في زمن السينما الصامتة، كانت العلاقة مع الزمن الفيلميّ مُختلفة تماماً، بسبب تصوير الأفلام بسرعة 18 صورة في الثانية بدلاً من 24، مما جعلَ حركة المُمثلين أكثر سرعةً من المُعتاد في الحياة الواقعية.

وعلى العكس، تُنتج الحركة البطيئة في الصورة (Slow motion) عن طريق التصوير بسرعةٍ أكثر من 24 صورة في الثانية، وكلما زادَ عدد الصور المُنطبعة على الشريط الخام في وقتٍ معين، كلما كانت حركة الصورة أبطأ عند عرضها بالسرعة القياسية، ومع المونتاج والمُؤثرات الرقمية، أصبحت الحركة البطيئة مُتداولة الاستخدام وخاصةً في أفلام المُغامرات والحركة.

وبما أنّها تأثيرٌ بصريّ يمنح المُتفرج إمكانية قراءة الصورة وتفحصها بشكلٍ أفضل، نجدها تُسبب مشكلةً في الصوت، حيث يصبح الحوار مُشوّهاً، ممطوطاً وغير قابلٍ للفهم.

بتغيّير زمن الصورة التي نُشاهدها، تمنحها الحركة البطيئة شكلاً شبيهاً باللوحة، وزماناً جديداً مُرتبطاً بالاندهاش والتأكيد على لحظةٍ ما وتمديدها لمنحها مذاقاً مختلفاً.

بعض السينمائيين يستخدم هذا التأثير لخلق إيقاعٍ موسيقيّ، حيث تصبح الحركات البطيئة خطواتٍ راقصة وتتحوّل المَشاهد إلى باليهات، وبعيداً عن الاستخدامات الهوليودية المُتفق عليها، فإنّ الحركة البطيئة تجعل الصورة صوتاً، موسيقى، ورقصاً.

ولفهمٍ أفضل لبعض وظائفها، وتأثيراتها، نستعرض فيلماً نموذجاً تحتفي به الدورة الثالثة لمهرجان الخليج السينمائي في دبي.

(Recycle Diary ) ويمكنُ ترجمته إلي «يوميات حجر»، من إنتاج عام 2008، وإخراج «إيفي كونكر»، فيلمٌ تركيّ تجريبيّ قصير، أصيلٌ في فكرته، ومُجددٌ في بنائه السينمائيّ، يعتمدُ بكامل مدته الزمنية (4 دقائق) على الحركة البطيئة في الصورة كمُفردةٍ جمالية جوهرية.

تُحوّل المسار الدرامي المُتشظي للفيلم إلى قصيدةٍ بصرية تُعيد للحركة البطيئة اعتبارها بعيداً عن استخداماتها المُتداولة في مواقف محددة، هنا، تُجسّد نظرة الكاميرا التأملية وتُركز مُؤكدةً على لحظاتٍ حياتية لا نُعيرها انتباهاً، وعلى عكس ما هو شائعٌ، لا يقدم الفيلم واقعاً حقيقياً، ولا افتراضياً.

ولكن شعرية كامنة في مُجرياته العادية، هو بالأحرى انعكاسٌ لصورٍ ذهنية مُستوحاة من الواقع، محاولة في خلق واقعٍ مُتخيل، حلميّ إن صحّ التعبير، والفيلم هو كلّ ما يمكن تخيّله ماعدا مرآة للواقع أو نسخة معكوسة عنه.

منذ اللقطة الأولى، يلجأ البناء السينمائيّ إلى الحركة البطيئة في الصورة، ويقدم يوميات حجرٍ بدون تسلسلٍ دراميّ محدد.

انتقالٌ متواصلٌ من عمق الصورة إلى مقدمتها عن طريق ضبط البعد البؤريّ للعدسة، فيكون الحجر في المُقدمة واضحاً، وكلّ ما يحدث من أفعالٍ في العمق شبحية.

الكاميرا في زاويةٍ منخفضة، تُلامس الأرض، وتُظهر حجراً صغيراً يكاد يملأ مساحة الصورة، إنه علامةٌ لتحديد مرمى هدفٍ مُرتجلٍ يستخدمه أطفالٌ يتقاذفون كرة.

ولكنّ نفس الحجر أو غيره يمنع عجلة سيارةٍ من التحرّك، يكسر حبة جوزٍ، يُشارك في مُشاجرة، يُحطم زجاج سيارة، يسندُ باب مخزنٍ، يستعيدُ كرةً مُعلقة في طرف الهدف الحديديّ الدائريّ، تستخدمه فتياتٌ صغيرات في لعبة مربعاتٍ، وأخيراً، يقذفه طفلٌ في مياه البحر كي يستقرّ في أعماقه إلى الأبد.

دبي ـ صلاح سرميني