مجتمعين، يلتقي بكل طرف على حدة، ليستمع منه إلى التفاصيل المتعلقة بالوقائع والأحداث التي هي محل النزاع.

كما يستطيع الأطراف تقديم بياناتهم الخطية أمام المحايد، الذي يصدر في النهاية قراراً يبين من خلاله المراكز القانونية لكل طرف، ولا يكون رأي المحايد هنا ملزماً للأطراف، إذ لا يجبر أي منها على الأخذ به.

وفي الغالب، يأخذ المحايد بعد إصدار «قراره» دور الوسيط، إذ يعمل على محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين بعد أن يبين لهما مراكزهما القانونية. أما التحكيم فيعتبر من حيث نتيجته ملزماً، ويمكن تعريفه بأنه وسيلة يختارها الأطراف لفض المنازعات الناشئة بينهم، عن طريق طرح النزاع للبت فيه بقرار ملزم لهم من قبل شخص أو أشخاص يعيّنونهم بالاتفاق ويسمون بالمحكمين.

وذلك ضمن قواعد يختارها الأطراف أو يتركون للقوانين ذات العلاقة تحديدها، وأوضح الشربجي أن المحكم يملك سلطة اتخاذ القرار في أساس النزاع والبت فيه، وهذا على خلاف الوسيط الذي لا يملك هذه السلطة.

كما أن التحكيم متى اتفق عليه (قبل نشوء النزاع أو بعده) يصبح ملزماً، ويتوجب على الأطراف السير فيه حتى نهاية إجراءاته وإصدار القرار المنهي للخصومة من خلاله، ويعتبر حكم التحكيم ملزماً ويستوي مع القرار الصادر عن المحكمة، إذا ما صيغ بالشكل الذي نص عليه القانون.

ويمكن للأطراف الاتفاق على اللجوء للتحكيم عند بدء العلاقة بينهم وقبل حصول نزاع، كأن يوردون بنداً في عقدهم يشير إلى موافقتهم على إحالة أي نزاع ينشأ بينهم للتحكيم. كما يمكن لهم إبرام اتفاقية تحكيم بعد نشوء النزاع يبينون فيها تفاصيل الخلاف وموافقتهم على إحالته للتحكيم (التحكيم الاختياري).

حوار: إيمان كلش