ما بينَ روح شرائط الفيديو المُوسيقيّة، تقنيات أفلام التحريك، جماليات الأفلام الإيقاعيّة البنائيّة، وعبث الشخصيات المُثقلة بهمومها الإبداعية، يلجأ السينمائيّ الفرنسيّ التجريبيّ «فرانسوا فوجيل» إلى أسلوبٍ يُعيدُ معمارية الواقع، ويُحوّله إلى أشكالٍ مُمتدّة في الزمان والمكان، حيث يختلُّ توازن الأشياء، وترتخي في فضاءٍ يخلو من الجاذبية، مُنجزاً هذياناً بصرياً مُتعقلاً.
مع كاميرات لا تهدأ، عدسات واسعة جداً، منظومات مصنوعة يدوياً وألعاب أطفالٍ وكبار، يتخطى «فرانسوا فوجيل» مفهوم التجريب إلى الاكتشاف، مُستفيداً من أشرطة الأخوين لوميّير وخدع جورج ميلييس، مُروراً بالحركات الطليعية ولا يتوقف عند آخر المُستحدثات التقنية الرقمية.
في أفلامه، يستلهمُ أفكاره من التأثيرات البصرية للعدسات، المراجيح الكبيرة المُدوّخة، الألعاب البصرية التي سبقت اختراع «السينماتوغراف» وأحدث التقنيات الصوتية والبصرية المُتوفرة حالياً.تتحوّل الكاميرات إلى لعبةٍ ويتسامى هذا اللعب الطفوليّ إلى مُنجزاتٍ إبداعية، وفيها تتعايشُ الصور في «كولاجٍ سينمائيّ» وتتباعدُ الشخصيات وتتقاربُ بطريقةٍ آلية في أزمنةٍ وأمكنةٍ مُركبة ومُصطنعة.
وعن طريقها، يخلقُ «فرانسوا فوجيل» عوالمَ مُقعرة، يُفتتُ عناصر الصورة ويُدّمر المفاهيم التقليدية للمشهد واللقطة، مُبدعاً صوراً مُتناضدة، تتزحلقُ فوق الصورة الأصلية الأكبر، تتناسخُ فيما بينها أحياناً، تتكوّرُ في حالاتٍ أخرى وتمتدُّ إلى ما لا نهايةٍ في تأثيراتٍ «كليودوسكوبية».
«فرانسوا فوجيل»، يغرفُ من جماليات السينما التجريبية ويُثريها بمُفرداتٍ جديدة، يتلاعبُ بالصورة كما الصوت.
ده «فرانسوا فوجيل» يعرفُ خبايا صنعته والطريقة التي يجعل صوره سائلةً، وكأنها تُعرض فوق سطح الماء وتتشوّه بفعلِ موجاته (خشخشة الخنافس ـ 10 د ـ 1992)، وفي كلّ فيلمٍ يقدم فكرةً جماليةً مختلفة، يُحوّل فيها المألوف إلى حدثٍ مُبهر (قطاف ـ2 د ـ1995).
أحياناً، يتخير تشكيلاتٍ خطية بسيطة ويمزجُ ما بين الكولاج والإنشاءات السمعية البصرية (طبيعة ضاحكة ـ دقائق، و45 ثانية ـ 1996).ومراتٍ، يستخدم مادةً تسجيلية يُحوّرها على مذاقه الخاصّ في الاقتحام والتراجع، تشويه الصورة، تقعيرها واستنساخها ببساطة، يُسجلُّ صوراً لبعض المُمارسات العارضة، يُغير من رتابتها المألوفة ويجعلها تتدفق بإيقاعٍ آليّ (شارع فرانسيس ـ 4 د ـ 1997).
ولكنه في(دجاجة جيرار ـ 4 د ـ1997) يعود إلى الحكاية، وكعادته يقدمها بشكلٍ مُغاير مُستعيناً بشخصيات مُتوَهمّة على الأرجح، أو يحبسها في مربعاتٍ ومستطيلاتٍ ودوائر، تبدو مُقحمة عمداً على الديكور (سقفٌ اصطناعيّ ـ 6 د ـ 1999).
في (حياة ـ النهاية ـ 4 د ـ 2002) تبدو الشخصيتان مرسومتان، يُحركهما «فرانسوا فوجيل» فوق الشاشة ويُصورهما صورةً صورة كي يحصل على حركةٍ متقطعة وآلية. يحاولُ الارتكاز على مُمارساتٍ يومية مألوفة، يتجزأ المكان الواحد إلى أمكنةٍ صغيرة ويتفككّ الزمن إلى أزمنةٍ متعددة ومُتراكبة وتتناسخُ الشخصيات.
يجتزئُ مساحةً صغيرة من الصورة الأصلية التي تملأ الشاشة ويضعها فوق كلّ شخصية كي تتحرك معها يميناً أو شمالاً، نحو الأعلى أو الأسفل، يجعلها بالأحرى تتزحلق أو تتراقص مع موسيقى مُتكررة. كولاجٌ سينمائيّ ولعبة مرايا كلّ واحدةٍ تعكس صورة الأخرى وشخصيات فقدت قدرتها على الحركة المُنتظمة.
(السلطعونات ـ 6 د ـ 2002) أكثر الأفلام بناءً في حكايته، مجموعتان من البشر المُتوَهمّين تتحاربان فيما بينهما، لغتهم همهمة، صراخٌ، وكلمات غير مفهومة، الشخصيات مُستنسخة ومحبوسة داخل إطاراتٍ شفافة، تضيق وتتسّع وُفق حركاتهم.
وكما يهزّ «فرانسوا فوجيل» إدراكنا البصريّ، فإنه في (لعبة ثلاث قطط صغيرة ـ 6 د ـ 2003) يُخلخلُ شريط الصوت بين شخصياتٍ تتبادلُ بطريقةٍ آلية حواراً يرتكزُ على لعبةٍ لغوية مُقدماً نموذجاً أصيلاً لسينما لا تستمدُّ مرجعيّاتها من الأفلام الحكائية.
وفي (دوار ـ 7 د ـ 2006) نكتشف بأنّ الصورة والصوت يتخلقان لحظياً أثناء تصوير الفيلم، وفي كلّ أفلامه يتجسّد مفهوم «اللعب»، لقد تحوّلت الكاميرا إلى «لعبةٍ»، حيث يستخدم ألعاباً تمّ تجهيزها يدوياً لإنتاج تأثيراتٍ بصرية وصوتية. هنا، أكثر من كاميرا وصور مُلتصقة فوق الصورة الأساسية، تتزحلقُ، تتوالدُ، تتعانقُ وتتراقصُ.
تتجلى في الصورة لعبة الفيلم وقرينه، الفيلم (الأفلام داخل الفيلم) يشاهدُها المُتفرج وفي كلّ صورة صغيرة يرى ما تقوم الكاميرا الأخرى بتصويره.والمنظومات المُعدّة سلفاً، تنتجُ شريط الصوت مباشرة، ورُبما يعمدُ «فرانسوا فوجيل» لاحقاً إلى تشذيبها وإثرائها بإضافاتٍ طفيفة، هنا أيضاً، مكانٌ واحد، ساحة أمام مبنى، كلّ الأمكنة والأزمنة قابلة للتصوير.
يستطيع «فرانسوا فوجيل» انتزاع أيّ مكانٍ من صورته الواقعية المألوفة ومنحه صورة أخرى أكثر ديناميكية، أماكن هائجة، مُعلقة، ممطوطة، مُرتخيّة، مُترنحة، ثملة ومُنتشية، حيث تتحركُ في كلّ الاتجاهات، يمكن أن تميل وتسقط ولكنّ «فرانسوا» يقبضُ عليها بعدسته ويُعيدها في أيّ لحظةٍ يشاء إلى صورتها الأصلية.
في (مطبخ ـ4 د ـ2007) الكاميرا، عدستها والأنظمة التقنية المُبتكرة، تخلقُ المُؤثرات لحظة التصوير نفسها، يستعينُ «فرانسوا» بعدسةٍ واسعة جداً ولعبة مرايا تُسمّى «Kaleidoscope» التي تمطّ الصورة إلى ما لا نهاية، مكانٌ واحدٌ لا حدود له.
في فيلم (بعد المطر ـ4 د ـ2008) يمزجُ جماليات أشرطة الفيديو كليب الفنية وأفلام التحريك، يفتتُ وجوه شخصياته المحبوسة في أكواخٍ صغيرة لا تتسّع لأكثر من عينٍ، أو شفتين تتعلقُ أجزاء الوجه بالصورة الأساسية الكبيرة التي تملأ مساحة الشاشة.
إنه فيلمٌ يتشكلُ من لقطاتٍ مُركبة، الصغيرة الرمادية ملتصقة فوق أخرى أكبر منها احتفظت بألوانها المُتألقة وأحياناً تتزحلق فوق حلزونات، أو تطير بأجنحةٍ كرتونية، هنا، يُدمر «فرانسوا فوجيل» المفهوم التقليديّ لأحجام اللقطات.
يُشير العنوان (Rebus ـ 5 د ـ2008) إلى لعبةٍ فرنسية تعتمدُ على الكلمات والرسوم، يُجسّدها «فرانسوا فوجيل» بصريّاً، المكان عنده محدودٌ تماما، مطبخ وحديقة البيت، وشريط الصوت كلمات، وبعض المُؤثرات مشوّهة بدورها، أسلوب بنائيّ، تقعير الصورة ومن ثم تناسخها في لحظةٍ ما وتحوّلها إلى لوحةٍ سينمائية مُزدهرة بالألوان، ومُبتهجة.
في (Stretching ـ 4 دقائق، و30 ثانية ـ2009)، ـ وتعني حركات التسخين والتهيئة الجسدية ـ يستعيرُ مرجعياته من الجماليات الإبداعية للفيديو كليب الفنيّ.
في الفيلم، شخصيةٌ وحيدةٌ مُثقلة بالهموم التشكيليّة، تمارسُ طقساً رياضياً راقصاً مع عناصر المكان (شوارع مدينة مانهاتن، جسورها وأبنيتها).
إنه عملٌ جسديٌّ، تجسيديّ، الكاميرا فيه لا تهدأ عن طقوسها الاقتحامية التراجعية، وعدسةٌ واسعة جداً «عين السمكة» مُصابةٌ بشرهٍ إبداعيّ جماليّ، تُوشك على ابتلاع أمكنةٍ هانئة بصورها الواقعية، ولكن حالما تتبينُ بأنها في مواجهة مخلوقاتٍ جامدة وعسيرة الهضم، تتقيأها، ومن ثمّ تُعاندُ في اضطراباتها الهضمية بتحويلها إلى أشكالٍ تجريدية لفترةٍ مؤقتة قبل أن تلتهمها من جديد وتلفظها مُشوّهة المعالم.
إنه فيلمٌ مُختبريّ، وفيه تفقدُ الأبنية الجامدة الثقيلة صلابتها وتقبلُ راضيةً أو مُرغمةً بحالتها المطاطية اللزجة.قبل مُشاهدة أفلام «فرانسوا فوجيل»، دعونا نتناسى طوعياً واقعاً رتيباً ونتخلى عن أثقالنا كي نستمتعَ بصورٍ مُبتهجة حتى الانتشاء.
عروض اليوم
* يُعرض اليوم فيلم «المحنة»، أول الأفلام الطويلة للمخرج حيدر رشيد ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة عند الساعة 156 مساءً في «جراند فستيفال سينما 10». ويناقش الفيلم موضوع الغربة في لندن القاسية والعاجّة بفوضى الزحام والحركة.
* وضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة يعرض أيضاً، فيلم «حنين» (جراند فستيفال سينما 7، الساعة 156 مساءً) ويروي قصة حول تعايش فئات المجتمع البحريني خلال ثمانينات القرن الماضي، وفيلم «ضربة البداية» للمخرج شوكت أمين كوركي (جراند فستيفال سينما 5، الساعة 159 مساءً).
* وفي مسابقة الأفلام القصيرة للطلبة يُعرض فيلم «إششش» للمخرجتين الإماراتيتين حفصة المطوع وشما أبو نواس، ويسلّط الفيلم الضوء على التعقيدات ومشاعر الغيرة والحقد التي تحيط بعلاقة الصداقة.
* وتشهد العروض أيضا فيلم «الفناء» للمخرج الكويتي عمر المعصب، الذي يقدم رحلة تأخذ منحنى آخر في أبعاد جديدة تغوص في أعماق العقل. وسيجري عرضه الساعة السابعة مساء اليوم والساعة الرابعة من مساء غد الأحد في «جراند فستيفال سينما 4».
* وضمن المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة يعرض «فيلم ليفيتي ـ زيرو إيرور ماينس 1» للمخرج المقيم في الإمارات أشرف غوري في الساعة السابعة مساءً.
التفاصيل في الأخيرة
دبي ـ صلاح سرميني



